هل كان بإمكان الإمام الصادق المهدي أن يكون بمستوى وعي توكفيل أو روزفلت أيام الكساد الإقتصادي العظيم؟

كتابة هذا المقال خلفيتها بأن العالم اليوم قد أصبحت فيه دول من دول العالم الثالث في مستوى إنتاجها الصناعي متساوية مع الدول الصناعية في أوروبا و يمكننا أن نذكر الهند و الصين و بسببهما قد أصبحت أحداث العالم متسارعة و حتى في الدول الصناعية الأوروبية لم تعد ديناميكية النيوليبرالية فاعلة و قد أصبحت خارج النموذج مثلها مثل ديناميكية الكينزية التي سبقتها و كانت فاعليتها لمدة ثلاثة عقود أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية.
لذلك قد أصبحت الدول الصناعية الأوروبية في موقع يجعلها مجبرة أن تدخل في ديناميكية الحماية الإقتصادية كما يفعل ترامب في سياساته الإقتصادية الآن. و ديناميكية الحماية الإقتصادية التي يستخدمها ترامب اليوم هي من صميم أفكار الفكر الليبرالي و نجدها في جهود فردريك لييست كإقتصادي الماني كان في فكره يرفض فكرة أدم إسمث و تشجيعه لفكرة التصدير.
ففردريك لييست كان ضد فكر ادم اسمث لأن ميزان المدفوعات سيميل لغير صالح بلده المانيا في ذلك الزمن لذلك كان ينادي بفكرة الحماية الإقتصادية مناهضا فكر ادم إسمث. لذلك فكرة ترامب اليوم و سياساته الضريبية هي حماية للإقتصاد الأمريكي لأن ميزان المدفوعات لا يميل لصالح أمريكا و هي من صميم الفكر الليبرالي و ستحتاج لزمن طويل حتى تعطي نتائجها و ربما لا تظهر نتائجها في زمن رئاسة ترامب إلا أنها قد أصبحت ممر إلزامي بسسبب بلوغ بعض دول العالم الثالث لمستوى إنتاج الدول الصناعية الأوروبية و قد ذكرنا الهند و الصين.
الغريب في منتصف الستينيات من القرن المنصرم تحدث ريموند أرون عن أن التحولات الهائلة بسبب الثورة الصناعية ستجعل كثير من دول العالم الثالث يوما ما في مستوى إنتاج الدول الصناعية و هذا يجعل إمكانية سرقة موارد العالم الثالث مستحيلة من قبل الدول الاوروبية و بالتالي ستتغير علاقة الدول الصناعية الأوروبية مع دول العالم الثالثة و ستكون غير قادرة على إستغلال موارد العالم الثالث بغير وجه حق كما كانت تفعل أيام الإستعمار و هذا سيغير من طبيعة العلاقات بين الدول النامية و الدول التي في طريقها للنمو.
هذا ما أكده عمانويل تود الآن و هو فيلسوف فرنسي في ظل سياسات ترامب و فكرة حماية الإقتصاد الامريكي. أكد عمانويل تود ما قاله ريموند أرون قبل أكثر من ثلاثة عقود بأن الدول الاوروبية الآن قد وصلت لقناعة بأنها لا يمكنها إستغلال موارد الشعوب في العالم الثالث كما كانت تفعل سابقا لأن موجات الثورة الصناعية قد غيّرت في كثير من الشعوب و هذا ما كان يردده كثير من الإقتصاديين و السياسيين و علماء الإجتماع و هو قولهم أن لأول مرة يصبح تاريخ البشرية تاريخ واحد و مشترك للبشرية كافة بعد الثورة الصناعية.
و من هنا يأتي تنبيهنا للنخب السودانية بأن تنظر لمجتمعنا السوداني بأنه مجتمع يجب مقاربة قضياه و مشاكله وفقا لقضايا و مشاكل مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية رغم أننا في السودان لم ننجح في نقل أي تجربة صناعية إلا أن السودان الآن يتعامل مع مجتمعات حية و هي مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و تأثيرها الهائل في التحول في المفاهيم فيما يتعلق بالإجتماع و الإقتصاد و السياسة نتاج الثورة الصناعية.
أجدى للنخب السياسية السودانية أن تنظر لقضايا السودان و تقاربها بعيدا عن إلتباس أفكار أغلب النخب السودانية فيما يتعلق بمفهوم الدولة الحديثة و مفهوم ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و هذا مفهوم لا علاقة له بمفهوم المحاصصة و المحاصصة سببها صراع أفكار خاملة لنخب الهامش و المركز لأنها نتاج فكر هووي صاخب في وقت دول ما بعد الثورة الصناعية و مجتمعاتها لا تتحدث عن الهوية بل تتحدث عن الحرية و يسود فيها فكر الحريات و ليس فكر الهويات القاتلة.
هناك ملاحظة مهمة جدا لاحظها توكفيل بعد زيارته لأمريكا و كتب كتابه الديمقراطية في أمريكا و لاحظ كيف تفوقت أمريكا في تحقيق الديمقراطية و عجزت عن بلوغها القارة الأوربية العجوز و من ملاحظاته بأن هناك تحولات هائلة ظهرت على المجتمع بسبب الثورة الصناعية و بالتالي أجبر السياسيين و الإقتصاديين على التفكير في كيفية إعادة الفعل الإجتماعي العفوي الذي يحفظ توازن المجتمع و عليه ظهرت فكرة الضمان الإجتماعي و هي تغطي حالات المرض و العجز عن العمل و ما بعد التقاعد و الحوادث التي يفقد فيها العامل يده أثناء العمل و كلها وجه جديد لمجتمع ما بعد الثورة الصناعية و لا يمكن مجابهتها بغير قيم الجمهورية و الفكر الليبرالي بشقيه السياسي و الإقتصادي و نتاجه الديمقراطية الليبرالية.
و أول ملاحظة لتوكفيل هي أن الكاثوليك في فرنسا يقولون بالكاثوليكية يمكنهم نقل المجتمع الى حيز الديمقراطية لذلك كان رأي توكفيل يستحيل أن ينقل الكاثوليك بالكاثوليكية فرنسا الى رحاب الديمقراطية لأن الديمقراطية لم تعد نظام حكم فحسب بل فلسفة لتحقيق فكرة العيش المشترك و عبرها يمكننا تحقيق فكرة المسؤولية الإجتماعية عن الفرد و بالتالي يصبح الفكر الليبرالي و الديمقراطية الليبرالي بديلا للفكر الديني و عليه يتغير مفهوم الدين عند توكفيل و يصبح مفهوم الدين أفقي و ليس عمودي و هو أفق الرجاء للفرد و شأن فردي و لا يمكن أن يكون الدين دولة كما يتوهم عندنا أتباع المرشد الكيزاني و أتباع الإمام الصادق المهدي و أتباع الختم.
و المضحك و محزن نجد أتباع المرشد الكيزاني و الإمام الأنصاري و أتباع الختم الى يومنا هذا لم يفهموا فكر توكفيل و قد قدمه منذ عام 1835 و ما زال مفهوم الدين عندهم عمودي و ليس أفقي و وسط أغلب النخب السودانية ما زال وهم أن الدين دولة كذلك وسط أتباع المرشد و الإمام و الختم لذلك نجد لجلجة النخب السودانية و خوفها من فكرة فصل الدين عن الدولة و كله بسبب غياب مفهوم الديني التاريخ من أفق النخب السودانية.
لذلك إزداد العنف في السودان الى أن وصلنا الى حلقة الحرب العبثية الشريرة و هي بسبب الجيش الكيزاني و صنيعته الدعم السريع و الأغرب من كل ذلك ما زال الكيزان يزدادون عشم في الرجوع للسلطة و كله بسبب غياب فكر يسود وسط النخب السودانية يؤكد بأن مفهوم الدين شأن فردي و قد أصبح أفقي و ليس عمودي و لم تعد إمكانية أن يكون الدين دولة على الإطلاق في ظل مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و هذا هو المستعصي على عقول كثر من النخب السودانية و لهذا نذكّرهم بأنهم لا فرق بينهم و بين أوهام الكاثوليك أيام توكفيل بسبب تفكيرهم بأنهم يمكن أن يحققوا ديمقراطية بحزب الأمة و حزب الكيزان و حزب الختم و هيهات.
و نذكّرهم أي نذكر النخب السودانية بأن جون لوك كان يقول و يؤكد دوما بأن كل من ينطلق من خطاب ديني لا يمكنه التحدث عن التسامح لذلك كان يقول إذا كان هناك مطلق يجب التفكير و الايمان به فهو لم يكن غير فكرة فصل الدين عن الدولة و كان في نفس الوقت يمقت الإلحاد كما يمقت عدم فصل الدين عن الدولة و بالتالي الدين عنده أفق رجاء للفرد و شأن فردي و عليه يصبح مفهوم الدين عن جون لوك أفقي و ليس عمودي كما هو سائد عند أغلب النخب السودانية و هي تفقد شجاعتها بمجرد أن تطالبهم بفكرة فصل الدين عن الدولة.
و لهذا قلنا عند توكفيل تصبح الديمقراطية الليبرالية ليست نظام حكم فحسب بل قد أصبحت بديلا للفكر الديني في سبيل تحقيق فكرة العيش المشترك التي لا يمكن تحقيقها في ظل الفكر الديني و قد رأينا سطوة الكنيسة و حروب أوروبا بين الطوائف الدينية.
ما أقوله مستبعد الحدوث عند كثير من النخب السودانية إلا أنه إذا أصغيت جيدا لوشوشة التاريخ يمكنك أن تسمعه قادم الى السودان من جهة المستقبل كما كان يقول فولتير أنه يسمع وشوشة الثورة الفرنسية قادمة بعد مجيئه من لجؤه في بريطانيا و بالفعل بعد ذلك لم يطول إنتظارها أي الثورة الفرنسية و كذلك الديمقراطية السودانية التي سوف تتحقق بفصل الدين عن الدولة في السودان و عبرها يصبح السودان جزء من الإنسانية التاريخية في تخلّصها من تاريخ الخوف الذي يستغله رجال الدين و عبره يسوّقون لفكرة الخلاص الأخروي في مجتمعنا السوداني التقليدي و هي لا تقل في قبحها عن صكوك الغفران لأن أفكار رجال الدين التقليديين في السودان تسقي الشعب السوداني من حمم براكين التراث الديني المؤدلج كما يقول محمد أركون.
و قطعا الخلاص من إستهبال رجال الدين في السودان يحتاج لإصلاح ديني يفك إرتباط الشعب السوداني مع التراث الديني المؤدلج و لا يكون ذلك بالسهولة قبل أن تستيقظ النخب السودانية من سباتها الدوغمائي العميق الذي يجعلها مهادنة للمرشد الكيزاني و الإمام الأنصاري و الختم و إلا لماذا يشترك كل من كمال الجزولي و الحاج وراق في لجنة تخليد فكر الإمام الصادق المهدي؟ و الإمام الصادق المهدي في كل جهوده الفكرية أقرب لرجل الدين من أن يكون سياسيا بالمعنى المعاصر و يسير نحو تحقيق مجتمع ينتمي لمجتمع ما بعد الثورة الصناعية.
بإختصار شديد يمكننا أن نقول هذا هو الفرق بين توكفيل و الإمام الصادق المهدي و نقصد أن توكفيل كان له وعي نتاج فكره كعالم إجتماع و إقتصادي و سياسي و فهم فكرة الشرط الإنساني و أدرك أن شعار الثورة الفرنسية الحرية و المساواة و الأخاء بعدها لا يكون هناك إمكانية لفكرة الصراع الطبقي لأن المجتمع الذي ينادي بالحرية و المساواة و الأخاء تختفي من بينه فكرة الصراع الطبقي و يصبح في مسيرته التي تسوقها معادلة الحرية و العدالة إختلالات سياسية و إقتصادية بين فترة و أخرى تحتاج لعلماء إجتماع و سياسيين و إقتصاديين و أنثروبولوجيين يعودون بالمجتمع الى نقطتي توازنه الإجتماعي و الإقتصادي و هذا ما فات على ماركس و هذا هو المستعصي على عقل الشيوعي السوداني الى اليوم في إيمانه بفكرة الصراع الطبقي.
و الفرق بين توكفيل و الصادق المهدي أن توكفيل رغم أن الثورة الفرنسية قد محقت طبقته بل ألغتها نهائيا إلا أنه لم يعادي شعار الثورة الفرنسية التي قتلت أثنيين من أقرابه لأنه أدرك أن مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية لا تسير على ما تبغى و تريد طبقته لذلك أدرك توكفيل أن هناك تحول هائل في المفاهيم جعله ييقن بأن معادلة الحرية و العدالة هي المنتصرة للفرد و العقل و الحرية لذلك كان شديد الإنتقاد للفكر الديني في نقده للكاثوليك و بالتالي جاءت نظرته الى أن مفهوم الفكر الليبرالي قد أصبح بديلا للفكر الديني.
أن مفهوم الدين قد أصبح أفقي و ليس عمودي و لا يمكن أن يكون الدين دولة عند توكفيل في وقت كان الصادق المهدي يعتقد أن مفهوم الدين عمودي و يمكن أن تكون هناك دولة دينية بل مهدية عديل و هنا تكمن خطورة فكر رجال الدين و قد قلنا أن الصادق المهدي في مجهوده الفكري أقرب لرجل الدين من السياسي المنتمي لمجتمع ما بعد الثورة الصناعية.
و كذلك خطورة فكر الصادق المهدي الديني منعته من أن يصل الى مصاف من يدرك مفاصل إنقلاب الزمان و لو أدرك الصادق المهدي أهمية مفاصل إنقلاب الزمان لما كتب في تمجيد المهدية بل كان إنتقدها في قطعها لطريق تنامي الفكر العقلاني في السودان مثلما فعلت كل من السنوسية و الوهابية في قطعهما لطريق تنامي الفكر العقلاني كما يقول عالم الإجتماع هشام شرابي.
لذلك في العنوان أي عنوان المقال جاء سؤالنا هل كان بالإمكان أن يكون وعي الصادق المهدي بمستوى وعي توكفيل الذي إنتصر للثورة الفرنسية التي محقت طبقته و ألغتها؟ و الإجابة قطعا لا لأنه لو كان الإمام الصادق المهدي بمستوى وعي توكفيل لأغلق باب الثورة المهدية بمفتاح عقل الأنوار و أفكار الحداثة التي قد قضت على جلالة السلطة و قداسة المقدس و لكن هذا يتعارض مع طموح الصادق المهدي كرجل دين يريد أن تتوشح أسرته بجلالة السلطة و قداسة المقدس و هيهات.
و مع توكفيل في سيره ضد ما كانت تريد طبقته و قيمها كذلك يمكنك أن تضيف روزفلت أيام الكساد الإقتصادي العظيم و هو يدخل مفهوم جديد يقفل باب الماضي و هو مفهوم التدخل الحكومي و نفس الشئ فعله جون ماينرد كينز في نظريته العامة في فكرة التدخل الحكومي و هي أفكار جديدة كانت ضد منظومة الأفكار التي كانت سائدة و هكذا يكون مسار العظماء أمثال توكفيل و روزفلت و كينز و عكسهم الصادق المهدي في توغله في ماضي حاضر يعتقد في أنه ماضي ذهبي.
طاهر عمر
taheromer86@yahoo.com

عن طاهر عمر

طاهر عمر

شاهد أيضاً

الصراع بين المهدي و العلماء الدكتور عبد الله علي ابراهيم و اللا مفكر فيه

طاهر عمرtaheromer86@yahoo.com كتاب عبد الله علي ابراهيم الصراع بين المهدي و العلماء كتاب يجد إحتفاء …