الخرطوم إذ تنهض من رمادها

حال الخرطوم ليس أسوأ من لندن عندما سكتت أسراب القصف النازية.كما أنها ليست أكثر تهشّيما من ستالينغراد بعدما انطفأت أشرس معركة في التاريخ ضراوةً.أو أعمق جراحاً من برلين لمّا جفّت واحدةٌ من أشد المعارك دمويةً. كما أنها ليست أكثر خرابا من بيروت بعدما انقشعت حروب الفرقاء الأعداء والحمم الهمجية الاسرائيلية . فالخرطوم رغم دمار الحرب الرعناء قادرةٌ كذلك على كنس الأنقاض ،تضميد الجراحات والنهوض في عملية إعادة إعمار تخلّق معجزة سودانية ربما على النمط الألماني أو الياباني.لكن تلك مهمة تستلزم توفر نهج فلسفي يوفّق بين الفهم الوطني الايكولوجي على جبهات الاقتصاد، السياسة والاجتماع والحداثة. كما تتطلب كوادر بفيض من الوعي والانتماء الوطني ، مسلحة بعتاد من الارادة الصلبة و التفاني في العمل العام من أجل الصالح العام .
*****
انتشار الجيش وانكسار الجنجويد لم يخرجا الوطن من حالة الحرب . بؤر النار لا تزال تتأجج في جنبات البلد . الاقتتال دخل مرحلة الكر والفر والجبهات المتنقلة. الأسلحة تجاوزت فوهات البنادق والمدافع الارضية إلى الأقمار الصناعية .افواج العائدين إلى دورهم لم تثبت اليقين بالسلام لديهم أو لغير العائدين . بنى الخدمات الأساسية -بما في ذلك الأمن -تتطلب استنفارا وطنيا بغية استرداد فعاليتها. ليست الميليشيا وحدها تعايش اشكالا من الفوضى . بل الوضع العام بأسره بات أسيرا لسيولة من الفوضى .الانتقال إلى تثبيت السلم يتطلب ذهنية تخترق مرحلتي الحرب والفوضى معاً . الواقع لا يزال يدحض فرص الرهان على تحقيق نصر وشيك. التوغل في الفوضى الراهنة يرفع حجم الخسارات على كل الجبهات ويطاول معاناة الشعب ويعطل حركة الاقتصاد.
*****
أقصر الطرق لاحتواء سيولة الفوضى يمر عبر أقنية الحوار . فالتفاوض ضرب من إدارة العراك .كل جبهات الاقتتال الساخنة على اتساع الأرض تتزامن مع معارك على طاولات الحوار . مثلما هناك أعداء على خطوط المواجهة هناك خصوم وحلفاء وراء خطوط النار .لذلك ابتدع الخبراء مابات يعرف في أدبيات السياسة بالحوار غير المباشر . الغاية منه تجاوز دور الوسيط التقليدي .معركة توريت الأكثر شراسة احتدمت بينما كان التفاوض بين الانقاذ والحركة الشعبية قطع شوطا بعيدا . معارك التفاوض الجارية حاليا على الجبهات الساخنة في العالم تدار باسلحة المصالح وفق موازين القوى . هنا يأتي دور الكوادر الوطنية المؤهلة لخوض المعركة مع القوى المؤثرة في ظل رصيدنا الوافر في عملية اعادة البناء وشهوات الاخرين النهمة على الاستثمار. .
*****
الخرطوم لا تحتاج إلى ترميم أو إعادة بناء بقدر ما تتطلب إعادة تخطيط حتى تصبح إحدى مدن المستقبل.تلك عملية ترتكز في البدء على استثمار الامكانات الهائلة المتاحة للمدينة .ثمة عوائق تبرز حتماً على درب الانجاز . لكن في وسع القدرات الوطنية تجاوز ها دونما عناء . مثلما تتطلب المهمة وفرة في الأرصدة المالية فإنها تستدعي أخيلة للاستعانة على الابداع والاستنفار . لدى الشعب ذرية طيبة من المبدعين المصقولين بالتجارب الثريّة في التخطيط،الهندسة ، المعمار ، السياحة ، التنشئة الحضرية ، التمويل والتسويق. لديه كذلك مستودع زاخر من الشباب يموج بالحماس ،التجرد والاستعداد للبذل والعطاء من أجل الخير والتقدم.فهم ظلوا يرددون (حنبنيهو …البنحلم بيهو يوماتي… وطن شامخ….وطن خير ديمقراطي) . هذا حلم لا ينحصر تحقيقه على اعادة اعمار الخرطوم فقط.بل يتسع بالضرورة لجهة تحويل التنمية من اقتصاد زراعي ريعي إلى اقتصاد صناعي حداثي.
*****
الخرطوم فقدت ألقاً حتى قبل الحرب تتوهمه أجيال شابة ضربا من الهذيان في حكاوي الكبار عن سحرها العتيق في زمنها الجميل .الموات أصاب المقاهي و الظلام الواجهات المضيئة و الغبرة الارصفة الأنيقة. المدينة المزدهرة باطراد نهشها الذبول في كنف ظلمة الانقاذ.حتى البنايات المستحدثة في عهده كسا تطاولها في الافق الشغب وفق توصيف استاذنا الراحل منصور خالد. لعلها فرصة إجبارية كي تلاحق الخرطوم إيقاع العصر عاصمةً يسترد وسطها حراك النهار الدؤوب وليلها نبض الأنس ، الفن ،الثقافة والسهر . لاينبغي للفاجعة المطبقة على مشهد العاصمة الخراب ملامسة قدرتنا على النهوض العجول واسترداد دورة الحياة فيها على نحو أفضل حيوية و أكثر ثقة وطمأنينة ترمّز وحدة النسيج السوداني في أحيائها السكنية وأسواقها.
*****
مشروع الإعمار يتجاوز حتما عمليات الترميم و إعادة البناء إلى استثمار إمكانات المدينة المتاحة و تفجير طاقاتها المحتملة على افضل الممكن.علاقة النيلين بالمكنون الحضري تستوجب تكريس الحصيلة المعرفية حداثيا.فالمدينة المتثائبة بين النهرين تراوح بين مكابدة الظمأ والغرق في الوحل ، فلا هي ريانة ولاهي نظيفة والماء حولها ينساب . أفضل ما في هذه العلاقة السخية العطاء بين النهر والبر ينحصر حالياً في بضعة جسور عابرة عاطلة من أبجديات التشكيل المعماري المعاصر ومسافة ضيقة مجتزأة على ضفة واحدة توحي بانطباع المحطات الخلوية. التحلّق حول بائعات الشاي مظهر معاكس للمساهمة في إثراء حياة العواصم وشبابها. ماتبقى من الضفاف لا يزال على فطرته الريفية البكر. لهذا ينبغي لعلاقة المدينة بالنهر أن تشغل حيزا حيوياً على طاولات التحديث.ربما تفيد تجربة (سولدير بيروت)في اعمار وسط العاصمة اللبنانية في استنباط آلية مشابهة.هناك مروحة واسعة من منظمات المجتمع المدني ينبغي مساهمتها كاتحاد المهندسين برؤى تساهم في الابداع والاقناع في التخطيط والتنفيذ.
*****

نقلا عن العربي الجديد

aloomar@gmail.com

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

السودان وإيران في مرايا التاريخ

بقلم عمر العمرنقلا عن العربي الجديدaloomar@gmail.com في مرايا التاريخ كثيرٌ من المشاهد ذات الملامح المتشابهة …

اترك تعليقاً