في سالف الأيام، كان العرب يتنافسون على لقب الأكثر بعدًا عن التطبيع مع الصهاينة، والأعلى صوتًا في رفض الالتحاق بالمشروع الأميركي، والأوضح موقفًا في التمسّك بالحق الفلسطيني، كاملًا غير منقوص. أما الآن، فجاء الوقت الذي يتصارع فيه محيطنا على من يكون الأكثر تطبيعًا، يستوي في ذلك التطبيع المباشر، الصريح ، أو التطبيع الموارب، كما في حالة توافد البعثات الرياضية الصهيونية على عواصم عربية كثيرة . الأسوأ أن التهافت على التطبيع صار جزءًا من إدارة الصراعات (العربية – العربية)، مكايدة واستقواءً وحجزًا للأماكن المميزة في القطار الإسرائيلي الأميركي، وكأن تل أبيب صارت المخرج من الأزمات، تشدّ إليها الرحال، حين يستعر الصراع بين الأشقّاء العرب أو بين أشقاء البيت الواحد كما في حالتنا السودانية الآن. التطبيع في محيطنا وإقليمنا ليس مُقابله الرخاء الاقتصادي والرفاهية للشعوب كما يظن بعض الحالمين الذين لا ينظرون إلى التجارب من حولنا،التطبيع مُقابله حماية (الأنظمة) التي توافق على التطبيع وتمكينها وبالتالي تصبح أنظمة تحت الحماية والوصاية وبالضرورة تمكينها ،لن يكون بغير القوة الأمنية مادامت هي فاقدة للسند الشعبي وتتجه وِجهةً لا ترضاها شعوبها ، الصورة التي يرضاها التطبيع وتتناسب معه هي صورة الديكتاتوريات الباطشة بالداخل المُصادِرة لحق شعوبها في الاختيار (السيسي والبرهاننموذجاً). وعلى هذا فالثوريّ والناشط والحزبي ( أيّاً كان اتجاهه الفكري أو التزامه الأخلاقي)لا يمكن أن يكون التطبيع اختياره لأنَّ النموذج الذي يصنعه التطبيع في منطقتنا لا مكان فيه لثُوَّار ولا نُشطاء ولا أحزاب. فقط ماركة مسجلة للانقلابيين لصبغ الشرعية وتمكينهم من الحكم والسلطة (اسرائيل هي من تختار الحكام حتى في القارة السمراء!!) ، لأن الوصول إلى قلب أمريكا لا سبيل له إلا عبر الشرايين الإسرائيلية. وفقا للرؤية الأمريكية والإسرائيلية فإن التطبيع ليس مجرد إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية وغيرها، كشأن العلاقات الندية بين سائر الدول ولكنه يعني دون مبالغة الاستسلام للإرادة الإسرائيلية، بما يشمل مراجعة جذرية للثوابت العربية والإسلامية والتاريخية كافة.
في هذه اللحظة البائسة، بات أقصى ما تطمح إليه عاصمة عربية أن يقال إنها الأكثر تسامحًا وسعة صدرٍ مع رافضي التطبيع، وبعد أن كان معيار المفاخرة أن هذه العاصمة أو تلك عصيةٌ أكثر من غيرها على الاختراق التطبيعي، يتدنّى المعيار إلى الأكثر تسامحًا مع مظاهر الاحتجاج الخجول على الأنشطة التطبيعية، باعتبار ذلك دليل تنوّع وقبول للاختلاف في وجهات النظر. تتيح هذه الوضعية لجمهور نظام البرهان الانقلابي، الذي هو منتج صهيوني بالأساس، فرصة التندر والسخرية من عواصم عربية كانت، حتى وقت قريب، تظهر اندهاشًا وامتعاضًا من هذا التماهي والانصهار الكاملين بين خرطوم الانقلاب العسكري، المدعوم إسرائيليًا، والاحتلال الصهيوني، المخدوم بأدوات من الداخل، الأمر الذي باتت معه أبواب التطبيع مفتوحةً، من دون مزايدة أو معايرة، إذ لم يعد مقبولًا، منطقيًا أو أخلاقيًا، أن يأتي شخصٌ ويبرّر التطبيع في نقطة، ويهاجمه في نقطة أخرى، فإذا اتفقنا على أن كل التطبيع جريمة في أي وقت.. وفي أي مكان، فإن إدانته واجبةٌ بالدرجة ذاتها، بصرف النظر عن حجمه وعن مرتكبه.
والحاصل أن تيار التطبيع لم يجد كل هذه المساحات المفتوحة للتمدّد إلا مع انكسار موجة الربيع العربي، ولو نظرت إلى ثورات الشعوب العربية قبل خمس سنوات، ستجد القضية الفلسطينية في القلب منها، ورافدًا أساسيًا من روافد الغضب والرغبة في التغيير والتحرّر من أنظمةٍ حكمت بالاستبداد والقمع، بحيث كان الربيع العربي سيرًا في الطريق المعاكس لنهج التطبيع، حيث تتأكد المعادلة بأن الربيع والتطبيع لا يلتقيان، فالذي يقف مع التطبيع سيكون بالضرورة ضد الربيع ولو قال فيه شعرًا. وعلى ذلك، ليس غريبًا أن من يحاربون الربيع العربي، على مدار السنوات الخمس الماضية، هم الأكثر هرولةً في اتجاه التطبيع، والأشد تلمظًا من مشروع مقاومة الانقلابات والاحتلال، إذ يشكلون فيما بينهم محورًا معاديًا للتغيير والتحرير معاً.
الآن فقط تَبيَّن لكل ذي عينين أنَّ وعودَ رغدِ التطبيع و انتظار جنةِ رخائه كانتْ محضَ أوهامٍ وغطاء لمشروع تمكين قوة مهيمنة موالية لدولة الكيان لا أكثر ولا أقل. الآن فقط يحتاج من سعى ذلك المسعى البائس إلى بعض اعتراف … فكلهم قد كانوا فيه شركاء .. إن سلمنا بأن البرهان ذهب وحده من تلقاء نفسه ليلتقي بزعيم ذلك الكيان في يوغندا فقرار إلغاء قانون مقاطعة دولة الكيان كان قرار مؤسستهم جميعا التي كانوا فيها شركاء.
كان يمكن لاى إسلامي (صادق) أن يقف يحدِّث الناس في التطبيع حديث العقيدة الصافية عن أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكان يمكن لاي وطني قومي (صادق) أن يحدِّث الناس عن خطورة هذا الكيان على قوميةٍ الأصلُ فيها أنها أمة واحدة ذات رسالة خالدة .. وكان يمكن لشيوعي (صادق) أن يكلمهم عن واجب الثورة في حركة تحررية ضد كيان تجاوز الاستعمار إلى الاستيطان .. وكان يمكن لمؤمن بحقوق الإنسان (صادق) أن يحدّث الناس عن (لاإنسانية) الكيان وعن جرائمه وانتهاكاته في هذا الباب، لكن الذي جمعَ ذلك كله وزادَ عليه في مرافعات متماسكة ومقالات محكمة وحجج دامغة كان الإمام الصادق المهدي .. كان الرجل شديد الإيمان بأن التطبيع في منطقتنا ينطوي على مخاطر سياسية وأمنية ومجتمعية وكان يعرف بنظره البعيد أن التطبيع في محيطنا الذي نعيش فيه والديمقراطية ضدان لا يجتمعان .. وأن التطبيع والحريات نقيضان لا يلتقيان .. كان يرى (التطبيع) و(التركيع) و(التقطيع) حلقات تنتظم مع بعضها في سلك واحد كل حلقة تقود إلى أختها.
كان رأيه المعلن الذي جهر به والذي هو خلاصة كل الذي سبق أن التطبيع لا يكون مع (غير الطبيعي) وهذا الكيان غير طبيعي،لم يكتف رحمه الله بواجب البيان فقط بل ذهب في خطوات أبعد … قاطع مؤتمرات في الداخل بعد خطوة التطبيع الأولى وصرَّح بضرورة محاكمة مَنْ قام بها بقانون مقاطعة الكيان الذي كان سارياً وقد كان له من الوزن السياسي ما يجعل تصريحه هذا يُحسبُ في دائرة الفعل لا دائرة الكلام. لم يكن بمستغرب والحال هذا حاله أن يكون آخر ما خطه بيده رحمه الله وصلاً لبيانه في مناهضة التطبيع وأباطيله وترهاته. كان الإمام الصادق ر ينبوعَ حِكمة ومستودع نَظَر ، لو هدأتْ ثائرةُ الحملات المُوجَّهة ضده وانقشعَ غبارُ التربص به وانزاحَ سِتر الحَزازات القديمة عليه وانكشفَ حجابُ المُعاصَرة المُزهِّد فيه.
من عِبَرِ الفترة الانتقالية بالسودان
التطبيع والتحول الديمقراطي ضدان لا يلتقيان … الذين صَفَّقوا لخطوة التطبيع أملاً في تحسن اقتصاد من ورائها غاب عنهم أن الكيان غير الطبيعي الذي يعلم أنه مرفوض شعبيا لن يختار غير الأنظمة الفوقية التي لا تنتخبها تلك الشعوب الرافضة له … ولن يكون أمامه خيار غير قطع الطريق على أيِّ محاولة لتمكين الشعوب تلك من حقها في الاختيار. البرهان ما يزال في حواراته على الفضائيات العربية يؤكد أنه ساعٍ للتطبيع مع الكيان، والبرهان كان ساعياً لهذا التطبيع قبل ٢٥ أكتوبر في وجود (البعثيين) معه في سلطته!!. لماذا قَبِل (البعثيون) مشاركة ساعٍ للتطبيع؟؟ لأن هذا الساعي للتطبيع قد انقلب على خصومهم (الاسلاميين)!!..والبرهان ساعٍ لهذا التطبيع بعد ٢٥ أكتوبر ومع ذلك يُصفِّق له إسلاميون!!.. لماذا يُصفِّق (إسلاميون) لساعٍ للتطبيع ؟؟ لأنَّ هذا الساعي للتطبيع قد انقلب الآن على خصومهم (قوى الحرية والتغيير)!! ، المفارقة هنا أنَّ التطبيع يتعارض مع أصول أفكار البعثيين والإسلاميين معاً !! .. ولو قُدِّر لقضية أن تجمع بعثياً وإسلامياً فلا يُتصوَّر أن تكون هذه القضية غير مُناهضة التطبيع!! هذه واحدة من تجليات مسرح العبث في حياتنا السياسية.. أنك لا تكاد تميِّز أصول الأفكار المؤسِّسة عند أحزابنا السياسية!!
تعرَّفْ إلى شعبك في الرخاء يعرفْك في الشدة .. الأصل في الفترات الانتقالية أن تحميها الكثرة الكاثرة من القوى الشعبية وليس الهرولة الى الكيان الصهيوني… وبالضرورة هذه الحماية الشعبية تحتاج أول ما تحتاج أن تشعر هذه القوى أن هذا الانتقال منها وبها وإليها … الذين جعلوا الفترة الانتقالية في وثيقتها الدستورية وفي سُلطاتها وفي إعلامها وفي كل شيء حقاً خالصاً لهم من دون الناس إلا من شركائهم العسكريين سيعسُر عليهم جمع الجماهير على شدة وقد كانوا على أيام رخائهم في هذه الجماهير من الزاهدين. ما جعلته خاصاً بك لن يصبح فجأة يعني الجميع!!.
السياسي السوداني يمكن أن يربط على عنقه كرافتة (البنك الدولي) وهو يُغنِّي لشرف (الأيدي العُماليّة) ويطلب نصراً من (فولكر) وهو يُغنِّي ل(كرري) التي تُحدِّثُ عن رجالٍ كالأسود الضارية ويشارك ساعياً للتطبيع وهو يهتف لأمةٍ (عربية) واحدة ذات رسالة خالدة أو يُصفِّق له وهو يهتف (القدس) لنا لا للظلمة..!! .. يفعل هذا كله بلا أدنى شعور بالحرج، أكثر السياسيين عندنا يرفضون وجود (العسكر) في السياسة (فقط) حين يكون العسكر حلفاء لخصومهم السياسيين، لكن متى ما أظهر العسكر ميلاً لهم واستعداداً لمساعدتهم في (دَوس) خصومهم السياسيين حينها يصبح (العسكري) الذي كانوا يشتمونه بالأمس حارسَهم وفارسَهم وبيتَهم ومدارسَهم .. أكثر السياسيين عندنا يريدون (العسكر) مطرقةً يهوون بها على رؤوس خصومهم وبازاً يصيدونهم به .. فإذا ارتدت تلك (المطرقة) لضرب رؤوس الجميع -كالعادة- وانقلبَ ذلك (الباز) ليصيد الجميع -كالعادة أيضاً- رجعت شتيمة العسكر من جديد!!. بكل أسف هذه هي دورة حياتنا السياسية التي ندور داخلها منذ الاستقلال بلا تعلم من درس ولا استفادة من تجربة..!!.
رعب الأحزاب السياسية من انسلاخ لجان المقاومةوحتمية الصدام ..
هنالك طرفان تجتمع مصالح بقية الأطراف حول إخراجهما من العملية السياسية، ومن مصلحة كل واحد منهما خروج الآخر: لجان المقاومة والدعم السريع .(انتهت المهمةوالآن مادا سنفعل بالأدوات؟) سؤال هايلاسيسي الشهير لا أظنه يغيب عن بال قادة الأحزاب والكتل المدنية. حتى الآن تستطيع الأحزاب مسايرة اللجان، وتمني بعض الأحزاب نفسها بالسيطرة على اللجان! لكن يبقى الصدام حتمي. لا نلوم الحزب الشيوعي أبدًا على الحرب التي شنها على كل القوى السياسية المدنية التي تحركت داخل فضاءه الحيوي أوساط. المدن والعمال والمثقفين والطلاب! ، كان التنافس بين الحزب الشيوعي والحركة الإسلامية سيكون أقل ضراوة لو أن الإسلاميين تمددوا مثل حركة طالبان في الخلاوي والمعاهد الدينية، أو وسط قبائل حدودية أو في الطبقات العليا المدينية. ما زاد التنافس حدة هو أن الاسلاميين تمددوا في الفضاء الحيوي للشيوعي. إضافة للإسلاميين دافع الحزب بقوة ضد كل انقساماته والمشاريع التي تتحرك في مناطق نفوذه المحتمل. مثل الصراع ضد حركة حق في القطاعات الطلابية وقطاعات الجاليات سابقا ، والصراع ضد المؤتمر السوداني حاليا. حتى الآن تستطيع الأحزاب مسايرة اللجان، وتمني بعض الأحزاب نفسها بالسيطرة على اللجان! لكن يبقى الصدام حتمي. والآن لجان المقاومة تتحرك في المنطقة نفسها التي يتقاسمها الحزب مع الإسلاميين! في منطقة القوى الحديثة. الحزب لن يحل نفسه، لم يفعلها حتى في مايو الأولى، ولن يترك للجان المقاومة قيادة الكتلة/الجبهة المدنية القوية التي ظل يحلم بها. لكن صراع الهيمنة لازال مؤجلًا ولن يظل كذلك طويلا. سينتهي بصورة ما شهر العسل، وتبدأ الحرب.
مصير تجمع المهنيين كما رسمته قحت، أي استخدام اللجان للوصول للسلطة ثم تدميرها يبدوا حتى الآن هو أحد خيارات الحزب. لكن تسلسل الأحداث اثبت لقحت كونها على خطأ، وتعول الان على الاستفادة من ما تبقى من التجمع لكبح جماح لجان المقاومة.. وغني عن القول أن لجان المقاومة لن تتفكك بسهولة وستنمي غريزة بقاء المؤسسة. فهذه اللجان تضم نخبة سياسية جديدة كامنة، معظم ساسة الغد سيتخرجون من اللجان.
وعضوية الأحزاب داخل اللجان أصبحت تعي ذاتها بصورة مختلفة. عضو تنسيقية مقاومة عاصمية الحزبي هو عمليا شخص أهم من زعيم حزبه! يمكنه أن يقول للزعيم لا وقتما يشاء. تتباين وجهات نظر عضوية الحزب الواحد داخل اللجان. أصبحت هنالك كاريزمات وزعامات ودوائر علاقات وتكتلات مصالح داخل اللجان، هي أكبر نفوذا من الأحزاب..!
التجربة السياسية التي تتيحها اللجان للشباب لا يتيحها أي حزب حتى لقياداته. خلال ثلاث سنوات فقط أتاحت اللجان والثورة للشباب التعامل مع السياسة الحقيقية بصورة لم تتح لمعظم قادة الأحزاب حتى. وتتراكم عند الشباب معرفة سياسية ودولتية عن التفاوض والضغط والتسوية وترتيب الأولويات واتخاذ القرارات لم تتراكم داخل معظم الأحزاب، التي تسودها الأمية الدولتية.
اللجان تزداد ثفة في النفس وخبرة وتنظيما ومعرفة وينضج شبابها بسرعة، ويتطور عندهم بذات السرعة حس استحقاق سياسي عالي. هذه العوامل إضافة لسايكولوجيا الشباب المائل للاندفاع والتشدد ستجعل المواجهة حتمية. وعلى لجان المقاومة أن تستعد لاختراق وتقسيم الجبهة المعادية لها التي ستشكل حتما. حتى لو كانت فرص الانتصار على جبهة مضادة كبيرة، ففرص الانتصار على جبهة مجزأة ومصغرة أكبر. حتى الآن لم تيأس قحت من اللجان لكنها أقرب الأطراف لهذه النتيجة. ستضيق ذرعا باللجان قريبا، ولن يكون هذا خبرا جيدا. ليس من الحكمة التقليل من قدرة قحت على إحداث تعقيدات. ونقطة ضعف اللجان الأبرز حتى الآن هو وهم القوة.
إمكانية قمع الثورة تمامًا دائما واردة، يمكن أن يتحول كل ماحدث منذ 18 ديسمبر 2018 حتى الان ظاهريا إلى (عرس بدوي) لفترة من الوقت، من الموكد أن اثاره ستظل باقية ثم ستعاود التأثير لاحقا. ما يؤخر هذا القمع هو اجتماع عوائق وتعقيدات أخرى، اضافة لقوة المعارضة. حل مشكلة القوة دائما هو المزيد من القوة، بدلا من الاندفاعة العشوائية لاقامة لجان المقاومة بوضعها الحالي لتحالف عريض، كان ينبغي توجيه اهتمام أكبر لزيادة قوة اللجان. زيادة استيعاب ومشاركة الثوار، وزيادة مستوى التنظيم وجودة الاتصال داخل اللجنة ومع بقية اللجان ثم مع الأطراف الأخرى. إذا استطاعت اللجان استيعاب ٢٠٪ من جمهور المليونيات الخرطومية والاقليمية حق الاستيعاب، فهي عمليا لم تعد محتاجة لتحالف عريض مع أجسام فوقية، سبق أن سحبت اللجان منها البساط واحتلت مجالها الحيوي المديني والريفي! لجان مقاومة دارفور كنموذج هي التحدى حقيقي للحركات والدعم السريع. الخلاصة ومؤكد أن ميثاق اللجان القادم هو تجلي لاستقلالية وانفراد لجان المقاومة التامة بقرارها السياسي.
الدعم السريع هو الطرف الثاني الذي يعتقد الجميع أن الأمور ستكون أسهل بدونه، عدا البرهان وأطراف إقليمية والفصيل الكيزاني الصغير الذي يتوجس من الجيش خيفة. وهنا يجب التفريق بين علاقة الجيش والدعم السريع كقوات متنافسة على السلطة والثروة وعلى الرغبة في السيطرة على المجتمع واخضاعه. وبين علاقة البرهان وحميدتي اللذن تزداد الارتباطات بينهما قوة بسبب المخاوف المشتركة للرجلين، من عواقب الإسراف الفظيع في القتل.
من الصعب جدا تخيل صيغة لبقاء البرهان وحميدتي في السلطة لا تتضمن قمع الثورة بالعنف المفرط والمجازفة بخلق انقسام وسط القوات النظامية، أو حتى الدخول في فوضى طويلة وعقوبات دولية. لن تقبل لجان المقاومة وجودهما أبدًا، وإن قبلته قحت والحزب الشيوعي والحلو وعبدالواحد. الدعم السريع حصل خلال فترة قصيرة وبصورة غير شرعية ولا قانونية على سلطة وثروة أكبر بكثير من قدرته على الدفاع عنها بلا مجازفات، ويعلم قائده أن مجرد فقدانه لجزء قليل من السلطة يعني فقدان كل شئ آخر.
والخطير في الأمر أن الدعم السريع يبني نشاطه التجاري في قطاعات تتطلب الاستقرار السياسي والأمني، وليس من مصلحته التسبب في فوضى أن كان يفهم. تبخرت تطلعات حكم قادة المليشيا للسودان، ولم يعد تفكيرهم يتجاوز البحث عن أفضل صيغة للحفاظ على ماعندهم، من تقلبات السياسة الداخلية والدولية. وقريبا ستجد، ان جاز التعبير (نخبة الدعم السريع)نفسها مجبرة على قرارات وتسويات صعبة. نحتاج كسودانيين للاجتهاد أكثر في رسم صورة أكثر تفصيلا ودقة لحقيقة ظاهرة الدعم السريع، صورة متعددة الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية، لنتخذ القرار الأصح ، في التوقيت الأصح بخصوص تمدد هذه المليشيا.
mido34067@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم