في يناير من عام 2014 تحلّق السودانيّون بمختلف مشاربهم في دول مختلفة من العالم حول ما تيسّر لهم من أدوات التواصل المشاهدة والمسموعة ترقباً لخطاب الرئيس المخلوع والذي عُرف في ما بعد بخطاب الوثبة. كان المخلوع حينها قد بشّر في عدد من التصريحات بمبادرة للصلح وحوار سوداني عريض لا يستثني أحداً. وجاء الخطاب المنتظر خاوياً وخالياً ومخيباً للآمال. أتذكّر، وفي اليوم التالي من خطاب الوثبة، وكنت وقتها في جنوب أفريقيا، أنّني قرأت مقالاً نشرته صحيفة الميل آند قارديان Mail & Guardian عن خطاب البشير عنونته بخطاب روبيكون السوداني “Sudan’s Rubicon Speech”. وخطاب روبيكون سيء الصيت ألقاه الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق بي دبليو بوثا في يوم من أيام أغسطس/آب 1985، قبلها، حبس العالم أنفاسه في إنتظار خطاب مهم للرئيس كان من المتوقع أن يتم فيه الإعلان عن عدد من الاصلاحات الجوهرية من بينها إنهاء نظام الفصل العنصري وإطلاق سراح نيلسون مانديلا. ولكن بوثا أحبط الجميع حينما لم يتبنْ أيّّ من الإصلاحات المنتظرة، وأدّى خطابه إلى مزيد من العزلة والتدهور الاقتصادي وهبوط قيمة الراند (العملة المحلية) ومزيداً من العقوبات الدولية لدولة الفصل العنصري.
وفي البحث عن التجارب التي ربّما يستلهم منها السودانيون أوجه شبه ربما قد تقود وتُلهم التغيير الديمقراطي المنشود ، تحضر تجربة جنوب أفريقيا والتي كانت وحتّى قبل سقوط الانقاذ من أكثر التجارب إلهاماً للعديد من السياسيين السودانيين، وكان من بينهم الراحل السيد الصادق المهدي الذي ما انفك يعقد المقارانات بين الحالتين. وقد كان وضع جنوب أفريقيا ونظامها أكثر تعقيداً وكان نظام الفصل العنصري – الأبارتايد هو النظام المتّبع هناك منذ العام 1948 والذي مكّن الأقلية البيضاء من التحكم في الأغلبية من سكان البلاد الأفارقة الأصليين والعناصر الأخرى.
لقد خلف بوثا في رئاسة الحزب الوطني في جنوب أفريقيا المحامي المحافظ فريدريك ويليام دي كليرك والذي أدّت الإصلاحات التي قادها والمفاوضات المارثونية مع نيلسون مانديلا والتي كان قد بدأها سلفه بوثا لإنفتاح جنوب أفريقيا وتحررها من نظام الفصل العنصري وإقامة أول انتخابات حرة في عام 1994. أطلق دي كليرك سراح نيلسون مانديلا في العام 1990 بعد أقل من عام من انتخابه رئيساً لجنوب أفريقيا وإنخرط الزعيمان في مفاوضات شاقة وغير سلسة وصلت فيها الخلافات في أحيان كثيرة حد التراشق والمهاترة والتهديدات. ولكن ما ميّز الزعيمين رغبتهما القوية المشتركة والأكيدة لإيجاد الحل مهما كلف الأمر. كان نيلسون مانديلا متمسكا بمبدأ (One person, one vote) وكان ديك كليرك يواجه الضغوطات من الجماعات البيضاء، فالغالبية السكانية كانت ستؤدي حتما لتخلّي البيض عن السلطة ومخاوف الجماعات البيضاء من هجمات انتقامية. وبالرغم من حدوث الاتفاق وتولي نيلسون مانديلا للسلطة، هاجر العديد من البيض إلى استراليا وكندا وبريطانيا تعبيراً عن الاحتجاج والمخاوف وعدم الثقة في صمود الاتفاق.
في عام 1994 قامت أول انتخابات حرة في جنوب أفريقيا شارك فيها الجميع، وبالرغم التحديات، مثل قيام أحد قادة الزولو بالانسحاب ورفض النتيجة ـ إلا أن الانتخابات كانت نزيهة وشفافة وفاز حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ب 63 في المائة من نسبة الأصوات. إن تنازلات الإصلاح الأكبر في جنوب أفريقا كانت تقوم على الاتفاق السياسي ومعادلته الرئيسية كانت حق حماية ممتلكات البيض (Protection of white property rights) في مقابل الحكم السياسي (Political Rule).
هنالك العديد من الدروس التي يمكن الاستفادة منها من تجربة التحول الديمقراطي في جنوب افريقيا ، وهي المعادلة التي تم بها تسليم السلطة بعد فترة انتقالية كانت مدتها خمس سنوات، وقبلها كانت هناك سنوات من التفاوض حينما تم إخراج نيلسون مانديلا من سجن جزيرة روبن أيلاند إلى منتجع في منطقة بارل إحدى ضواحي كيب تاون.
أود هنا التركيز على الدور الذي لعبه دي كليرك. فالمحامي المحافظ لم يكن زعيماً سياسياً بارزاً، وقبل تسلمه رئاسة الحكومة لخلافة بوثا كان وزيراً للتعليم وكان زعيماً للحزب الوطني في إقليم ترانسفال وكان يبدو محافظاً للغاية بحكم نشأته والعائلة السياسية التي نشأ فيها. وكانت جنوب افريقيا في قمة عزلتها عن العالم وكان حتى مجرد التقاط صور مع أي سياسي جنوب أفريقي كان يمكن أن يطيح بأعتى الحكومات الديمقراطية الغربية في حينها. درس دي كليرك كل المعطيات وجاء للحكم وهو موقن بضرورة إنهاء نظام الفصل العنصري وايجاد اتفاق سياسي يحقن الدماء ويضمن الحد الأدني من التوافق لإنهاء أكبر أزمة حكم سياسية في العالم حينها بعد أزمة فلسطين. وفي فترة المفاوضات بعد اطلاق سراح نيلسون مانديلا لم يكن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بالصيد السهل وكان مؤمنا بالمبادئ الإشتراكية بشكل أساسي وكان تأثير الحزب الشيوعي قوياً عليه وكان ينادي بالتأميم وبتشكيل حكومة وحدة وطنية غير منتخبة وكلها كانت بعضاً من مخاوف دي كليرك في فترة المفاوضات.
من المؤكد أن تجاوز دي كليرك للعديد من مطبات التفاوض بحنكته ورغبته الحقيقية في التغيير قد أنقذت جنوب إفريقيا من صعوبات الفترات الإنتقالية، وقد لعب دوراً كبيرا في تعديل الدستور لترسيخ حقوق الأقليات دستورياً ولعب دوراً كبيراً في وضع البلاد على المسار الإقتصادي الآمن وتنازل القوى الأقلية عن مفاصل الحكم في الدولة لصالح إدماج السود والهنود والملونين في أجهزة الدولة.
لقد كانت هناك فرصة تاريخية ولازالت بأن يكون هناك دي كليرك سوداني يوقن بأن فترة الحكم العسكري والدكتاتوري قد انتهت في السودان بفضل ثورة ديسمبر التي فاقت سابقتيها ثورتي 1964 و 1985 ضد الأنظمة الشمولية في السودان عمقاً ومدلولاً في تأطيرها وتجذيرها ورغبتها الحقيقية لإنجاح عملية تحول ديمقراطي حقيقي يأخذ البلاد من أتون الصراعات والحروب إلى انتقال ديمقراطي عبر وسائل وثورة سلمية. إن هناك إرادة شعبية حقيقية ظهرت في المقاومة الكاسحة التي أبداها ولا زال يبديها الشعب السوداني لنظام الإسلام السياسي الديكتاتوري السابق ولإنقلاب 25 أكتوبر من يومه الأول. قد يتطاول مخاض الانتقال ولكن واقع الحال وعزيمة الشعب تؤكد أن عملية ترسيخ الانتقال الديمقراطي في السودان هذه المرة حقيقي ونتاج إرث ديمقراطي تليد، وأن ثورة ديسمبر وحكومتها حتى قبل 25 أكتوبر 2021 قد حاولت أن تجيب على أسئلة الانتقال والتنمية والسلام وتكريس نظام للحكم الديمقراطي طويل الأمد والتي لم يراد لها أن تكمله ولو إلى حين. إن الظروف الانتقالية الحالية التي يواجهها السودان شبية إلى حد ما بظروف جنوب أفريقيا الانتقالية بل وأقل تعقيداً منها، وتحتاج إلى قامات وطنية كبرى تتجاوز الصغائر من أجل أهداف كبرى.
وبرغم فوزه بجائزة نوبل فإن إرث دي كليرك لم يكن من بين عظماء العالم لأن الكثيرين كانوا يعتقدون أن نهاية نظام الأبارتايد كان مسألة وقت فقط. إن إرث دي كليرك السياسي ظل موضع خلاف دوماً فالبعض يرى أن أعظم إنجازاته يظل في أنه جنب جنوب أفريقيا مصيراً سيئاً ووضع نهاية غير دموية لنظام الفصل العنصري بالوصول إلى اتفاقات مع نيلسون مانديلا ويظن أخرون من الأفريكان أنه باعهم بدم بارد ومكن السود من مفاصل الدولة التي بناها أجدادهم ويظل العديد من الأفارقة الأصليين يعتقد أن دي كليرك لم يقدم تنازلات بل أنه كان الكاسب الأكبر من اتفاقه مع مانديلا لأنه لم تحدث عدالة انتقالية حقيقية ولم تحدث تنازلات اقتصادية كبيرة لمكاسب غير شرعية وبالذات في موضوع الأراضي الشاسعة التي تملكتها الأقليات البيضاء طوال فترات الاستعمار والفصل العنصري.
وبعد ساعات من وفاته في العام الماضي نشرت مؤسسته (F.W. de Klerk Foundation)فيديو يقدم فيه اعتذاره للعالم عن “الألم والأذى والضرر” الذي أحدثه نظام الفصل العنصري. وفي الرد على منتقديه قال مبررا خياراته “إذا لم نتغير بالطريقة التي فعلناها ، فكانت جنوب إفريقيا ستكون معزولة تمامًا. سيكون غالبية الناس في العالم عازمين على الإطاحة بحكوماتنا. سيكون اقتصادنا غير موجود – لن نصدّر زجاجة واين واحدة ولن يُسمح لطائرات جنوب إفريقيا بالهبوط في أي مكان. وداخليًا ، سيكون لدينا ما يعادل الحرب الأهلية “.
“If we had not changed in the manner we did, South Africa would be completely isolated. The majority of people in the world would be intent on overthrowing the government. Our economy would be non-existent – we would not be exporting a single case of wine and South African planes would not be allowed to land anywhere. Internally, we would have the equivalent of civil war.”
/////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم