وثيقة مُساومة سلام جوبا ، أو إتفاق جوبا بمساراته الهيكلية الخمسة القابلة للمضاعفة (2020) ، كانت بدايته المُحفزة الآخذة بالأمل ، فرصة الكثيرين وانا أحدهم من باب التجرد ، للعودة إلى التمثيل السياسي الإجتماعي للريف في المشهد الرسمي (المجتمع السياسي الرسمي) بتعبير غرامشي.
لولا ذلك الإتفاق (المعلول) لما وجدتُ مقعداً سياسياً يوصل صوتي المبحوح ويترجم الرؤى الشخصية وسِفر المُمارسة إلى فعل حقيقي وتاريخ ماثل.
إلا أن ذلك لا ينفي عُيوبه التأسيسية والمؤسسية معاً. التي كانت يمكن أن تأخذ طريقها الواسع إلى (المُعالجة) والنقاش التحليلي المطول والسابر للأخطاء والمَناقص ، إلى خطاب – خُطة (التلافي) أو (النظرية المبكرة) ، من خلال حوار (الكتلة الديمقراطية) democratic block الذي تصدت له وقتها أعمدة من الحكمة والرحابة ، التجربة الطويلة ونُضج الشباب وثراءهم السياسي.
بينهم المُناضل الطلابي العتيد في جامعة الخرطوم في العهد المايوي من جذور إقطاعية ريفية صلبة (التوم الشيخ هجو) ، الدكتور على عسكوري (الإنسان النبيل) , جبريل إبراهيم , مبارك اردول الخ.
كما لا يُلغي حقيقة جوهرية بسيطة للغاية ، هي أن مُسودة الوثيقة الحاكمة للإتفاق ، كانت مُجرد حبر زينة هامشي لصفقة ضمنية سياسية غير مهتمة أصالةً بمسألة الهامش أو الريف ، بل بجدلية الصراع حول التمكين Empowerment لحلف الأقليات (الخلاسية) Non titular ethnicity غير المستقرة زراعياً والتشكيلات الإجتماعية اللامركزية المتنازعة في الريف ، نفسها التي كانت سنداً لنظرية الترابي عن ديكتاتورية الأقليات كرافعة للتغيير السياسي في مجتمعات فلاحية وشبه فلاحية خاملة وغير فاعلة سياسياً منذ قرنين من زمان مابعد الإستعمار (المرض اليوناني للشعوب القديمة والأصلية) dormant indigenous nationalities theory ، نظرية التغيير السياسي والتجمييد السياسي لثورة الترابي الثقافية وتجربة البشير الستالينية (قوات الدعم السريع وحركات مجلس شورى الزغاوة) ، أو بعبارة أخرى أكثر تحديداً ، التسابُق على إعادة إنتاج الهيمنة والقهر واللاتوازن الإجتماعي (الإختلال الإجتماعي) في الريف.
ذلك من خلال مشروع إنتخابات مابعد الفترة الإنتقالية التالية ، التي تحولت من تجربة مُنتظرة إلى (كابوس حرب مفزعة) أو حرب 15 إبريل 2023. غايتها الحد من التنافس السياسي الإجتماعي لبعض مُجتمعات الهامش الريفي في السلطة المركزية.
هناك محاولة (تحريفية) آثمة لتزييف هذا التاريخ والتخلص منه ، بتجريم إئتلاف (الكُتلة الديمقراطية) و تاريخه النضالي قبل وبعد إعتصام 25 أكتوبر (الذي كان إعتصام مقاتلين متقاعدين ومسرحين لا زالت بنادقهم ساخنة السارية إلى جانب عائلاتهم من النساء والأطفال) ، ذلك الإعتصام السلمي (المُجرّم) في خطابات القوميين الشماليين لأنه وجد ظروفاً مثالية منها ظل البندقية ، رغمها لم توفر القوات المسلحة أو الجيش الشمالي قمعها ولا عنفها ضد مُنتسبي هذا الإعتصام العظيم ، من أبناء وبنات معسكرات النازحين والكنابي (في وسط وشرق السودان) الذين لم نزل نكن بهم ولهم الفخر والتشريف كله بصبرهم وحُلمهم الجميل لعقدين من المِحنة ، أمام مقر رئيس مجلس الوزراء (عبدالله حمدوك) ، أولئك الذين ظلمتهم وثيقة هذا الإتفاق وتجاهلت حمايتهَم والتصويب الدستوري على مأساتهم منذ (1921).
(1)
التمثيل الإجتماعي المناطقي الريفي (التمثيل الديمقراطي الإجتماعي) ، كان (جريمة خالصة) أو (جريمة تحدي إثني) لا تُغتفر ، في خطاب أحزاب المستوطنين والإستقلال الإستيطاني settler independence في (1955) ، أحزاب الإقطاع الشمالي وخطاب الإستعمار الداخلي والإستعمار الإستيطاني منذ (1899) ، أحزاب البرجوازية الإستعمارية الكبيرة المُسماة تحالف (قحت) ، إضافةً إلى أحزاب مُثقفي الممالك الشمالية العشرة (البرجوازية الشمالية الصغيرة) ، أولئك الذين زيفوا وعي شُعوب (الشمال الكبير) في الغرب والشرق ، بالكذب التاريخي والإحتيال السياسي وتمجيد الكراهية العرقية المُمنهجة والمُوجهة كما تاريخ طويل من الإبادات السياسية Politicide والتطهير العرقي ethnic cleansing ، ثم أنتجوا جُمهورية إستيطانية غير وطنية أهلكت الناس بالقتل والجوع والمرض والتجهيل في الريف حتى تاريخ (1973).
أخذت تلك الكُتلة الديمقراطية مُهمة إستعادة أكتوبر (1964) بطريقة مختلفة ، إستعادة دينامية وزخم البرجوازية الصغيرة (البروليتاريا الريفية المتحولة إلى الرأسمالية المتأخرة – later capitalism – بتعبير ماندل) في الريف. بقيادة صلبة تحرسها البنادق هذه المرة غيرما في 1964 ، كانت بنادقنا جميعاً مُصوبة أو هكذا أخذنا الأمل في خدمة ثورة الريف وحماية المهمشين.
(2)
كانت المؤسسة العسكرية للمركز والقومية الشمالية (البيضاء) ، تنظُر إلى قيادة الكتلة الديمقراطية في إستعلاء مريب وتعالي مُهين ، في إزدراء مفرط لا تكن لهم إحترام المُتحاربين. وتمدُ خيوط التواصل الأمني المعلوماتي السياسي و التضامن الإستخفافي بهذه الكتلة الهامشية سراً إلى أنتلجنتيسا (قحت). إلى تاريخ أن وقعت (المفاصلة) التاريخية بينهما.
(3)
المفاصلة الإجتماعية والمفاهيمية الذهنية بين الأنتلجنتسيا المدنية والأنتلجنتسيا العسكرية الشمالية ، هذه المرة غيرما في (1970) أو الحرب الأهلية الوحيدة بين الشماليين ، على خلفية الإستقواء بالآخر المرفوض (سراً) و المنبوذ في الوعي الاجتماعي الشمالي المُضمر (قوة الدعم السريع) .. ، دايرين تتحالفوا مع البقارة اهل التعايشي تاني؟
كان الثأر التاريخي للأنتلجنتسيا العسكرية الشمالية (ثأر الجلابة Jellaba’s vengeance) أسرعُ إيقاعاً من مُفاصلة (1999) ، فالشماليون لديهم ذاكرة مُشتركة أليمة مع إثنيات البقارة والبانتو السودانيين في الريف 1898 (لا تمثل مجالاً ممكناً للتذكر الخالص (إدموند هوسرل) .. قابلاً للتكرار) ، ولا توجد لديهم ذاكرة عداء سابقة (مظلومية طائفية) سافرة مع إثنيات الزغاوة.
إذا كانت عملية (عقاب الترابي) Turabi enpunishment في (1999) على يد البشير بتحريض من مذكرة العشرة (مذكرة إنقلاب وقعها نافذين) ، المُسماة بالمفاصلة غايتها وضع حد لإستقواء السياسيين الشماليين بإثنيات الهامش خارج مظلة الدولة أو الهيمنة وتهديدها ، فقد كانت حرب 15 إبريل فُرصة للإسلاميين الشماليين ، الذين عرفوا أنفسهم لاحقاً بأنهم (أبناء الدولة) أو (البلابسة) Sudanese toryists , دعاة المحافظية السياسية الخ ، فرصتهم التاريخية أجمعين للتوبة والإغتسال التام (غُسل اليدين) عن (تجربة المفاصلة) وموالاة الترابي (النبي المنبوذ) أو سياساته الهُوياتية الإجتماعية (حلف الأقليات) ضد مجتمعات الشمال النيلي.
غض النظر عما إذا كانت عملية التذكر وإستدعاء التاريخ هذه في صراع مجتمعات ، عاملاً تأريخياً أو خطاباً ذرائعياً Instrumentalism يتوسل بالكراهية الإثنية الإجتماعية ، فإن الأنتلجنتسيا العسكرية الشمالية هدفت من خلال تحركها وعنفها المفرط وسياستها الهجومية ضد قوة الدعم السريع وإبادة مُعسكراتها في كرري نفسها من جديد (قتل 4000 الف مقاتل بدم بارد) وصخب إجباري من التهليل والتمجيد ، إلى كسب رضا مُجتمعات الشماليين من خلال قتل أكبر كمية ممكنة من شباب قوة الدعم السريع وقيادتها ، كحامي حماهم (القومي) أو ما يسميه عالم الإجتماع العراقي الكبير عصام خفاجي نقلاً عن المفكر الأمريكي (فريدرك لين) بكُلف الحماية.
(فرديرك لين : العُنف وصعود الرأسمالية Frederic C. Lane).
من جهة ثانية تعمدت الأنتلجنتسيا العسكرية الشمالية ، خلق عقدة ذنب أوديبية Oedipus guilt Complex ، لدى المثقفين الشماليين من التحالف مع مُجتمعات الهامش أو إستقطاب نُخبه في صراع السلطة ، رُغم أن ذلك يتم من باب (التوظيف) السياسي لا الإنخراط الإجتماعي.
ظهرت آثار هذه العُقدة الأوديبية أكثر مما ظهرت على مثقفين (هامشيين) من أقليات غرب السودان في الإقليم الأوسط والشمالي ، الذين أصبحوا نُخباً (مُستدخلة) Introjection elites لدى القومية الشمالية بفعل الإحتواء الإجتماعي (الزواج) أو شراء الذمم (مساومات سياسية) عُرفت بإسم (الفلنقاتيزم) أو التبعية.
وهو تماماً ، ما يُسميه الباحث والمفكر الفلسطيني مزدوج الجنسية (رائف زريق) سردية العبودية الكُبرى أو ديالكتيك العبودية Master-Slave’ Dialectics.
تعرضوا للجلد الإجتماعي من أجل إدانة ذواتهم وتجريم أصولهم الإجتماعية كمجتمعات (متوحشة) أو فصائل من الهنود الحُمر السودانيين وتبني مواقف (مثلنة) Idealization أخلاقية (مُخاتلة) أو مُزدوجة مُتحيزة من حقوق الإنسان (الجلابي) المُمتاز أو (المستوطن الأبيض) المحلي المُمتاز أو الإنسان الشمالي المُمتاز ، ذلك الإنسان الإجتماعي المُهيمن الذي كان ولا يزال يحتفي بشواء المُهمشين أُسارى ومعتقلين ومدنيين ويجردهم من ذواتهم ويعرِّفهم على أنهم (ملاقيط) أو كما قالت شاعرة محلية من دنقلا إسمها – رؤى رفعت- عن قتلى الدعم السريع في مقطع شعري زاجل مفاد معانيه أنهم كمية من اللحوم البشرية المنثورة الهاملة التي لا يبكي عليها أحد.
طبعاً هناك مئات الشعراء وآلاف القصائد الشعرية الشعبية الغنائية المبذولة ، في (مباراة) إجتماعية في كراهية إثنيات قوة الدعم السريع برعاية حكومية عسكرية من ذات المؤسسة العسكرية وسندها السياسي من روابط القوميين الشماليين ونخب العبودية التابعة الخاضعة أو منظومات التدجين المنزلي الإجتماعية ، منظومة الفلنقاتيزم (التبعية) ، في السُخرية والحط من موتى قوة الدعم السريع وحتى الإشارة لإثنياتهم بدون كوابح لغوية أو قيود أخلاقية والدعوة إلى التمثيل بجثثهم والنيل من حُرمة أعضاءهم البشرية ، الذين لم يدفن أغلبهم في المدن الشمالية حيثُ تُركت جثثهم للعراء ، ولم تسلم مقابر المدفونين منهم من التدنيس وتعرية الجثث ونبش القبور.
المُجتمعات الشمالية لديها تاريخ متوحش طويل من فائض العنف ، ضد الأقليات العرقية من الهامش الداخلي hinterlands margin ، وكذلك الهامش الوافد Forgien – migrant margins مثل أصحاب الأصول الخلاسية التركومصرية (إثنيات اولاد ريف بما فيهم الأقباط والرشايدة) أو أصحاب الأصول الخلاسية السوداء من مملكات وسلطنات غرب إفريقيا (إثنيات البرقو البرنو والكانمبو أو القرعان) إلخ ، وحتى ممارسة الإبادة العرقية المجردة , كما هي الإبادة العرقية التاريخية ضد إثنية العنج في وسط السودان التي إستمرت في القتل وحرق المدن أكثر من مائة عام (1505 – 1610). الإبادة العرقية الكاملة ضد أزيد من عشرين ألفاً من إثنيات اولاد ريف أصحاب الجذور التركو مصرية في شمال كردفان على يد الجلابة وأدواتهم المحلية في التيارة ريفي أم روابة وفي مدينة الأبيض (1883-1885) متواكبة مع سبي النساء وبقر بطون الحوامل.
تاريخياً تواصلت الإبادة العرقية ولم تبدأ في القرن التاسع عشر في الشمال النيلي ، من أجل تشكيل هوية عرقية خالصة Pure ethnic composition ، بما في ذلك الإضطهاد المنهجي بحق مجتمعات الرق والقنانة والسُخرة الخ. بما فيه الجنود السود أو الزنوج الذين يتشكل منهم سلك الجندية وأعتبرتهم المخيلة الشمالية اقناناً لا مواطنين أشداء ، كما هي متخيلة البريطاني ونجت باشا عن تأسيس الدولة.
في ذات السياق نفسه ، جاءت قوانين ما عرف بالنظام العام (مُستقاة من مفهوم النظام العام الدستوري الفرنسي) عام (1991) كما (1994) كجند أو شكل تبريري تشريعي ، لتمثيل تجسيد سياسي وتأطير قانوني لهذا العُنف الثقافي الإجتماعي الجنائي اليومي ، منذ مائتي سنة ضد التشكيلات الإجتماعية للأقليات ذات الخلفية الأنثربولوجية الطوطمية غير المُسلمة في شمال السودان النيلي ، تحديداً في الجغرافيا الإستيطانية المُسماة وسط السودان ، تلك التي تشكلت من خلال مُمارسات منهجية منها السبي والإسترقاق والأسر القبلي والغنيمة (المُصادرة) ، رعتها تاريخياً مؤسسة الدولة بما فيها الجيش منذ قرنين. ذلك العُنف الذي ظل (المُثقف) الشمالي يقف منه تاريخياً موقف الحياد والممانعة العقلية الذهنية tactics of defense بإعتباره (طابو) إجتماعي محظور.
ذلك جُزء لا يتجزأ من أيدلوجيا الدولة والجهاز الأيدلوجي للدولة الذي ينتج الخوف Phobia والتخويف Securitization أو شُعور الأمننة ، الذي تحدث عنه مطولاً (ألتوسير).
راجع : عبدالله البشير بولا (شجرة الغول) مدونة إحترام ، الصادق الصديق المهدي (حقوق الإنسان في السودان الشمالي).
لا يستطيع اي مثقف شمالي ، إدانة التاريخ اللانساني الجنائي العنيف والطويل للمؤسسة العسكرية ضد شعوب الهامش وإنسانه في السُودان الشمالي والجنوبي معاً ، لأن ذلك من المحظورات الإجتماعية لمجتمعه المصغر ، لكنه يمارس – التواطؤ الإجتماعي- collusion أو – التحايل الذهني- بالدعوة والتمسُك لإبقاء هذه المُؤسسة الدموية وحروبها التاريخية (القذرة) ضد الإثنيات و القبائل المُقاومة للهيمنة أو الإستعلاء الإستعماري العرقي التي يسمونها (الإثنيات المتمردة). بإعتبارها ضامناً لحماية مجتمعاته من إنتقام المجتمعات الأخرى (المقهورة).
تلك نقطة أهملتها أغلب الإتفاقيات السابقة للسلام منذ (1972) ، إيجاد بديل أخلاقي قانوني دستوري ، َبديل هيكلي من جسم فيدرالي إقليمي لحماية مجتمعات الممالك الشمالية العشرة في أرضهم ، ومجتمعاتهم في الأقاليم الأخرى من خلال بنود معاهدة أمنية إجتماعية للسلم الإجتماعي متعددة ومفتوحة ، تفصيلية مُلزمة. بعيداً عن إسقاطات القومية المدنية Civil nationalism (النموذج المدني الأمريكي أو البريطاني) التي أثبت الدليل التجريبي والتاريخي الطويل ، فشلها ، عدم إستجابتها لخصوصية الواقع المحلي ، وعدم صلاحيتها لحكامة المُجتمعات الوطنية السودانية.
أيضاً عدم صلاحيتها لمُعالجة العُقد التاريخية البينية Interethnic بين الأقاليم والمُجتمعات ، بما فيها العُقدة التاريخية بين شمال السودان والأقاليم الأخرى ، (خصوصاً الإقليم الغربي) بسبب تجربة المهدية (1885).
(4)
قبل المروق من دائرة تاريخ (2021) وسرده ، من فعاليات الكتلة الديمقراطية وديناميتها السياسية في ذلك العام أكانت فعالية سلبية أو إيجابية الخ ، كلحظة حاسمة في تدبير وتحولات صراعات الهامش في مديرية دارفور التي كان (المركز) عاملاً مساهماً فيها أكثر مما هو صانع (أساسي) رغم كثافة تدخله العسكري السياسي الأمني الخ ، وإنتقالات ذلك الصراع إلى (الخرطوم) من خلال وثيقة سلام جوبا (2020) ، التي كانت وثيقة سلام داخلي غير شاملة بين الإثنيات المتحاربة في شمال دارفور خلال تواريخ النزاع السياسي الإجتماعي 1963, 1987, 1992, 2003 (الحرب الشاملة).
كانت (الكتلة الديمقراطية) في لحظتها المؤسسة أو الرومنطية ، مساراً ديمقراطياً إجتماعياً غير ليبرالي بما فيه الكفاية الأيدلوجية الأمريكية من تحالف مُجتمعات (ريفية) ، يعمل ضد مسار (تحالف نُخب) حضرية كمبرادوري , مدعوم غربياً امريكياً وخليجياً , مـؤتلف من عائلات الإستعمار الإقطاعية (البرجوازية الكبيرة) وأنتلجنتسيا مُثقفي الممالك الشمالية العشرة ، قبل أن يلتحق بهذا النادي النيوكولونيالي حميدتي وينشق عن (الكتلة الديمقراطية) ، التي أخذت في عزمها وخبرتها السياسية عدم ممانعة إيجاد تسوية سياسية مع فلول الجناح اليميني للقومية الشمالية (نظام الإنقاذ). تجنب البلاد والشعوب الوطنية السودانية حرب غير ضرورية Unnecessery wars لإقتلاع نظام ذي أيدلوجيا شاملة وتجذر إجتماعي شامل في مختلف القطاعات الإجتماعية الحكومية للقومية الشمالية ، كان عامل الزمن (التمدد الزمني) من خلال تلك المساومة السياسية الطويلة المفترضة لمدة عقد آخر ، كفيل بإحداث (التآكل) التدريجي في بنيته السياسية. فالثورات تستغرق عادة في مسار الإقتلاع والتجذر مابين عشرة إلى ثلاثين عاماً بإستثناء الثورة الإيرانية التي تمثل حالة خاصة قريبة من الثورة الروسية أكتوبر (1917). بإعتبارهما ثورتي قرن Century revoultion ، لا ثورة عُقود decades revoultion. مستمدتين من الزمن الإمبريالي الطويل للإمبراطورية القاجارية الصفوية والإمبراطورية الروسية القيسرية.
راجع : فلاديمير (أنطوني) موس Vladimir Moss , المؤرخ المُستشرق الروسي البريطاني وإبن أحد أهم الديبلوماسيين الروس (مجموعة كتابات).
كانت (الكتلة الديمقراطية) أيضاً فرصة تاريخية لتجديد النظر ، في مرايا (الإنقسامية البنيوية) داخل الريف في السودان الشمالي بين الهامش والهامش المزدوج بين التمرد ومُكافحة التمرد. بدلاً عن إعادة إنتاجه.
مثلما أن (الكُتلة الديمقراطية) واجهت حقيقة أن دينامية الكُتلة الإجتماعية لوثيقة إتفاق جوبا ، ماهي إلا جُزء من تجربة وجذور إستثمار ثورة الترابي الثقافية (عراب النظام اليميني الشمالي ووسيطه الكمبرادوري السيد حسن الترابي) في تحالف الأقليات في مديرية دارفور.
من خلال نقل تجربة الحُكم مابعد الإستعماري في وادي النيل وقومية وادي النيل (الشمال النيلي) ، إلى مُختبر للإمبريالية والهيمنة الجديدة في سلطنة دارفور المنحلة (1876).
من خلال تحويل وإعادة تشكيل القومية السياسية الدارفورية (الوحيدة) على اساس من هيمنة الأقليات ، من قومية سياسية أصلية Native nationalism متعددة القوميات أو إستيعابية في هوية شعب الفور Fur ethnicity ، إلى قومية إستيطانية Settler nationalism تحت هيمنة واحدة من الأقليات الخُلاسية المتنافسة (إثنيات الزغاوة وإثنية الدعم السريع).
هذا التحول الذي حصل في وادي النيل في القرن التاسع عشر (1820-1505) وساهم الإستعمار التركو مصري من غير تخطيط مقصود بالضرورة في إرساء توازناته المختلة ، حول الإقليم الإداري لمملكتي سوبا والمقرة (الشمال النوبي والعروبي) إلى إقليم إستيطاني بعد نزع سيادة المجتمعات النوبية والبجاوية الأصلية على ترابها ، نزع الإستقلال الذاتي Autonomy لجغرافيا التعدد الثقافي في الممالك الشمالية العشرة.
اعتبر الترابي أن رسالته الأيدلوجية التاريخية (المقدسة) إحداثه في كل دول الجوار الإقليمي التي إستهدفها بثورته الثقافية (الإستيطانية) المُعادية للشعوب والمجتمعات الأصلية ، من خلال إحداث أكبر حركة شعوب وسكان ممكنة من غرب إفريقيا إلى شرق إفريقيا Ethnic mobilization.
راجع : التجاني حامد عبدالقادر ، منشورات جامعة الخرطوم 1995.
يمكن العودة إلى خطابات المثقف والقائد الوطني الجنوبي جون قرنق (1983-1994) ، كتابات المفكر المغربي الكبير والمؤرخ الدكتور عبدالله العروي ، المفكر الشاب في وقتها في مذكراته المهمة خواطر الصباح (1965) ، حول ضرورة إستعادة دولة مابعد الإستعمار إلى نموذجها الكولونيالي الأصلي ، كدولة قومية أصلية ناطقة بلغة المستعمر ، بدلاً عن إنتاج هُويات إستيطانية مضادة للإستعمار الأوربي كما هو حال دول شمال إفريقيا تحت ذريعة دولة عربية زائفة أو إسلامية زائفة (ذلك الهُتاف الرومنطيقي غير الممكن). وهو ذاته ما إنتهى إليه بعد جهيد ، عراب الأيدلوجيا المشرقية في الشرق الأوسط الصحافي والناقد السياسي اللبناني (حازم صاغية). الذي وصفها في نهاية مسيرته النقدية بمشاريع الهروب السياسي.
كان واضحاً أيضاً في تجربة (الكتلة الديمقراطية) ولحظتها الرومنطية الأولية ، عدم الخبرة السياسية للسياسي الشاب الذي اخذ في التحول من (ضابط صفوفي) إلى (ضابط غير مهني) مُنخرط في السياسة المدينية الخرطومية إلى سياسي شاب طموح ، بدون تجربة مسبقة ولا إنخراط تأهيلي في مؤسسات الدولة ومؤسسات التربية السياسية التقليدية (تمدرس) ، وضحية لتهافُت أصحاب المشاريع السياسية لإستئجار قواه الإجتماعية والعسكرية.
كان حميدتي في (2019) نائب رئيس تحت التدريب ، عكس جون قرنق (2005) أو جوزيف لاقو (1972) وأبيل الير (1971).
ظاهرة قائد ثوري أو سياسي تحت التدريب (undertrainer leader) هي ظاهرة دارفورية خالصة لا يتدرج فيها أبناء الإثنيات القوية خصوصاً في تجربتي الدعم السريع ومن قبله حركة العدل والمساواة (خليل ابراهيم) الذي يقول عنه أحد أهم ناقديه من داخل صف القيادة – بحر إدريس ابوقردة- أن ((القبيلة (التنظيم القبلي) أتت به رئيساً من مكتبه الوظيفي الحكومي في اليوم التالي إلى الميدان بلا تجربة تدرج قيادي ولا جُنود)) إلخ شهادته المُوثقة ، بل يصعدون بقوة عشائرهم ، شبيهة بظاهرة الصادق المهدي رئيس الوزراء المُتدرب (1969) الذي لم يتعلم شيئاً من فشل تجربته الأولى وواصل ذلك الفشل مُتمسكاً به في تجربته الثانية لأنه (ليس بحاجة إلى التأهيل..(!!)).
ذلك نابع وحصيلة تراكمية لخطة تدمير وتحطيم البنيات الإجتماعية الهيراركية في الريف destruction of societies في عهد نظام (1989) ، لصالح إيجاد قيادات اقل سقفاً تفاوضياً قيادات تابعة Satellite leadership شابة -ثورية- أو طبقية جديدة مُنفصلة عن الجذور كما مؤسسة القبيلة والإثنية والقرية (الكيبوتز) أو الدامرة والحي (الفريق) camps إلخ.
في نهاية تجربة الكتلة الديمقراطية بإنقلاب 25 أكتوبر 2021 ، تعطلت الحياة السياسية لأن دينامياتها الخارجية إرتبطت بوجود تحالف قحت الكمبرادوري في السُلطة ، وهذه نقطة اغفلتها قيادة الكتلة ولم تطرحها للنقاش الجمعي المفتوح ، هنا بدأت ظهور التشققات الداخلية Social cleaveges والتداعي السياسي الحُر يأخذ مجراه.
ظُهور وعلو خطابات الإنغلاق والإنسداد السياسي والخوف على الغنيمة ، خطابات (زغاوة صر) pure ethnic composition الداعية للتخلُص من شركاء المسارات الإخرى وتخوينهم أو التشكيك فيهم ، خطابات عدم الإحتفاء بالتنوع ، وكلها خطابات هزيمة.
لكن بقيت الخلافات قائمة بين قيادة الكتلة الديمقراطية وقيادة قوة الدعم السريع ، حول أزمة القيادة ، مسارات الثقة المتبادلة ومسارات تراكُم الخبرة السياسية النسبية ، في إتجاه مُراقبة السلطة الشمالية والمعارضة الشمالية. إلى صبيحة حرب 15 إبريل 2023.
أزمة قيادة وتوحد على (القيادة) أو النزعة الطليعية vanguardism ، نابعة من التفاوت في الوعي التاريخي بين مُكونات الريف والهامش ، من واقع التفاوتات الهيكلية داخل هذا الريف أيضاً ((صراع نموذجي التواطؤ الإجتماعي والمقاومة الإجتماعية)) وهو صراع تبايُن ثقافي إجتماعي مُكتسَب أساساً.
(5)
لم يكن شباب قوة الدعم السريع حتى تاريخ إنتفاضة الخبز (2019) التي أوجدت فرصتها التاريخية لإبراز قوة الأقليات العرقية والتشكيلات الإجتماعية اللامركزية في الريف والصحراء وحتى المدينة في (التنظيم السياسي) بعد أن حطم نظام (1989) إقتصاديات معظمها وتعهدها بالإقتلاع من الطبقة الوسيطة في المجتمع والدولة والسوق ومؤسسات الحُكم.
لم يكن لهم وجود مستقل عن تنظيمات الإثنيات الإفريقية الأخرى المعارضة سوى فضاء الموالاة الحكومي. ولم يكن لهم تمثيل سياسي مستقل داخل التنظيم السياسي الحكومي نفسه من حزب الأمة في (1987) إلى نهاية المؤتمر الوطني (2019).
يُمثل هؤلاء الشباب من جيل التسعينات فئة عمرية إجتماعية نشأت تحت كنف النظام السابق وأيدلوجيته الشاملة full ideology ، بالتالي فإنهم جزء من اجياله التي لم تكن لديها مصالح طبقية قبل (1989) لكنهم في مسارهم الإنعتاقي أو طقس العبور السياسي إتخذوا من مسألة (العداء للإسلاميين) Islamophopia جادة عبور إلى تعلقاتهم بالإنفتاح على الغرب ، وهذه مشكلة الشباب في عدد من الدول التي عرفت مشاريع تنموية developmental states إشتراكية أو وطنية أو حتى وطنية فاشية مُعادية للغرب والتبعية الغربية.
بالنسبة إلى شباب قوة الدعم السريع ، فإن إرتباطهم ثورة ديسمبر 2019 من خلال تجاهل عيوبها التأسيسية والمؤسسية خطابها وأيدلوجيتها بإعتبارها ثورة سلبية passive revoultion إنتقامية ستعيد إنتاج القهر والهيمنة في السودان لمصلحة مجموعات معينة مرتبطة خارجياً ومستعدة تنظيماً لممارسة الهيمنة بشكل فيزيائي وتنظيمي صلب.
إرتباطهم بهذه الثورة هو محاولة لنيل الإعتراف ، ضمن مساعي الأقليات الإثنية العديدة Unrecognized miniorities التي لا يعترف أو لا تعترف بها المؤسسات الإجتماعية الكبيرة في الريف والمدينة الخ وتسعى للإعتراف الإجتماعي من خلال (قفزات سياسية بنيوية) .. ولا تعترف بها الجغرافيات الثقافية في السودان الريفي ، تمثل إنقلابا هرمياً هيراريكياً على السلم الإجتماعي والتراتبيات كما التشكيلات الإجتماعية الرئيسية في الريف ، من خلال تحالفهم الطبقي مع منظومة (قحت) الكمبرادورية.
لهذا بدأت هذه الطبقة الشبابية العداء تجاه الريف ومُجتمعات الريف من خلال خطاب تجريمه وإتهامه (خطاب الفلنقاتيزم) و(الأسلمة) أو (الكوزنة) الخ. وهذا كان سبباً أيدلوجيا مهما في تعبئة المذابح التي إستهدفت عقاب الريف في مذابح ام روابة جلقني ودار حمر َودار الكبابيش الخ. من قبل شباب قوة الدعم السريع و تحالف الأقليات الصغيرة في الريف غير المستقرة زراعياً التي حشدها للصراع والحرب منذ تأسيسه.
منذ عامين تخوض قوة الدعم السريع حرب الأقليات العقارية أو الإثنيات الخُلاسية غير المستقرة زراعياً ضد الريف الذي يمانع ثورة ديسمبر ، بإسم ثورة ديسمبر 2019 الإجتماعية ، وشعار (عُقدة الخواجة) xenophobia و (كراهية الأهالي) oikophobia الدفتردارية ، أو التشكيك في القيادة المحلية للبرجوازية الصغيرة في الريف الوطني السوداني ثورية مسلحة كانت أم إصلاحية تقليدية أو مثقفة ، من أجل فرض البرجوازية الكبيرة وعائلات الإقطاع والإستعمار على السودان والسودانيين من جديد. كبديل نيوكولونيالي ليبرالي.
وهي شعارات سيتضرر منها كل المهمشين بدون تصنيف ويتضرر منها شباب قوة الدعم السريع في النهاية. بما اظهرته الإنقسامات اللاحقة بين (تقدم) و(تأسيس).
لكن هذا التهديد لن ينتهي إلا بخروج مجموعة (القوة المشتركة) أو حركات مجلس شورى الزغاوة من المساومة السياسية على الإمتيازات الإحتكارية المخصصة ، التي كانت يجب أن تكون حقوقاً دستورية مقررة ومنصوصة لكل الشعب في الريف ولكل المهمشين.
بعودة هؤلاء المسكونين بالإستعلاء العرقي المفرط ، إلى وعيهم الطبيعي بضرورة توطين المساومة السياسية العامة في الريف والتواضع على إنهاء النموذج العُنفي في إدارة الدولة وفرض توازنات إجتماعية مُصطنعة من خلال إصطناع نُخب سلطة مركزية زائفة نخب هيمنة نيوفاشية تتغذى من آلام الضعفاء والإنتخاب البيولوجي بإبادتهم.
لا يمكن أن يكون هناك مدخلاً آمنا للتخلص من آثار إتفاق جوبا بعد أن غابت روحه ، سوى مخرج واحد هو تجميد تمثيل حصة إقليم (مديرية) دارفور في (المركز) لحين إحداث آلية التوافق بين مكوناته السياسية الإجتماعية.
أو بدلاً عنه في حال التعذُر فدرلته ذاتياً إلى أقاليم جديدة ضمن مسار كوكرا جديدة New cacura ، بلقنة جديدة balkanization يُغلق الباب أمام طرح هيمنة الأقليات المتعب.
هو أيضاً أفضل خيارات التعايش coinhabitation في ظل تحطيم البنى الإجتماعية في الريف ، تحطيم قيادته التقليدية الهيراركية إلى برجوازيات صغيرة متناحرة أو تناحريات متنازعة إختارت مفاصلة الهوية على تقبل الهيمنة وهيمنة الأقليات تحديداً (فدرلة الهامش) ، المسار الذي ندم جوزيف كابيلا انه لم (يفكر بعمق لتنفيذه في الماضي) حين عُرض عليه وإختار بدلاً عنه تلاشي الكونغو (زائير) في سلسال حروب بولا ماتاري ، بين (المناجل والسكاكين الطويلة).
Northernwindpasserby94@gmail.com
زرياب عوض الكريم
- مالك مجموعة سودان بريدجز للإستشارات الأمنية والإتصال.
Sudan Bridges Advisory Group For Securatic Consulting and Communication.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم