حشود الاجاويد الدوليين دليل علي انهيار الدولة السودانية وفشل النخبة السياسية

 


 

 

أنا أمدرمان سئلوا النيلين عني
وعن عزمات فتاي عند التجني
فخير بنيك يا سودان مني
سئلوا الحادي سئلوا الشادي المغني
أنا امدرمان إذا ما قلت أعني
فما نيل المطالب بالتمني
كانت هذه مقاطع من اغنية وطنية بديعة للشاعر الراحل المقيم عبد المنعم عبد الحي عن العاصمة الوطنية امدرمان تحكي في تناسق بديع عن السودان القديم في عهده الزاهر وزمن الطموحات والامال العريضة في الحفاظ علي السودان وطن قومي قوي بانسانه ومؤسساته .

ولكن اليوم غير الامس فقد تبددت تلك الامال ويكفي متابعة اخبار وتطورات الاوضاع السودانية لكي يصاب الناس بالملل والاكتئاب والاحساس بالخذلان العظيم خاصة لدي الذين يعرفون الطريقة التي كانت تدار بها الدولة السودانية منذ استقلال البلاد خلال كل العهود السياسية السابقة وحتي الحكومات العسكرية التي اسقطها الشعب السوداني في انتفاضات وثورات شعبية فقد ثبت بالدليل القاطع انها قد كانت فوق مستوي الشبهات علي الاقل علي مستوي الصدق والامانة في التعامل مع المال العام وتوفير الخدمات الاساسية المجانية بدون قيد او شرط علي صعيد الصحة والتعليم الي جانب الحفاظ علي الدولة السودانية قوية ومتماسكة ومحمية من الاخطار الداخلية والخارجية وعلي مؤسسات الدولة القومية والاجهزة السيادية جيش وشرطة واجهزة امنية قوية وبعيدة عن القبلية واساليب الرشوة السياسية والعنصرية والشعوبية النابحة اضافة الي الحفاظ علي العملة الوطنية للبلاد قوية وقادرة علي المنافسة في اسواق المال الدولية ...
كان المواطن السوداني ينتقل بين كل دول واقاليم العالم بكل سهولة ويسر واحترام ليقضي مصالحة في التجارة والتعليم والعلاج للمقتدرين حيث كانت الدولة تقدم العلاج والدواء وكل انواع الفحوصات الطبية المجانية لكل الشعب السوداني في كل شبر من ارض البلاد في مستشفيات تغني وتغزل بجمالها الشعراء والادباء في يوم الزيارات الانيقة من المواطنين لذويهم في المستشفيات الحكومية في الخرطوم ومدن البلاد الكبري .
كان في السودان القديم وسودان ماقبل الردة الحضارية وزمن الاسلاميين حكومات ظاهرة في العلن تدير البلاد وكانت هناك حكومات طوعية من نوع اخر تعين الدولة في حفظ الامن والسلم الاجتماعي والاستقرار علي كل شبر من ارض السودان الشاسعة عن طريق الادارات الاهلية والمشايخ والعمد وروساء العشائر وكانت الدولة بدورها تقوم باكرامهم وتعزيز ادوارهم المشار اليها وتستشيرهم في الكثير من الامور وكان الروساء السابقين في السودان الفريق ابراهيم عبود وجعفر نميري يجلسون رموز الادارات الاهلية في المقدمة الي جانب زوار البلاد المحترمين من الملوك والروساء من العرب والعجم وكان الناظر مادبو يجلس الي جوار ملكة بريطانيا العظمي اثناء زيارتها لدارفور وظل شيخ العرب الراحل المقيم ورئيس دولة الامارات العربية الشيخ زائد بن سلطان يطوف البوادي السودانية مرافقا للرئيس نميري يجالس الشيخ علي التوم في خيمته في ارض الكبابيش ويستمع الي الشيخ محمد صديق طلحة في بوادي البطاحين وغيرهم من العشائر والقبائل علي امتداد الوطن الكبير الي اخر التناسق البديع في ادارة الدولة وتصريف امور الناس عندما انهار بنيان الدولة السودانية علي مراحل منذ الثلاثين من يونيو 1989 وحتي يومنا هذا ..
اخر القول وبعيدا عن التخذيل والاحكام المسبقة او ادانة وتجريم الاخرين نقولها وبكل وضوح وصراحة ان العملية السياسية الجارية لاتتعامل مع خمسة بالمائة من مشكلات البلاد الرئيسية ولن تساهم في قيام عدالة شاملة تفضي الي مناخ مناسب لاعادة بناء مؤسسات الدولة القومية السودانية ولا تسلط الضوء علي اي مستوي علي حقيقة ماحدث خلال زمن الاسلاميين خاصة علي صعيد محاكمة الرئيس المعزول وقيادات الحركة الاخوانية المتورطين في شن الحرب علي الدولة بكل ماتعني هذه العبارة القانونية وليس مجرد انقلاب عسكري لم يكن له اي وجود والمصيبة الكبري تكمن في اداء هذه المحكمة منذ يومها الاول وطريقة ادارتها المتقطعة الي جانب عدد كبير من القضايا الاخري والاعدامات الجماعية لضباط الجيش القومي للبلاد بواسطة الحركة الاخوانية المسلحة والانتهاكات المنهجية لجهاز الامن والمخابرات الاخواني في كل مراحلة وملفات التعذيب وبيوت الاشباح ولاحديث بالطبع عن جرائم الابادة في دارفور عندما وجد المواطن البسيط نفسه بين مرمي نيران الاسلاميين في بداية صراعهم علي السلطة الي اخر اطوار الابادة عندما اتخذ الوضع في دارفور اليوم طابعا قبليا وشعوبيا مسلح في غياب الدولة والعدالة في زمن حميدتي والبرهان.
وماينطبق علي دارفور ينطبق بصورة نسبية علي شرق السودان واجزاء اخري من البلاد ..
احتشاد هذا العدد الكبير من الاجاويد الدوليين لحل مشكلات السودان كما نري من خلال عناوين الاخبار وتصريحات المبعوث الدولي عن الكيفية التي من المفترض ان يكون عليها الجيش السوداني تعتبر اهانة كبري لكل النخبة السودانية عسكريين ومدنيين علي الرغم من توفر حسن النية الاكيد والطيبة والادب الرفيع الذي يتحلي به المبعوث الاممي علي الصعيد الشخصي وغيره من الدبلوماسيين الغربيين في الالية الثلاثية والمتفاوضين من بعثات الاجاويد الدولية التي تبحث عن حل مستحيل لمشكلات بلد فشلت نخبتها التي تتعامل مع القضايا العامة في تشخيص الحالة السودانية وايجاد الحلول المناسبة لها ..

 

 

آراء