رحمة الله عبدالله .. سفيرٌ ووزير في ذاكرة الدِّبلوماسيّة السُّودانية

جمال محمد ابراهيم

(1)
وأنا في بدايات سنوات تقاعدي، مُقيماً في مدينة المُهندسين جنوبي أم درمـان، ظللتُ أحرص في زياراتي لبيت الأسرة في “أبو كدوك” ، وأحرص مُجِدَّاً على أداء صلاة الجمعة في المسجد الذي شهد طفولتنا وصبانا ، مسجد الشّيخ حمَد النيل عليه رضوان الله. يقع المسجد قبالة شارع الأربعين ويتفرّع منه الشارع الضيق المُفضي غربا إلى مقابر الشيخ حمد النيل. ولأن المؤذّن الرسمي المعتمد هوَ والدي عليه الرحمة، فرسخ ذلك ارتباطي العاطفي بذلك المسجد.
لفتَ نظري شيخٌ طاعنٌ في السِّن، يُغادر المسجد منفرداً خفيفَ الخُطى ولا يرافقه أحد . يؤدّي صلاته ويغــادر، ودائما في رداءٍ معتاد: بنطلون بلون غامــق وقميص أبيض. لم أشاهده مُرتدٍ جلباباً أو معتمراً عمامة كعادة السودانيين في أداء صلاة الجمعة أو الجماعة. سألتُ بعضَ أصدقائي في الحيّ عن الرجل ، فقيل لي هو وزير قديم اسـمُهُ رحمة الـله عبد الـله.

(2)
حرصتُ بعد ذلك ان التقيه بعد كلِّ صلاة جمعة، وقدمت نفسي له . انفرجتْ أساريره حين عرف أني كنت سفيرا في وزارة الخارجية وتقاعدت عنها. تبادلنا عبارات المجاملة المعتادة بين شخصين جمعتهما مهنة واحدة وإن لم يكونا من جيل واحد. ظللت ألتقي الرجل بين الفينة والأخرى، إذ علمت أنه مقيم مع نجله “أمير” في حي “أبو كدوك”، في ناصية تطل على خور أبوعنجة الذي يفصل حيّنا عن حيِّ العباسية. كلما نلتقي أفاتحه عن تجربته في وزارة الخارجية ، وكنت أعرف أنه خرج حانقاً منها ، إذ لم تكن له علاقة ودٍّ مع من عاصرهم إبّان عمله سفيراً في الهند، أو مندوباً دائما للسودان أوائل سبعينات الحقبة المايوية. تجرأت مرّة واستفسرته عمّا سمعت عن سبب مفارقته وزارة الخارجية، أو إن كان لأسباب تتصل بوزيرها وقتذاك الدكتور منصور. ولنبل الرجل وعزوفه عن تناول شيء عن علاقته بالرجل ، بما يشبه النميمة ، قال لي بلطف :

  • تلك قصّة طويلة ومعقدة ، لا تشغل بالك بها وقد أحدّثك عنها يوما. .

(3)
ظللتُ أتابع بحرصٍ دؤوبٍ أيَّاماً للدبلوماسية السودانية ، درجتْ وزارة الخارجية إقامتها تزامناً مع أعياد الاستقلال كلِّ عام. درجت قيادة الوزارة تقليداً حميداً لتكريم عدد من رموزها الذين تقاعدوا عنها، ممارسة رأيتها تناقض عهد “الإنقاذ” الذي يرى أنَّ تاريخ السُّودان بدأ عندها في يونيو عام 1989. حمدتُ لتلك اللجنة انْ اقترحتْ قائمةً للمكرّمين، فيهم ســفير قديم لم يهتدوا إلى عنوانٍ لهُ، اسمه رحمة الـله عبدالـله.
تدخّلتُ وهاتفت ابنه “أميــر”، أنّ وزارة الخارجية تسعى لتكريم والده. سُرَّ صديقي أمير. وطلبت إليه أن يذكره بأني أنتظر جلسة أسمع منه شيئاً عن تجربته الدبلوماسية . قال لي أمير أن والده يعدّ لشدّ الرحال إلى الولايات المتحدة في رحلة سنوية يقوم فيها بزيارة صديق حميم له اسْـمه “جورج بوش” .
بادرته بالسؤال:

  • تقصد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب؟
  • أجل . جمعتهما صداقة حميمة ، بدأتْ منذ تزاملهما في الدِّراسة في جامعة “كامبريدج” في بريطانيا ،قبل سنوات، وإلى أيامهما سـفيرين مندوبيـن عن بلديهما في المنظم0ة الأممية في نيويورك.

(4)
في عام 2017، رحل السَّـفير الوزير سامق القامة، كثير التواضع، عفيف السريرة رحمة الـله عبدالـله، رحمَهُ رحمة واسعة تحلّ عليهِ مجلَّلة من اسمه، بإذنه تعالى . سبقتنا الأقــدارُ فلم تتحَ لي السَّـانحة لأسمع من العمـِّ العزيز السفير السَّابق والوزير الأسـبق رحمة الـله عبدالـله، شيئاً عن تجربته الفريدة ، سفيرا ووزيرا وصديقاً حميما لأخطر الرؤساء الذين مرّوا على الولايات المتحدة الأمريكية، في النصف الثاني من سنوات القرن العشرين. ذلك سفير ممّن رسَّخوا سمعة للدبلوماسية السُّودانية، وما كان الظنُّ أن يأتي يومُ تنهار فيه أعمدة الدبلوماسية وتداس بأحذية العسكر.

(5)
كنتُ في تلقّي العزاء في الرّاحل، والذي أقامته كريمته الفُضلى وشقيقها الأصغر، ابنه “أميــر”، في الحارة الرّابعة بمدينة الثـورة شمالي أم درمان . كان هناك من يعرفون الرّاحل رحمة الـله عبدالـله، ويعزّونه كلّ الإعزاز ويجلّونه كلّ الإجلال، وهُم قلّة من الأوفياء من عرفوا مقـدار الرّجل في الدّبلوماسية السودانية. كان بينهم عميدنا الحالي السّفير إبراهيم طه أيوب، وزير خارجية الانتفاضة، أطال الله عمره.
في تذكُّرِ رموزٍ شامخة في مثل شموخ قامة الرّاحل رحمة الـله، فإن الأمل يظلَ مُشِـعّاً أنّ كبَوات السُّودان الماثلة ستقبر أوزارها في منعطفٍ قادم، ويَهُبّ فـينيفها من رماده ، وأنَّ ربّـك لطيفٌ بأرضـه وبعـباده.

القاهرة – 30/5/2025

jamalim@yahoo.com

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …