الحرب الوعي المزيف ومغالطة الاحتمالين

(1)
‏إن الضعف الواضح لقوى التغيير والتشرذم الذي تعيشه جعل الساحة فارغة من فرسان الحقية فلا غرابة ان تسيطر عليها قوى الشر وتفرض قناعاتتها ورؤيته الفلسفية
‏هذه الرؤية الفلسفية المأزومة في ظروف الحرب يمكن بكل بساطة أن نقول أنها كرست لسيادة الوعي الزائف .
‏إن الحروبلا تحسم في أرضية المعارك فقط بل يلعب استقطاب الجماهير ودعمها دورا حاسما. لذا تسعى القوى المتحاربة لكسب الشعوب بجانبها وكل يزعم بأنه يمتلك الحقيقة .لذلك ليس غريبا أن تتحقق المقولة التي تؤكد أن الحقيقة هي أول ضحايا الحروب.
‏إن قوى الشر لمجانبتها الحقيقة فانها ليس لديها سوى ان تستعمل خداع الوعي الزائف في محاولتها للسيطرة على الشعوب.
‏ان أكثر الأدوات الوعي الزائف و الميكانيزمات المستعملة هي المغالطات الفكرية.
ان المغالطات الفكرية
هي محاولة غرس المفاهيم الخاطئة والتلاعب بعقول الجماهير حتى لا تعلم الحقيقة و لا تكسب الوعي الذي يساعدها في السيطرة على الحرب وتحديد نهايات الصراع.
‏نجد من أكثر المغالطات الفكرية التي تستعملها قوى الشر هي مغالطة الاحتمالين وهي تعرف أيضا بالثنائية الكاذبة وهي محاولة الادعاء بأن هنالك مجرد تفسيرين فقط للاجابة عن تساؤلاتت الواقع متجاهلة بقصد أي احتمالات أخرى.حيث هي عملية حصر الخيارات في بديلين كلاهما سلبي مع إخفاء خيارات ثالثة أفضل ،إن الهدف في معظم الأحيان خداع الشعوب على قبول شرّ “أخف” تحت تهديد شرّ أكبر (مثل إما الديكتاتورية أو الفوضى) مع الادعاء بأنه ليس هناك خيار آخر.
نجد أن هنالك أمثلة كثيرة في استعمال قوى الشر لهذه المغالطة لدرجة أنها أصبحت جزءا من واقع الوعي الزائف اليومي الذي يسيطر على الجماهير .
ان نظرة سريعة لواقعنا يمكننا ان نري جلياتها في الاتي
‏أولا
مغالطة الحرب والقتال او القبول بالعنف والانتهاكات وعدم الأمان
‏هي مغالطة ترسم الواقع بان عدم القبول بالقتال يعني الاستسلام والقبول بالذل والانتهاكات كأنه ليس هناك احتمال آخر والهدف الذي لايخفى على اي عاقل التجاهل المتعمد للخيار الثالث وهو خيار السلام الذي يفرض التعايش السلمي وتطبيق العدالة على كل التجاوزات.
ثانيا
مغالطة دعم طرف أو الخيانة وهي محاولة تزعم انه ليس هناك مفر سوى الحرب ومن ثم لابد من دعم أحد طرفيها ويحاول التجاهل متعمدا ان هناك خيار رفض الحرب من أساسها لذا فالذي يختار طريق السلام لأنه يؤمن بأنه الحل الوحيد لوقف الدمار والأمن المستدام لن ينحاز لأي من الأطراف مهما كان تعاطفه مع هذا الطرف او ذاك لأن ذلك يعني الإنحياز للحرب وهدما لخيار السلام الذي إختاره أساسا.
ثالثا
مغالطة السئ مقابل الأسوأ ومحاولة التبشير بأن عهد الظم السابق هو الحل مقابل واقع الدمار اليوم.هنا تظهر زيف المغالطة التي تسعى لإلغاء الخيار المعلوم بأن الخيارين مرفوضين وهنالك خيار أفضل يسمى دولة القانون والمؤسسات
رابعا
مغالطة قبول الكيزان أو استمرار الحرب ونجد هذه المغالطة تغذيها بركة من الأكاذيب والوعي المزيف التي تحاول رسم واقع الكيزان بأنهم ضحايا الإقصاء (كل كوز ندوسو دوس) وانهم اصبحوا في معركة وجودية ليس لهم سوى الحرب للعودة للسياسة أو والاستسلام لعودتهم للحياة السياسية. هذه المغالطة تستند على تزييف فاضح فثورة ديسمبر لم تطالب بقتلهم وسحلهم ولم تحاكم الافراد لانتمائهم التنظيمي بل طالبت بمحاسبة من انقلب على الدستور ومن اشترك في الظلم والعنف والفساد. لذا عندما طالب شعبنا بحل المؤتمرالوطني ليس نكاية في الكيزان بل نتاج مطلب عادل ومنطقي وقانوني بل ودستوري يمنع قيام اي حزب ديكتاتوري يرفض التعددية واحترام الاخر وسيادة القانون.لذا هذه المغالطة التي تحاول الباسهم زيفا واقع الضحايا الذين فرض عليهم القتال تسعى لإخفاء الخيار المنطقي الموجود بان يبدلوا قناعاتهم القمعية والقبول بدولة المؤسسات والديمقراطية وتكوين احزاب على مفاهيم العدالة واحترام الدستور.
هذه الحملة المنظمة بتكريس مغالطة الاحتمالين لمحاصرة شعبنا بالوعي الزائف تجعلنا ندور في فضاء الجهل والضياع.
لاشك انه قد صدق فولتير فيما نسب اليه حين قال أخطر أنواع الإستبداد هو الذي يقنعك بأنك حر لأنك تستطيع الإختيار بين سجانين ويقول علم النفس السياسي في نفس المنوال إن أسوأ قوى الشر هي التي تجعل شعوبها تحت سيطرة وهم خيارين كلاهما يقود الى جهنم.
فهل قمنا لنضالنا وفارقنا هذه المغالطة التي تقودنا في كل يوم نحو الجحيم
الحرب الوعي المزيف ومغالطة الاحتمالين(2)
إن مغالطة الإحتمالين ليس صدفة ان تكون من أكثر الميكانيزمات التي تستعملها قوى الشر لتغبيش وعي الشعب والسيطرة على الواقع بالوعي الزائف.
تقوم بتنفيذ ذلك في استراتيجية مدروسة ومنصات اعلامية منتشرة في بقاع العالم يصرف عليها من موارد شعبنا المنهوبة.يطوعون مناهج الوعي لمصلحتهم ينطلقون من وعي الانسان المستلب والمحاصر بفظائع الحرب
منهجهم التضخيم والتهويل والتسويق الكارثي للمستقبل حيث يضربون على عقلية الحصار بأن الواقع أزمة وجوديه لذا علينا التضحية بكل قناعاتنا ومبادئنا واحلامنا مقابل ان نعيش ويتوفر الأمان فتصبح الحربة بلا معنى والديمقراطية ترفا والحكم المدني أقرب للخيال نستحي ان نحلم به
استراتيجية الوعي الزائف التي تعتمد على إستغلال غريزة البقاء فيحاصر شعبنا برسائل الخوف من المستقبل فيصبح شعارنا الوقائي الخواف ربى عياله الذي يؤمن بالقبول ودعم الشر الذي تعرفه ولا الحلم الذي لم تعشه.
ما كان لهذه الاستراتيجية ان تنجح ويستطيع الوعي المزيف امتلاك الساحة لو لا عوامل معلومة لاتخفي على احد نحصر بعضها في الاتي
اولا
غيابنا من ساحة الوعي وتركه تنعق فيه قوى الشر .ان تشرذم شرائح المجتمع قد قاد
لغياب الوعي المنطقي الذي يستطيع غسل ادران الوعي الزائف ويعري زيف مغالطة الاحتمالين وغيرها من التجهيل والمغالطات
ثانيا
سيطرة المشاعر المتفلتة والوعي الزائف جعلت شعبنا أسرى مشاعر الغضب والخوف والإحباط
ثالثا
سيطرة مشاعر الخوف من المجهول تجعل من السهل القبول بالشر الذي تعرفه من الخير الذي تحلم به
رابعا
حصار الواقع وإدعاء خصوصية الكارثة مع الجهل بالتاريخ الذي يمزق في نماذجه المضيئة زيف المغالطات ويحكي تجارب مشرقه من الهند وكولومبيا وجنوب افريقيا مؤكدة ان الخيار الثالث والحلم بالسلم والتعايش المجتمعي في دولة القانون ليس فقط ممكنا بل هو الخيار الأفضل أخلاقيا ومنطقيا والطريق الوحيد لتحقيق العدالة واستدامة السام والأمان
اننا يجب نفارق مقاعد الاستلاب نمزق حصار الوعي المزيف نتبنى مناهج الوعي المنطي التي تفضح زيف مغالطة الاحتمالين لتؤسس لواقع الوعي بالخيار المنطقي المتمثل في الاتي
ان الواقع لا تحكمه ثنائية الزيف المتمثل في ان تدعم احد طرفي الحرب مهما كان غضبك من احداهما او اعجابك بالاخر
بل ان هناك الخيار الافضل والمنطقي بدعم خيار السلام وان دعم اي منهما سيهدم هذا الخيار وسيكون فقط وقودا لخيار الحرب
ثانيا
ان الخيار الذي يرفض الانحياز لطرفي الصراع عندما يختار الطريق الثالث فهو لا يخون طرفا ولا يدعم الآخر بل سيفرض عليهم بقدر التساوي وقف القتال ومحاسبة المتسببين في اشعالها ومرتكبي كل الانتهاكات
ثالثا
لا نقع في زيف خياري السئ والأسوأ فالإثنان من رحم قوى الشر ولن نختار اقلهما شرا بل سنختار كما اختارت شعوب غيرنا خيار رفض كل أنواع الشر كثيره وقليله وحققت حلمها النبيل والموضوعي في دولة العدالة والقانون
رابعا
لن نقع في تهمة الإقصاء وسننتمسك بدعوة حل حزبهم القميء ومحاسبة كل من انتهك الدستور وافسد بالقانون ولن نخجل من ذلك لأن رفض منظمات الظلم والفساد ليس قمعا ولا اقصاء بل هي قمة العدالة والحرية .فلا نجعلهم يرفعوا فزاعة الاقصاء تبريرا للحرب والدمار ادعاء بانها مفروض عليهم حرب وجود.المنطق يؤكد اننا لم نرفع شعار قمعهم أو ابادتهم ولن نسلبهم حقهم في الانتماء لوطنهم ولن نطالب بسحقهم وابادتهم
لذا فلن يحتاجوا لرفع السلاح ونشر الدمار ليتحقق لهم حق الوجود ،لاننا نؤمن بحق الوجود الفاعل لكل من وضع سلاح القهر و تعلم من كارثة الانقاذ وتخلى عن كوزنته ونادى بدولة القانون
وبالديمقراطية وحرية الاخر فهي البوابة للوجود في مجتمع العدالة والسلام
فالشعب هو من سيحكم فيه في صناديق الانتخاب.
هذه خيارات شعبنا الذي لن تخدعه زيف مغالطة الاحتمالين بل هي الخيار الثالث المتوازن والمنطقي والموضوعي الذي يدعو لقيم العدالة وسبحقق مجتمع الأمن والمحبة الذي نحلم به
لكن سيادة الوعي المنطقي لن يتحقق الا بتوافق قوى التغيير وتوحدها في منابر معلومة تتجاوز خلافاتها ترسم سياساتها تحاصر قوى الشر وتهدم منصات الزيف التي تسمم العقول الجهل وتسعى لاستلاب شعبنا بالوعي الزائف
فقوموا لما يحمعكم
وتوحدوا على نشر الوعي المنطقي الذي يقود لدورة العدالة
يرحمكم الله

مجدي إسحق

عن مجدي إسحق

مجدي إسحق

شاهد أيضاً

العقل العاطفي …..الكارثه والجلوس على الهاويه .. بقلم: مجدي إسحق

عندما تسيطر مشاعرنا على تفكيرنا نكتب على انفسنا الضياع والابتعاد من درب المنطق والحقيقه ويصبح …