هل السياسة شأنٌ منفصل عن الأخلاق، والتي هي بتعريف مُبسَّط: المعايير الهادية إلى تحديد الصواب والخطأ، والخير والشر، والعدالة والظُلم؟ هل يقتصر مجال الأخلاق فقط على إصدار الأحكام على الجوانب الشخصية في سلوك الأفراد في المجتمع؟ هل حقاً كُلُّ شيء مُباح في مِضمار السياسة لمن يمتلك القُوّة والقُدرة على فرض إرادته وتنفيذ ما يخدم مصالحه؟ هل القُوَّة هي ما يحصِّن الفرد أو التنظيم الحاكم من تبعات جرائمه والدمار الذي تسبّب فيه لأنّ الحقّ ينبثق من القُوَّة؟
ما تقدّم مُجاباً عليه بنعم هو، بوجه عامّ، ما ظلَّ يردِّده في الآونة الأخيرة أحد المعلقين على الشؤون السياسية السودانية الذي يتابعه الكثيرون، والذي، للحقيقة، قدّم في أوقات سابقة بعض التحليلات الجيِّدة التي استحسنها كثير من متابعيه، كما يظهر من تعليقاتهم عليها.
قبل الإجابة على الأسئلة أعلاه، لا بُدَّ من الإقرار بأنّ وجهة نظر هذا المعلق هي عين ما ظلَّ يؤمن به الطُغاة منذ فجر التاريخ وإلى يومنا هذا. يهدف من يردِّد هذا القول، بوعي أو بدون وعي كامل، إلى تثبيط الروح المعنوية للمدنيين الذين لا يحملون السلاح، وإقناعهم بأنّ نضالهم السلمي لا جدوى منه، وأنّ من الأفضل لهم الرضوخ لمشيئة حملة السلاح لكي يحصلوا على حياة آمنة لهم ولأسرهم. ولكِن، وفي المقابل، ومنذ أن بدأ الناس يعيشون حياة مشتركة في مجتمعات بشرية، وُجِدَ هناك من يقاوم هذه الفكرة المُرعِبة للسياسة المُجّردة من الأخلاق.
كان فلاسفة اليونان الكبار من أوائل من دعا للحياة الفاضلة، ولكِنّهم أدركوا استحالتها إذا لم تكُن للسلطة السياسية المهيمنة اهتمام بالأخلاق. وكذا فعل الأنبياء أصحاب الرسالات السماوية وغيرهم من المصلحين. بل لعلّه من المُمكِن القول إنّ أبرز ما يميِّز الحضارة الإنسانية ويسمو بها، هو الجهود والتضحيات المتواصلة التي بُذلت للحد من غلواء ممارسات سياسات القُوة والغلبة بالضوابط الأخلاقية والإنسانية.
يُردِّد من يسعون لتبرير استمرار الطُغيان آراء مكيافيلي في كتابه “الأمير”، ولكِنّهم يتغافلون عن ما سطّره في سفره الآخر “الحوارات” الذي أشاد فيه بنظام الجمهورية الرومانية وتأثيره الإيجابي على الحُرِّيّات. كما يتغافلون عن نصائح مكيافيلي في كتاب “الأمير” ذاتِه للحاكم بضرورة السعي للحصول على تأييد شعبه.
والأهمُّ من ذلك بكثير، هو تغافلهم عن المُساهمات العظيمة للعقول البشرية النيِّرة خلال فترة قاربت الخمسمائة عامّ، والتي مهّدت الطريق لخروج أوروبا من مُستنقع القرون الوسطى والحقّ الإلهي للملوك وسطوة الكنيسة التي احتكرت إصدار صكوك الغفران، وصولاً الى مُجتمعات حُرِّيّة الفكر والمعتقد وحكم القانون والديمقراطية وحقوق الانسان.
عبّر الفيلسوف الهولندي سبينوزا المولود عام1632 عن رؤيته بعُمق عندما قال إنّ:” غاية الدولة ليست السيطرة، فالدولة لم تؤسّس من أجل إخضاع الناس بالخوف، وإنّما من أجل تحرير الفرد من الخوف. إنّ الغاية ليست في تحويل البشر من وضعية الكائنات العاقلة إلى وضعية الحيوانات الوحشية أو الإنسان الآلي. إنّ غاية الدولة في الحقيقة هي الحُرِّيّة.”
وكتب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك في عام 1693 في كتابه المعنون ” مقالتان في الحكم” ما يلي:” إذا لم نُرِد أن نُعطي مجالاً للتفكير بأنَّ كلَّ حكومة في العالم هي فقط نتاج القوة والعنف، وأنّ البشر لا يتّبعون في حياتهم المُشتركة قواعد أخرى غير تلك التي تتبعها الحيوانات، والتي لديها الأقوى هو الذي يتغلّب، وأن نضع بهذا أُسُس فوضى وشقاء وصخب وعصيان وتمرُّد لا نهاية له، فإنَّه يجب بالضرورة اكتشاف ولادة أخرى للحكومة، وأصل آخر للُسلطة السياسية، وطريقة أخرى لتعيين ومعرفة الأشخاص الذين يحتفظون بها.”
وأخيراً، كتب صاحب العقد الاجتماعي الفيلسوف الشهير جان جاك روسو المولود في عام 1712:” منذ ذلك الحين كانت نظرتي قد توسَّعت كثيراً بالدراسة التاريخية للأخلاق. لقد رأيت أنّ كلَّ شيءٍ كان يتوقّف جذرياً على السياسة، وأنّ أيّ شعب مهما كانت الطريقة التي نتناوله بها، لن يكون مُطلقاً إلا كما ستجعله طبيعة حكومته يكون.” وكتب أيضاً حول الحقّ والقُوَّة قائلاً، إنَّ القُوَّة لا تنتج حقاً فأيّ حقٍّ هذا الذي يزول عندما تزول القُوّة.
من الصحيح بالطبع، أنّه رغم التقدُّم العظيم الذي تحقّق في هذا العالم، فقد حدثت عبر الزمن انتكاسات خطيرة وانتصر الطُغاة لبعض الوقت. ومن المُرجّح أنّ مثل هذه الانتكاسات ستحدث أيضاً في المستقبل. وفي هذا الصدد، تُقدِّم بلادنا حالياً أقصى النماذج المُحزنة لما تصله السياسة المُجرَّدة من الأخلاق والهازئة بها، سياسة الطُغاة حملة السلاح، من قتل أعمى وتدمير عدمي وانتهاكات طالت ملايين المدنيين. ولكِنّ النضال من أجل ضبط السياسة بمعايير أخلاق العدل ومبدأ تساوي الفرص والحُرِّيّة والكرامة الإنسانية ونظافة يد ونزاهة الحكام وصدقهم مع شعوبهم، لن يتوقّف ما تبقى هناك بشر في هذا الكوكب. فحتى إذا عادت كُلُّ بلاد الدنيا إلى عهود البربرية فإن شخصاً ما في بلد ما سينهض مُجدّداً ما دام الإنسان يتمتّع بهذا العقل البديع الذي حباه به الله.
لا بُدّ أن أشير في الختام، إلى قناعتي بأنه سيوجد دائماً بين السودانيين من لن تنطلي عليه دعاوى تجريد السياسة من الاعتبارات الأخلاقية. ومع ذلك، وإذا ما تمكّنا يوماً، رغم سُحب الحاضر الداكنة، من إقامة دولة الحُرِّيّة والسلام والعدالة المنشودة، فمن أوجب الواجبات أن تحظى مناهج التعليم عندنا بعناية تماثل ما يُضفى تقليدياً على موضوع الدستور والانتخابات ونظام الحكم. من الضروري بمكان أن يتضمّن المنهج الدراسي، وبالصورة التي تتناسب مع كُلِّ الفئات العمرية للطلاب، موجزاً للأفكار الرئيسة لفلاسفة التنوير الذين أسهموا في خروج أوروبا من ظلام القرون الوسطى. كما يجب، وبما يتناسب مع الأعمار المختلفة للطلاب، تضمين المنهج شرحاً للمغالطات المنطقية حتى لا يقعوا فريسة سهلة لحملات التضليل وتزييف الوعي. ففي مجتمعٍ تتفشّى فيه الأمِّيَّة والفقر، لن يحصلوا مع الأسف على هذا النوع من المعارف من أهاليهم.
محمد حامد الحاج
melhaj@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم