لا شكّ عندي في أن السّودان منكوبٌ بصورةٍ كارثيّة لا مناص من العبور وراء تعقُّدها وخصوصيّتها الأليمة إن أردنا لها انفساحاً أو انفراجاً نحو غدٍ مستنيرٍ وإنسانيٍّ. لا مفرّ- بمعنى صميميٍّ وتاريخيٍّ– من تجاوز تلك الصُّورة الكارثيّة والوعي السّلفيّ المعبّر عنها ضرورةً نحو أفقٍ جديد يتخضّب فيه جسدُ السّودان الخصب التّنوّع جغرافيّاً وحضاريّاً بحنّاءِ عافيةٍ اجتماعيّة وفنّيّة تُعيدُ له سالفَ أمجاده وعبقريّاته التي كانت- ولا تزال– مُحقّقةً على مستوىً شعبيٍّ حيناً وفرديٍّ حيناً آخر دون أن تطبع بطابعها الواسع والقويّ شكل أو تركيبة نُظُمه السّياسيّة المتوالية، المتشابهة على الأرجح في عقليّتها اللاّ ديمقراطيّة الممثلة في تديّنها السّلفيّ الجامد جوهراً– وإن تستّرَ تحت جلد اللغة الإنشائيّة عن الصّحوةِ وعن التوفيق بين الأصل والـ….. إلى آخره مما يقولُ الخُطباء!– وطائفيّتها وانصرافها نحو تأمين امتيازاتها– موروثةً كانت أم طُفيليّةً طارئة– مما يستتبعُ غفلةً مؤلمةً، في تكراريّتها أو في دوريّتها، عن السّعي في صونِ معاشِ فقراءِ القوم ومعدميهم ولو تعالى الصياح الإعلامي الذي لا رائحةَ له عن فكِّ الضّائقة المعيشيّة الأزليّة والخالدة عن كاهل ما تُشيرُ إليهِ من وراء بذلاتها السّاطعةَ الأناقة على أنّهُ “الشَّعب”.
تجاوزاً لكلِّ ذلك أقول، لازمٌ انفتاحٌ في الفكر، وفي الشّعور، في الوعيِ، وفي الحسِّ، يُشكّلُ نهراً لا “يتقدّم” فقط– كما تقول الأُنشودة المايّويّة العتيدة “يا نهر الوعيِ تقدّم تقدّم.. الخ” إن لا يزال هناك من يذكرها!– وإنما يغزو ويخترق ركاماً من هلاهيلِ غثاءٍ لا غناء فيه يتسلّح بتاريخٍ عتيدٍ و”ماجدٍ”– في رأيِ صانعيه وتابعيهم وتابعي تابعيهم بالطّبع– لقشرةِ وعيٍ هشٍّ وموهومٍ بالامتلاءِ النافعِ تماماً مثل بالون “العُشَر” الأخضر! ذلكَ هو التاريخ الطّائفيّ الذي تسرّبت أوهامه عن الإنسان، عن الدين، عن الحضارة، إلى عقولٍ وأفئدةٍ هوت إليهِ وانصبغت به في لا شعورها وإن أنكرتْهُ بعضها وادّعت “استنارةً وتقدّميّة”.
قديماً ناثرتُ خواطراً– ربما لم تكن مبرّأةً من وقاحةٍ مُبطّنةٍ وضروريّة– ثم قذفتُ بها أمام عيون من قد يعنون بها من النّاس. كان ذلكَ أثناءَ بضعةً من أعوامٍ لم يكن شيوخ الزَّبديِّين يحكمون فينا إبّانها بأمرِ دينٍ طفوليٍّ مهووسٍ ومُشوّهٍ بسُخامِ “رانٍ” من أموالٍ ضرب على قلوبهم حجاباً من عزّةٍ بإثمٍ سُلطوِيٍّ سمّوه “إنقاذيّاً” ثمّ إيمانيّاً وأحاطوه هراءاً إعلامياً خبرناهُ وشممنا رائحةَ هوائه العطن ونفرنا، بطبيعيّةٍ صحِّيّةٍ، من أيِّ حيثٍ تنبثر فيه عدوى نافخي كِيْرِهِ والمدجّجين سيخاً وعمىً وجاهليّةً – ذلكَ مُذُ كنّا طلاّباً يافعين.
كانت تلك الخواطر في شغلٍ وهمٍّ على الديمقراطية من سطوة الطّائفية وما هو طائفي على نسجِ وعيها واتجاهات فعلها. ولم يكن خطر تلك السطوة متمثل لديها فقط في ما سُمّي تقليدياً “الطّائفيّة” وسمّتهُ هي “طائفيّة العنصر”، وإنما ممتدٌّ عندها إلى ما رأته على أنّهُ “طائفيّة فكريّة” تحجب من تستولي علي نفسه عن رؤية ما هو عيني من الأشياء وتحرمه من الحساسيّة والخيال الضّروريّين لتوطين النفس على الانفتاح على ما فيها وما في الدنيا من أبعادٍ حيّة وماثلة عياناً وبياناً “تنشاف عيان وبيان” تدعوه لتغيير طريقة وعيه بالعالم وتجعله حراً ونقدياً ولا مأسوراً في نفسه بالانبثاقات العلمية أو “شبه العلميّة” لصور فكرية هي بنات أصحابها في الاجتهاد و”ذاتيّة” الخُلاصات ولو تسوّرت بأصلبِ المناهج موضوعيّةً. لا مفرّ من “الذّاتيِّ” هنا فهو مُتدخّلٌ حتى في تقديرات علوم الإنسان كلها ولو حاولوا جعلها “معمليَّة”. ذلكَ لأنّ الإنسان يندُّ عن “المعمل”، مما يجعل ذاتَ المحلل السياسي– الاجتماعيّ “أو الفنّيّ والأدبيّ، على الأرجح” القابع في المعمل وحاسبٌ بذلكَ أنه طاردٌ لها من الباب تدخل عليه من شبّاك الشّكِّ الخفيف والنّقد الذّاتيّ والتّأويل وحريّة تفسير ما أعطاهُ تجريب المعمل من نتائج ولو في حدود هامشيّة. ذلكَ يُدخلُنا على، أو يُنبّهُنا إلى، ضرورة التّغيّر الذّاتيّ لمن ينضوون في إطارِ تلكَ “الصورة الفكرية” بتحفيزِ شيءٍ من الخيالِ والحساسيّة المنفتحة على العينيِّ والحيِّ ولو دعاهم ذلكَ لنبذ ما لديهم من صور أيدلوجيّاتٍ عزيزةٍ وذاتِ سلطةٍ قابعةٍ في أذهانهم منذُ زمانين.
لستُ مفصّلاً أكثر ما كُتبَ آنذاكَ فما أراني إلا راغباً عن الخوضِ عميقاً في بيانه إلى أن يأتي أوانه:- أوان انفتاح عقول الطائفيين و”الحداثيين” على حوارٍ فكريٍّ تنضج ظروفه في الناس وفي البلاد التي هي الآن تُمعنُ في إخفاءِ جبروتها حتى يظنُّ “الزّبديّون” فينا أنها نائمةً ولاهجةً بالرّضى ومضروبٌ على قلبها حجابٌ من الغفلةِ وهلاهيلٌ من الرّضا الفارغ بالهوس الدينيِّ الذي سمّى نفسهُ “إسلاماً” مفترياً ومزدرياً قداسة ذلك الدّين، بل وأيّ دينٍ في واسعِ معناه؛ أيّ روحانيّة تُنزّهُ نفسها عن أن تُعادلَ بالسوق وبالمقايضة وبقهر المساكين في معاشهم وفي حريّتهم وفي معادهم رغم أنّ المعاد، فيما يقولُ القرآن الحكيم، من أمرِ الله إذ أنه شيءٌ من بابِ “السّاعة” التي لا يعلمها إلا الله، أعني أنه “أُخروِي” وبالتالي غائب أمره عن زمنيّة الفانين، فلا فانٍ– فلا إنسان– له كرامةٌ في الروح ينبغي أن يغزل على ضميره– على قلبه– لباساً من الشّكِّ والوسوسةِ والإدانة، بل والحكم، ليس في حدودِ أخلاقِ التعامل الدنيوي اليومي فقط، على هذا أو ذاكَ بأنه إنسانٌ “جيّدٌ أو رديء” بمعنى قِيمي، بمعنى إنساني وأخلاقي، فهذا مشروع على كلٍّ وواقعيّ ومفهوم وقابلٌ لأن يُؤخذ ويُعلّقُ عليه اتفاقاً أو اختلافاً، وإنما انطلاقاً من سلطة روحانية إسلامية يدّعون امتلاك مفاتيحها كلّها، على آخرة الناس، على “ساعاتِ” ومصائر الأفراد من الناس بأنّ صورتها ستكون “قطعاً” على حالةٍ راضيةٍ ومرضيّةٍ أو شقيّةٍ منفيّةٍ، فردوسيّة ونعيميّة أو جحيميّة وسَقَرِيّة “من سَقَر”. وذلكَ بائنٌ في اللغة المدّعية امتلاك القداسة وحدها دون غيرها إذ أنها تؤكّد، بضحالةٍ مُطلقةٍ في يقينها المضحك– المبكي، بأنّ “الخوارج” تقف ضدّهم الطبيعة والحجر والمدر وأنّ الجّبال تهتف معهم تأييداً واستنصاراً لهم على “متمرّدين” كفّار هم بالتأكيد حطبٌ للنار تماماً مثل سُلالة أبي لهب وامرأته حمّالة الحطب وإلى آخره مما نبّه إليه الصديق الفنان سيد أحمد على بلال في سخريةٍ ضاحكةٍ بالمرارة في عدد مايُّو من آفاق جديدة، إن صدقت ذاكرتي.
مهلاً يا هؤلاء:- من مِن الناس يستطيع أن يقولَ أنها لها وأنه مأذونٌ له بإصدارِ الأحكام على الآخر وآخرته ومصيره كإنسان بالغاً ما بلغ من الكمال وقوّة الرّوح؟ من أيّ مستنقعِ اعوجاجٍ في الحسِّ وفي الفكر يعطي واحدكم نفسه حقاً مطلقاً كهنوتياً في شأنٍ خطيرٍ كهذا والقرآن نفسه، والأُلوهةُ المطمئنّةُ نفسُها، حاسمةً في النّهيِ عنه؟
كفّوا كفّوا يا أيّها الحارثون في البحر الذي سيُغيِّبُكُم بهاءُ مائه الغاضب المضيء قريباً ولو زكّيتُم أنفسكُم لحكم الدنيا كلّها واهمينَ بإقامةِ دولة عالمية إيرانيّة هوسيّة ظلاميّة شاطحة في العنف والافتراء، كذباً على الأُلوهة وعلى عمقِ مرادها من خلق الإنسان وما ينتمي للإنسان وسادرةً في إذلال جوهر الإنسان الحقيقي الذي لا تفتّح له إلا في الجّنابِ الرّحيبِ لحاكمين حسّاسين وإنسانيّين– ودينيّين بهذا المعنى، إذ أنّ كلّ ما هو إنسانيٌّ وحسّاس هو، في غايتِهِ، دينيّ كما أؤمن– يحترمون الكرامة والحريّة اللتين هما جذر سعي الإنسان في معاشه ومعاده. لكن أين منّا ذاكَ البديل الذي سيحكم بلادنا المتعدّدة الهويّات بحكمةٍ واسعةٍ تطال قامة ذاك التّعدّد وتُمسك، بجدارةٍ، مفاتيح هارمونيّته وانسجامه؟ أم سيكون علينا، من جديد، تحمُّل ما استبطنهُ متخوّفاً الأخ الباقر العفيف ذات عددٍ من آفاق جديدة من أنّ الشّعب السّودانيّ سينجز ثورته دون قيادة يكون تأهّلها الفكريّ والوطنيّ في مستوى تلكَ الثّورة مما يعني عمليّاً دخولنا تارّةً رابعةً في ديمقراطيّة قادةٍ أقزامٍ يذيقوننا مُجدداً طعمَ ذلكَ الأسى “النّاتح” كالجُّرحِ في بوحِ العارف الشّهيد الأستاذ محمود محمد طه بأنَّ “الشّعب السّودانيّ عملاق يتقدّمه أقزام”؟
مايُّو 1993م
إبراهيم جعفر
* رغم أن هذا المقال قد كتب في التاريخ الموضح أعلاه، أي آناءَ عُتُوِّ سلطة الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير وزمرة الصفِّ الأوَّلِ من مُناصريهِ، أرى أنَّهُ ما يزالُ مُواكِبَاً في مُتَّصَلِ الحديث عن الحالة السُّودانيةَّ، السِّياسيَّة والاجتماعية والاقتصادية، في جُملةِ نكبتها الكارثيَّة التي ما تنفكُّ مُمْسِكَةً، على أوجهٍ شَتَّىْ، بخِناقِ عِمُومِ شعوب البلاد السُّودانية.
** سبق نشر هذا المقال، تحت اسمٍ مستعارٍ هو “الهاوي” (محبّةً في شيخِ الطّربِ السودانيّ الرّاحل حسن سليمان “الهاوي”)، في مجلّة آفاق جديدة السودانيّة (العدد السادس، المملكة المتحدة، لندن، سبتمبر 1993م).
khalifa618@yahoo.co.uk
////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم