(هذه الدراسة جزء من مبادرة بحثية أوسع نطاقًا ينظمها معهد التخطيط المكاني بجامعة فيينا للتكنولوجيا. يهدف مشروع البحث، إلى إثراء عملية تطوير خطة مكانية استراتيجية لإعادة الإعمار في السودان بعد الحرب )الملخص
تتناول هذه الورقة البحثية الأزمة الهيكلية للدولة السودانية من خلال مفهوم “هندسة الهيمنة” – وهو مصطلح يُستخدم هنا لوصف الاستراتيجيات المكانية والقانونية والمادية والخطابية التي استخدمتها الأنظمة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية لتنظيم السيطرة على الأرض والسكان والهوية. وتجادل الورقة بأن الانهيار الحالي في السودان ليس حالة استثنائية، بل هو تتويج لبنية هيمنة طويلة الأمد متجذرة في إعادة تشكيل الاستعمار لنُظم الحكم وملكية الأرض. فمنذ الحقبتين التركية-المصرية (1821–1885) والإنجليزية-المصرية (1898–1956) وصولاً إلى الأنظمة ما بعد الاستقلال، كرّست الدولة خمسة أشكال متداخلة من الهيمنة: المركزية السياسية، والتجريد القانوني من الأراضي، والتبعية الاقتصادية، والإقصاء الثقافي، والتهميش الأمني.
واستنادًا إلى مفهوم “سياسات الموت” (necropolitics) الذي طوّره أشيل مبمبي، تستكشف الورقة كيف تُمارس الدولة السودانية الحكم من خلال التهميش والتعريض الممنهج للموت، وخصوصًا في المناطق المهمشة مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق وجنوب السودان قبل الانفصال. وتُظهر الورقة أن العنف ليس ظاهرة عابرة بل هو متأصل في منطق السلطة السياسية. وتستخدم الورقة نظرية “U” لأوتو شارمر لتفسير كيف يُعيد الفاعلون النخبويون إنتاج هذه الأنماط عبر تبنيهم لعقليات موروثة (التنزيل المعرفي)، ووعي أناني (نمط التفكير الأناني)، وفشلهم في تطوير نماذج حوكمة شاملة وتشاركية بوعي إيكولوجي (نمط التفكير الإيكولوجي).
من خلال توظيف نظريات ما بعد الاستعمار والنظرية النقدية، ترى الورقة أن أزمة السودان هي هيكلية ومعرفية في آن واحد، وتدعو إلى إعادة تصور لبناء الدولة يقوم على التعددية، والعدالة التاريخية في توزيع الأراضي، وتفكيك البنى الاستعمارية التي لا تزال تغذي الإقصاء والعنف.
مقدمة: الدولة الحديثة وهندسة الهيمنة في السودان
يمثل الترابط الثلاثي بين سلطة الدولة والمجموعات الاثنية والأرض المعضلة الهيكلية الأكثر استمرارًا في السودان منذ الاستقلال. فقد تجاوز الحكم الاستعماري—بدءًا بالتركي-المصري (1821–1885) ولاحقًا الإنجليزي-المصري (1898–1956)، مجرد تعديل في الإدارة، حيث أعاد تشكيل مفاهيم السلطة والشرعية والوصول إلى الموارد (Mamdani 1996). فقد اصطدمت البيروقراطية المركزية في الخرطوم بالمؤسسات المحلية المتجذرة، مما أدى إلى تركيز السلطة والثروة في المركز، في الوقت الذي أُضعِفت فيه الأطراف سياسيًا واقتصاديًا (Johnson 2003). كما تم استبدال أنظمة حيازة الأراضي العرفية بقوانين وضعية، مما قطع العلاقة التاريخية بين العديد من المجتمعات وأراضيها الموروثة، وكرّس تهميشها ضمن بنية الدولة الحديثة (Pantuliano 2007).
عند الاستقلال، ورثت النخب الجديدة هذه الأدوات الاستعمارية ليس كتركة يجب تفكيكها، بل كأداة جاهزة لتعزيز الدولة (Fanon 1963). وبدلًا من بناء نظام سياسي تعددي، عمّقت الأنظمة المتعاقبة الانقسام بين المركز والهامش. تحوّلت الأرض، التي كانت تُدار وفقًا للأعراف المجتمعية، إلى سلعة تُدار بموجب قوانين مثل قانون الأراضي لعام 1925 وخلفائه من القوانين ما بعد الاستعمار، التي ألغت الملكية العرفية من الاعتراف القانوني (Deng 2003; Pantuliano 2007). وأدت هذه التشريعات إلى إدخال الاقتصادات الريفية في دوائر التصدير، مما عرّض المجتمعات الزراعية للتجريد من أراضيها والتبعية المستمرة (Amin 1976).
وتجاوزت الهيمنة الإطار القانوني لتشمل المجال الرمزي، حيث أعادت الحكومات ما بعد الاستعمار إنتاج التسلسلات الهرمية الثقافية التي أسسها الاستعمار، من خلال ترويج قومية عربية-إسلامية همّشت السكان غير العرب وغير المسلمين في السياسة والتمثيل والذاكرة العامة (Khalid 2009; Jok 2007). وكانت النتيجة ما وصفه مامداني بنية مترابطة من السلطة المركزية، والقوانين التي تجرّد من الأرض، وسياسات الهوية الإقصائية (Mamdani 1996).
لذا فإن الحرب التي اندلعت في عام 2023 ليست مجرد صراع على السلطة بمعزل عن السياق، بل تمثل ذروة عنيفة لهذا الاستبعاد الهيكلي المتراكم. فقد كشف انهيار الدولة عن جغرافيات شاسعة من التهميش، حيث يسود الموت والنزوح والانهيار الاجتماعي، في المناطق نفسها التي طالما تجاهلتها الدولة التي تدّعي حكمها (de Waal 2007; Wagialla, 2023). فالصراع لا يمثل قطيعة مع الماضي، بل هو التعبير الأشد حدة عن مشروع استعماري للهيمنة استمر، وتفاقم دوريًا، في ظل الحكم ما بعد الاستعمار.
الإطار النظري: الدولة الحديثة و هندسة الهيمنة متعددة الأبعاد
يتبنى هذا البحث مقاربة نقدية تُعيد تصور الدولة السودانية بوصفها امتدادًا لبنية تاريخية من الهيمنة متجذرة في الحقبة الاستعمارية، وممتدة إلى ما بعد الاستعمار. فبدلاً من أن يشكّل الاستقلال قطيعة مع المنطق الاستعماري، أعادت الدولة السودانية إنتاج هذه الديناميكيات من خلال المؤسسات الوطنية والنخب المحلية. وبالتالي، واصلت الدولة الحديثة في السودان تطبيق أشكال الهيمنة الاستعمارية بأدوات جديدة (Fanon 1963).
ولا يُنظر إلى الدولة الاستعمارية هنا كمجرد جهاز إداري، بل كآلية سياسية واقتصادية هدفت إلى إعادة تشكيل المجتمع والجغرافيا من خلال السيطرة المركزية. وقد تأسست على نموذج بيروقراطي احتكر السلطة والموارد، مؤسسًا لعلاقة غير متكافئة بين المركز والهامش (Mamdani 1996)، وهي بنية ما تزال قائمة في السودان المعاصر.
وكانت السيطرة على الأراضي والموارد الطبيعية مركزية في هذه البنية الهيمنية. فقد حوّل قانون الأراضي لعام 1925 الأرض من مورد اجتماعي ومجتمعي إلى سلعة قانونية تخضع لسلطة الدولة ومنطق السوق. وقد مكّن هذا التحول النخب المركزية من السيطرة على الأرض وإعادة توجيه استخدامها نحو الإنتاج التصديري المتوافق مع متطلبات الرأسمالية العالمية، غالبًا على حساب الاقتصاديات المحلية والمعيشية (Amin, 1976).
وتساعد نظرية التطور غير المتكافئ لسمير أمين في تفسير هذه العملية، موضحة كيف أن اندماج السودان في النظام الرأسمالي العالمي تم من خلال علاقات التبعية والاستغلال. فقد أعيدت هيكلة البنية الإنتاجية لخدمة الأسواق الخارجية عبر تصدير المواد الأولية، في حين تم تهميش القطاعات المحلية بشكل منهجي، مما رسّخ التخلف والتبعية (Amin, 1976).
وتتوسع هذه الهيمنة لتشمل المجال الحضري، حيث لا تزال التفرقة المكانية تعكس وتعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية. فقد تركزت البنية التحتية والتنمية تاريخيًا في المراكز الحضرية لصالح النخب، بينما ظلت المناطق الطرفية والمحرومة خارج دائرة الاهتمام. وبذلك، فإن التخطيط الحضري ليس عملية تقنية أو محايدة سياسيًا، بل أداة لإعادة تنظيم الفضاء بهدف تكريس السيطرة الاجتماعية والاقتصادية (Lefebvre, 1991).
وتلعب الهيمنة الثقافية دورًا محوريًا في هذه المنظومة من السلطة. وبالاستناد إلى مفهوم أنطونيو غرامشي للهيمنة الثقافية، لا تُمارس السيطرة فقط من خلال القسر، بل أيضًا من خلال أنظمة أيديولوجية تُقدَّم على أنها طبيعية وشرعية. وقد تمثل ذلك في السياق السوداني عبر فرض سياسات التعريب والأسلمة بعد الاستقلال، مما همّش الهويات غير العربية وغير الإسلامية، ورسّخ تصورًا أحاديًا للهوية الوطنية (Gramsci, 1971).
كما تمثل الهيمنة الأمنية طبقة حاسمة أخرى، بالاستناد إلى مفهوم “السلطة الحيوية” (biopower) لدى ميشيل فوكو—أي إدارة السكان من خلال تنظيم الحياة ذاتها. تحدد الدولة من يُحمى ومن يُترك عرضة للخطر، وبالتالي تتحكم في فرص الحياة من خلال آليات بيروقراطية وأمنية. ويُعمق هذا البعد من خلال مفهوم أشيل مبمبي لـ”سياسات الموت” (necropolitics)، حيث تخلق الدولة فضاءات للموت عبر سحب الحماية القانونية والسياسية من جماعات كاملة، تاركة إياها تواجه الفقر أو التهجير أو الحرب (Foucault, 1978; Mbembe, 2003).
ولتحليل كيفية استدامة هذه الأنماط داخليًا، توظف الورقة نظرية “U” لأوتو شارمر، التي تحدد ثلاث حالات من الإدراك الجمعي. الأولى هي “عقلية التنزيل” (Downloading Mind)، التي تعيد إنتاج أنماط التفكير الموروثة دون نقد، ما يفسر استمرار السلطة المركزية والسياسات الإقصائية. الثانية هي “الوعي بالأنظمة الأنانية (Ego-thinking) حيث تُعامل الدولة كأداة لتحقيق المصالح الشخصية أو الفئوية، ما يؤدي إلى استحواذ النخب واستبعاد العامة. أما الثالثة فهي “الوعي البيئي” (Eco-thinking)، الذي يعكس إدراكًا تشاركيًا بالعلاقات المتبادلة بين الأفراد والمجتمعات والبيئة، وهي عقلية تكاد تكون غائبة في الحوكمة السودانية، مما يعمق أزمة بناء دولة شاملة وديمقراطية (Scharmer, 2009).
وتتسق هذه القراءة مع طرح فرانتز فانون بأن الدولة ما بعد الاستعمار غالبًا ما تعيد إنتاج الهيمنة الاستعمارية في شكل وطني لكنه محمّل بجوهر استعماري (Fanon 1963). كما تتقاطع مع تحليل محمود مامداني لكيفية استمرار إرث الاستعمار في نظم الحكم والاقتصاد السياسي المعاصر، خاصة من خلال ترسيخ الحكم غير المباشر وهياكل الدولة المنقسمة (Mamdani 1996)، ومع التصور القائل إن الدولة الاستعمارية ليست مجرد جهاز إداري، بل جهاز سيطرة طويل الأمد.
لذا، فإن أزمة الدولة السودانية لا يمكن اختزالها في خلل إداري أو مؤسسي فحسب. إنها أزمة هيكلية ومعرفية، تمثل إرثًا دائمًا من الهيمنة الاستعمارية المعاد إنتاجها عبر نظم سياسية واقتصادية وثقافية ومكانية وأمنية معاصرة. وتتشكل هذه البنية المتعددة الأبعاد من خمسة أشكال متداخلة من الهيمنة:
هيمنة سياسية قائمة على المركزية والإقصاء؛
هيمنة على الأرض والموارد كمصدر للسيطرة تدعمها التفرقة المكانية؛
هيمنة اقتصادية تُخضع السودان لمنطق الاستخراج الرأسمالي العالمي؛
هيمنة ثقافية تهمّش التعدد وتفرض هوية قومية أحادية؛
وهيمنة أمنية تتحكم في الحياة من خلال الحماية الانتقائية أو التخلّي.
تشكّل هذه العناصر معًا بنية شاملة للهيمنة، تُظهر أن أزمة الدولة السودانية هي أزمة منهجية ومتجذرة بعمق في الماضي الاستعماري، وتُغذّى عبر مؤسسات وأيديولوجيات وممارسات حديثة تستمر في إعادة تنظيم السيطرة على البشر والمكان والموارد.
هندسة الهيمنة الاستعمارية: استراتيجيات الاستعمار الأنجلومصري للهيمنة علي السودان
قبل توحيد السودان تحت الحكم التركي-المصري (1821–1885)، كانت المنطقة تتميز بتعدد مراكز القوة التي تعمل ضمن أنظمة تقليدية لا مركزية. فقد حكمت كيانات مثل سلطنة الفونج وسلطنة دارفور عبر مزيج من الشرعية الدينية والعرف القبلي والمشورة المحلية. أدخلت القوات التركية-المصرية ملامح أولية للدولة المركزية، إلا أن هذه الهياكل الجديدة لم تُفكك المؤسسات المحلية بالكامل. أما التحول الأعمق فقد حدث مع تأسيس الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري عام 1899، عقب إعادة احتلال السودان من قبل القوات الإنجليزية-المصرية عام 1898. وقد مثّل ذلك نقطة تحول حاسمة في مسار بناء الدولة وتنظيم المجتمع، حيث تم ترسيخ نموذج بيروقراطي مركزي أعاد تعريف أنظمة الحكم وملكية الأرض وتوزيع الموارد لخدمة المصالح الإمبريالية البريطانية
1.1. بناء الدولة الحديثة: الهيمنة المؤسسية في السودان الاستعماري
اعتمدت الإدارة البريطانية نظام حكم تمركزت فيه السلطة الفعلية في يد الحاكم العام، بينما بقي الوجود المصري شكليًا (al-Qaddal, 1992). وكانت الهرمية الإدارية صارمة: سكرتير بريطاني يتولى الشؤون الحكومية، وتنقسم البلاد إلى مديريات يديرها مفوضون بريطانيون يتمتعون بسلطات واسعة في مجالات الضرائب والزراعة والقضاء. وقد تم تقييد مشاركة السودانيين في هذا النظام لتقتصر على وظائف كتابية بسيطة ضمن سياسة “سودنة” بيروقراطية خاضعة لرقابة مشددة، ما ضمن بقاء السيطرة في يد الاستعمار (المصدر نفسه).
تركزت مشاريع البنية التحتية في المناطق ذات الأهمية الاقتصادية الاستراتيجية، مثل الخرطوم وبورتسودان ومشروع الجزيرة، بينما تم إهمال المناطق الطرفية. وأشرفت إدارة الأشغال العامة على بناء المرافق الإدارية والطرق وأنظمة الصرف الصحي، لكن الهدف من هذه المشاريع كان تسهيل الاستخراج والسيطرة لا التنمية العادلة. وبحلول عشرينيات القرن الماضي، تم إسناد العديد من هذه الخدمات إلى شركات بريطانية (Arango, 2024)، مما عزز الطابع الإمبريالي للتنمية الاقتصادية وعمّق التفاوت الإقليمي (Daly, 1986).
بالتوازي مع التحول الإداري، خضع النظام القانوني أيضًا لإعادة تشكيل. فقد تم إدخال نظام قانوني تعددي، حيث ساد القانون العام البريطاني في المناطق الحضرية، بينما تم تطبيق الشريعة الإسلامية في مسائل الأحوال الشخصية، والقانون العرفي في المناطق الريفية من خلال المحاكم القبلية. وقد عزز هذا التجزؤ القانوني التصور الاستعماري للسودان كمجتمع قبلي منقسم، وعمّق الفجوة الهيكلية بين المركز والهامش. ومع ذلك، أصبح المجال القانوني أحد المداخل القليلة التي مكنت بعض النخب السودانية، خصوصًا خريجي كلية غوردون، من الوصول إلى مراكز القوة خلال الأربعينيات والخمسينيات (Holt & Daly, 2011).
على الصعيد العسكري، كان الجنود السودانيون قد تم دمجهم في الجيش المصري خلال فترة الاحتلال الأولى. غير أن ثورة 1924، التي قادها ضباط سودانيون احتجاجًا على الهيمنة البريطانية، ونادوا بالوحدة مع مصر، أدت إلى طرد القوات المصرية وإنشاء قوة دفاع السودان في 1925 (al-Qaddal, 1992). وقد وُضعت هذه القوة الجديدة تحت القيادة البريطانية المباشرة لضمان ولائها. وتم تأسيس كلية عسكرية في الخرطوم عام 1905 لدعم هذا الهدف (المصدر نفسه). وعلى الرغم من ضعف تأثيرها في البداية، فقد أصبحت الكلية بحلول الأربعينيات مؤسسة محورية، دربت الضباط القادمين أساسًا من شمال ووسط السودان، خصوصًا أبناء زعماء القبائل والإداريين المحليين. وقد رسّخت هذه السياسة الانتقائية هيمنة النخب داخل المؤسسة العسكرية، ما أثّر على تكوين قيادة الجيش بعد الاستقلال. وفي عام 1954، عُيّن اللواء أحمد محمد كأول قائد سوداني للجيش، مما مثّل بداية السيطرة السودانية الرسمية على المؤسسات العسكرية (المصدر نفسه).
أما الشرطة، التي كانت في البداية امتدادًا للجيش، فقد تطورت لتصبح جهازًا مستقلاً مكلفًا بتنفيذ القانون الاستعماري، وحفظ النظام العام، وقمع المعارضة. ومع مرور الوقت، تم توطين الجهاز من خلال إنشاء مدارس تدريب وترقية الضباط السودانيين، ليصبح في نهاية المطاف أحد أعمدة الدولة المستقلة (المصدر نفسه).
كان التشريع خلال فترة الحكم الثنائي مركزًا في مكتب الحاكم العام، الذي حكم عبر المراسيم بمشورة مستشارين قانونيين بريطانيين. وقد بدأت الإصلاحات التدريجية بإنشاء المجلس الاستشاري لشمال السودان عام 1937، وكان أعضاؤه من النخب التقليدية بدور استشاري محدود (المصدر نفسه). وتم توسيع هذا المجلس في عام 1944، ثم استبدل بجمعية تشريعية جزئية التعيين عام 1948. وعلى الرغم من انتقادات الحركات الوطنية الناشئة—مثل حزب الاتحاد الوطني—لهذه الإصلاحات باعتبارها شكلية وغير كافية، فقد شكلت خطوات أولى نحو التمثيل السياسي. ومهّد اتفاق الحكم الذاتي الإنجليزي-المصري لعام 1953 الطريق لإجراء أول انتخابات ديمقراطية في السودان. وأسفرت هذه الانتخابات عن إنشاء برلمان وطني أشرف على الانتقال إلى الاستقلال الذي أُعلن رسميًا في 1 يناير 1956.
يكمن إرث الحكم الإنجليزي-المصري في تأسيسه لجهاز دولة مركزي لم يكن هدفه الحكم الشامل، بل الاستخراج والسيطرة وخدمة الراحة الإمبريالية. ومن خلال ترسيخ بنى الإقصاء—عبر المركزية الإدارية، والتعدد القانوني، وتجنيد النخب في الجيش، والتنمية المكانية غير المتوازنة—وضع النظام الاستعماري الأسس للعديد من التحديات التي لا تزال تزعزع استقرار السودان. وقد ورثت حكومات ما بعد الاستعمار هذا “الهياكل المهيمنة” دون إصلاح جوهري، فعززت بدلًا من أن تفكك هياكل السلطة القديمة (Sharkey, 2003). وكانت النتيجة نمطًا متكرّرًا من التفاوت الطبقي والإقليمي، وتراكم السلطة في يد النخب، وتفتت اجتماعي لا يزال يحدد مسار الدولة السودانية حتى اليوم.
قبل توحيد السودان تحت الحكم التركي–المصري، كانت المنطقة تتسم بتعدد مراكز السلطة التي عملت ضمن أنظمة تقليدية لا مركزية، مثل سلطنة الفونج وسلطنة دارفور، حيث كانت الحوكمة تقوم على مزيج من الشرعية الدينية، والعادات القبلية، والمشورة المحلية. ومع بداية الحكم التركي–المصري، بدأت ملامح السلطة المركزية في الظهور، رغم أنها لم تُلغِ بالكامل البُنى التقليدية القائمة. غير أن الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري، الذي أُقيم بعد عام 1898، أحدث تحولًا عميقًا في بنية الدولة والمجتمع، حيث أُعيد تشكيل موازين السلطة ضمن خطوط بيروقراطية مركزية، من خلال إنشاء مؤسسات حديثة وسنّ تشريعات جديدة أعادت تعريف ملكية الأراضي ووجّهت الموارد لخدمة مصالح الاقتصاد الإمبريالي البريطاني. وقد مهّد هذا التحول البنيوي العنيف الطريق لأزمات ما بعد الاستعمار، إذ أعادت الأنظمة السلطوية المتعاقبة إنتاج منطق الإقصاء والمركزية. وقد عمّقت هذه الديناميات التفاوت الطبقي والجهوي، ومزّقت النسيج الاجتماعي، وأدت إلى نزاعات متكررة، تُوِّجت بالحرب الشاملة التي يشهدها السودان اليوم.
2.1. التعليم واللغة وهندسة الهيمنة
لم يكن مشروع الدولة الاستعمارية في السودان مجرد مشروع إداري، بل كان أيضًا مشروعًا ثقافيًا وأيديولوجيًا يهدف إلى إنتاج نخب مطيعة قادرة على الحفاظ على منظومة الهيمنة حتى بعد نهاية الحكم الاستعماري الرسمي. كما أشار ألتوسير (Althusser, 1971)، فإن المدارس عملت كـ”أجهزة أيديولوجية للدولة”، إذ أعادت إنتاج الطاعة من خلال ترسيخ القيم النخبوية والولاء بدلاً من الاعتماد على القسر المباشر.
في السودان، أصبح التعليم أداة مركزية لتوليد رأس مال ثقافي ولغوي تمركز في المناطق الشمالية والوسطى. قبل الاستعمار، كان التعليم في الغالب دينيًا يتم عبر الخلاوي والزوايا الصوفية، ينقل المعرفة الروحية دون أن يوفّر مدخلًا إلى بنية الدولة الحديثة. أهمل الحكم التركي-المصري (1821–1885) تطوير التعليم، وزاد حكم المهدي (1885–1898) من تهميش التعليم المدني. ونتيجة لذلك، دخل السودان فترة الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري دون بنية تعليمية تُذكر.
تعاملت السلطات الاستعمارية مع التعليم بصفته أداة استراتيجية، وليس حقًا عامًا، إذ هدفت إلى إعداد طبقة بيروقراطية محلية تدين بالولاء للسلطة الإمبريالية. وكما أشار فانون (1963)، فقد صُممت المدارس الاستعمارية لتكوين طبقة ضيقة من الوسطاء الإداريين تخدم المستعمِر بدلاً من توسيع المعرفة بين عامة الناس. وقد كرّس اللورد كرومر هذا المنطق بتصميم مناهج تركز على المهارات العملية البسيطة مع كبح أي تفكير نقدي قد يؤدي إلى وعي سياسي (al-Qaddal, 1992).
لم يكن تقييد الوصول إلى التعليم ناتجًا عن عوامل جغرافية فقط، بل كان أيضًا نتيجة لتخطيط اجتماعي متعمد. فقد كانت سياسات القبول تفضّل أبناء الزعماء القبليين والعائلات المقرّبة من الإدارة الاستعمارية، مما جعل التعليم وسيلة لتكريس الفوارق الاجتماعية القائمة. ووفقًا لما طرحه بورديو وباسرون (Bourdieu & Passeron,1990)، فإن هذا النوع من التمييز يمكن اعتباره شكلًا من “العنف الرمزي”، حيث تُقدَّم الفروقات الطبقية وكأنها نتيجة للجدارة والاستحقاق، في حين أنها في الواقع ناتجة عن امتيازات موروثة.
عززت سياسة اللغة هذه الديناميكيات. ففي شمال السودان، سُمح باستخدام اللغة العربية في المدارس الابتدائية لكن دون منحها اعترافًا رسميًا، إذ خشي المسؤولون الاستعماريون من أن يؤدي ذلك إلى تعزيز القومية العربية أو زيادة النفوذ المصري. ورغم ذلك، كانت العربية راسخة في المجتمع السوداني من خلال التجارة والتصوف والإدارة والمصاهرة. في المقابل، فرضت السلطات الاستعمارية في الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق سياسة “المناطق المغلقة”، حيث حُظر استخدام اللغة العربية وتم تفضيل الإنجليزية وبعض اللغات المحلية. وقد بررت بريطانيا ذلك بأنه لحماية هذه المناطق من “التمدد الثقافي” الشمالي، رغم مشاركتها التاريخية في تجارة الرقيق عبر الأطلسي (Johnson, 2003; Lovejoy, 2000).
ورغم الخطاب الاستعماري الداعي إلى العلمانية، دعمت بريطانيا النشاط التبشيري المسيحي في المناطق غير المسلمة، حيث كانت الديانات التقليدية سائدة (Rolandsen, 2011, Beshir, 1975). وأسهمت هذه البعثات في تشكيل هوية ثقافية بديلة في الجنوب ترتكز على المسيحية واللغة الإنجليزية، بمعزل عن الإطار السوداني العام. وكانت النتيجة ليست الاندماج، بل التجزئة، مما مهد الطريق لتطلعات انفصالية لاحقة (Rolandsen, 2011, Beshir, 1975).
وتُظهر هذه السياسات، من خلال مفهوم الهيمنة لدى أنطونيو غرامشي (1971)، كيف استخدمت الدولة الاستعمارية أدوات ثقافية ورمزية للحفاظ على السيطرة. فقد أصبحت اللغة أداة سياسية، حيث قُيّدت اللغة العربية—التي كانت تُشكل جسرًا بين مجتمعات سودانية متعددة—ليس لصالح تعزيز اللغات المحلية لمختلف الإثنيات، بل لصالح اللغة الإنجليزية التي فُرضت كلغة إدارية وتعليمية مهيمنة. وبهذا، ساهمت السياسة اللغوية الاستعمارية في تفكيك الوحدة اللغوية ومنعت نشوء هوية وطنية جامعة، مما زاد من الانقسام الثقافي والاجتماعي داخل البلاد.
ورغم هذه القيود، ظهرت مقاومة سودانية مبكرة. ففي عشرينيات القرن الماضي، طالبت رابطة اللواء الأبيض، ومن ثم مؤتمر الخريجين العام منذ 1938، بإصلاح النظام التعليمي. وعلى الرغم من تجنبهما المواجهة السياسية المباشرة، فقد دفع المؤتمر نحو تعليم شامل، وأنشأ مدارس أهلية في المناطق المهمشة لإعداد نخبة وطنية جديدة قادرة على مناهضة السيطرة الاستعمارية. ومع ذلك، لم تقم الدولة ما بعد الاستقلال بتصحيح الاختلالات الموروثة. فقد هيمنت نخبة ضيقة من شمال ووسط السودان، ممن يتقنون العربية والإنجليزية، على مؤسسات الدولة من خدمة مدنية وجيش ومجالس سياسية. وفي المقابل، ظلت المجتمعات في الجنوب والغرب والشرق في مواقع هامشية، رغم مساهمتها الكبيرة في القوات المسلحة. واستمر التعليم واللغة كأشكال من رأس المال الرمزي تعزز هوية الأقلية المهيمنة وتقصي الغالبية.
بدلاً من تفكيك البنية الاستعمارية، قامت الحكومات الوطنية بإعادة إنتاجها. فلم تُبذل جهود جدية نحو لامركزية التعليم، أو تعزيز التنوع اللغوي، أو توسيع فرص الوصول للمناطق المهملة. وبقي وعد التعليم كأداة للتحرر والمساواة غير محقق، بل تحوّل إلى وسيلة لإعادة إنتاج عدم المساواة الاجتماعية والإقليمية التي أرستها السياسات الاستعمارية.
في المحصلة، كان التعليم وسياسة اللغة في السودان الاستعماري أدوات للهيمنة الرمزية. وتحت غطاء “التمدين” والتقدم، سعت هذه السياسات إلى صناعة نخبة مطيعة وتفكيك الأسس الثقافية للوحدة الوطنية. وقد ضمن فشل النخب ما بعد الاستقلال في إصلاح هذا النظام استمراريته. ويعد فهم كيفية استخدام هذه الأدوات للإقصاء والتقسيم والسيطرة أمرًا جوهريًا لفهم الجذور العميقة للأزمة السودانية المستمرة.
3.1. الحداثة المُضلِّلة: الاقتصاد والعمران في خدمة المشروع الاستعماري
لم تكن مظاهر “الحداثة” الاقتصادية والعمرانية في السودان الاستعماري تعبيرًا عن مشروع تنموي مستقل، بل أدوات لإعادة تشكيل الأرض والمجتمع بما يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية. فقد استُخدمت خطابات التحديث والتطوير كغطاء لإعادة تنظيم الموارد والبشر ضمن اقتصاد تابع، يُصدّر الفائض إلى الخارج، ويُقصي المجتمعات المحلية من ثرواتها. وعلى المستوى العمراني، لم يُصمَّم تخطيط المدن لخدمة السكان، بل لترسيخ التراتبية الاستعمارية، عبر فصل مكاني–اجتماعي يُعيد إنتاج السيطرة والامتياز. وهكذا، مثّلت البنية الاقتصادية والحضرية ما يُمكن تسميته بـ”الحداثة المُضلِّلة”؛ حداثة لم تُبنَ لتُحرّر، بل لتُهيمن، وتمارس الخداع الرمزي والمادي باسم التقدم.
1.3.1. الأرض كأداة سلطة: تحولات الملكية وهيمنة الدولة
كان التحكم في الأرض حجر الزاوية في هذا النظام الجديد. وكما يوضح فانون (Fanon,1963)، لم تكن الدولة الاستعمارية كيانًا حاكمًا محايدًا، بل جهازًا استراتيجيًّا لإعادة إنتاج القوة الإمبريالية عبر التحولات القانونية والإدارية. ففي السودان ما قبل الاستعمار، اعتمدت حيازة الأراضي أساسًا على نظم عرفية قائمة على الانتفاع الجماعي تُدار بواسطة الزعماء القبليين والسلطات الدينية، ما أتاح وصولًا متكافئًا نسبيًّا وحافظ على التماسك الاجتماعي.
بدأ تآكل هذه النظم في عهد الحكم التركي-المصري (1821–1885)، الذي أدخل مفهوم ملكية الدولة للأرض. غير أنّ التحول الجذري وقع خلال الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري (1898–1956)، حين تحوّل تنظيم الأراضي إلى أداة مركزية للهيمنة الاقتصادية. فقد منح قانون تسوية وتسجيل الأراضي لعام 1925 الدولةَ سلطةَ تصنيف كل الأراضي “غير المسجلة” كأملاك حكومية (Kebbede, 1997). وبما أن النظم العرفية لم تكن موثَّقة، اعتُبرت مساحات شاسعة—خصوصًا في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق—بلا مالك قانوني. واستولى عليها جهاز الدولة أو حصل عليها متنفذون محليون تمكنوا من تسجيلها مبكرًا، فظهر طبقة ملاك جدد يستمدون سلطتهم من الشرعية الاستعمارية لا من المشروعية المجتمعية (المصدر نفسه).
وعزّز هذا المسار قانونُ الاستيلاء على الأراضي لعام 1930، الذي أتاح للدولة الاستعمارية مصادرة الأراضي لأغراض “عامة” واسعة التعريف، متجاوزًا موافقة المجتمعات ((Taha, 2016) عمليًّا، سهّل هذا الإطار القانوني استحواذ الدولة على أراضٍ مجتمعية لإقامة مشروعات بنية تحتية وزراعية تخدم أجندات الإمبراطورية والنخب. وهكذا أصبح “الصالح العام” ذريعة مريحة، سرعان ما ورثتها الأنظمة الوطنية لاحقًا لتبرير التنمية الفوقية ذاتها.
وكما يلاحظ ألبرتوس (Albertus, 2021) باختصار: «من يملك الأرض يحدد ما إذا كان المجتمع سيكون عادلًا أو غير عادل، ناميًا أو متراجعًا، محافظًا على بيئته أو مدمّرًا لها». في السودان، حوّلت القوانين الاستعمارية الملكيةَ من وصاية جماعية إلى سلطة قانونية مركزية. وما بدأ مشروعًا استعماريًّا للتراكم عبر التجريد من الأرض، واصلته نخب ما بعد الاستعمار بالأدوات ذاتها سعياً إلى ترسيخ نفوذها السياسي.
خلّفت المنظومة القانونية التي أرساها الاستعمار تبعاتٍ بعيدة المدى. فقد أدّى تركيز السيطرة على الأرض في ايدي النخب الحاكمة وتقويض الحقوق العرفية إلى تأجيج المظالم الإقليمية، والتهميش الاقتصادي، ودورات متعاقبة من نزع الملكية. وما تزال هذه التناقضات البنيوية قائمة لأن الاستقلال السياسي، كما حذّر فانون (Fanon,1963)، لا يفكّك تلقائيًّا الآلة المؤسسية للهيمنة الاستعمارية؛ فالقانون من دون إعادة هيكلة جذرية يظل أداة سيطرة لا عدالة.
إن صراعات الأرض اليوم في السودان—سواء بشأن النزوح أو الامتيازات الزراعية أو إدارة الموارد الريفية—لا يمكن فهمها بمعزل عن هذا الإرث الاستعماري. وحلّها يتطلب ما هو أبعد من إصلاح القوانين العقارية؛ بل يستلزم تفكيك المنطق المركزي الإقصائي برمّته الذي ورثناه عن الإمبراطورية.
2.3.1. من الاكتفاء إلى الاستغلال: هندسة استعمارية للتحول الاقتصادي
لم ينشأ تطور الاقتصاد والبنية التحتية الحديثة في السودان من نمو ذاتي أو مبادرة محلية، بل صُمِّم كجزء من مخطط اقتصادي إمبريالي (Daly, 1986; Collins, 2008). قبل الاستعمار، كانت سبل العيش في السودان قائمة على نظم زراعية ورعوية متكاملة، تلبي احتياجات الكفاف وتدعم في الوقت نفسه شبكات تجارة محلية وإقليمية مزدهرة (Barnett & Abdelkarim, 1991). وقد جعل الموقع الاستراتيجي للسودان على ضفاف النيل منه ممرًا تجاريًا محوريًا يربط إفريقيا جنوب الصحراء بمصر والبحر الأبيض المتوسط، حيث كانت مدن مثل كرمة ومروي مراكز تجارية نشطة منذ العصور القديمة (Edwards, 2004).
لكن هذه النظم المحلية تآكلت تدريجيًا بعد الاحتلال التركي-المصري (1821–1885)، وأُعيد هيكلتها بالكامل في ظل الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري (1898–1956). ومن خلال حزمة من الإصلاحات المؤسسية والقانونية والاقتصادية، تحوّل السودان إلى مُورِّد تابع للمواد الخام لصالح الصناعة البريطانية. وقد شمل هذا المخطط فرض الأمن، وتشكيل مؤسسات الدولة، وإعادة تنظيم ملكية الأراضي، وصناعة نخبة محلية موالية. وكما أشار فانون (1963)، فإن الدولة الاستعمارية لم تُنشأ من أجل تحقيق تنمية عادلة، بل لتكريس التبعية عبر وسطاء محليين يخدمون المصالح الإمبريالية.
حداثة الاستنزاف: الزراعة والبنية التحتية وهندسة التبعية
يُجسِّد مشروع الجزيرة هذا التحوُّل. فبعد اكتمال خزان سنار عام 1925، دخل نظام ريٍّ واسع مخصَّص لزراعة القطن طويل التيلة—الموجَّه خصيصًا لمصانع النسيج البريطانية—حيز التشغيل (Barnett & Abdelkarim, 1991; Ahmed, 2012). ورغم أن المزارعين السودانيين كانوا يزرعون الأرض اسمِيًّا، فإن السلطة الفعلية على الإنتاج والتسعير والتسويق كانت بيد رأس المال البريطاني والمسؤولين الاستعماريين. تكبَّد السودان ديون البنية التحتية، بينما ذهبت الأرباح إلى المستثمرين في الاجانب، في مثال واضح على “الاستغلال المُشرعَن” الذي تَستُرَ بعباءة التحديث(Daly, 2010).
وتكرر النمط نفسه في الأربعينيات عندما توسَّعت المشروعات المطرية الآلية في القضارف وكردفان لتلبية الطلب الحربي لدول الحلفاء (Kebbede, 1997). فصودرت أراضٍ ونُزح آلاف الرعـاة وصغار المزارعين الذين تحوَّل كثير منهم إلى عمالة هامشية بلا سلطة قرار. وعمّقت هذه التطورات التفاوتات الطبقية والإقليمية، ورَسَّخت النظام الاقتصادي الاستعماري. وعكست البنية التحتية هذه الأولويات؛ إذ شُقَّت السكك الحديدية والطرق أساسًا لربط مناطق الإنتاج بميناء بورتسودان، تسهيلًا لتصدير القطن والصمغ العربي والسمسم (Collins, 2008). ومُوِّلت هذه المشروعات بقروض حُمِّلت على موازنة السودان، ما قَيّد المستعمَرة بديون طويلة الأجل واستدامة التبعية إلى ما بعد الاستقلال (Tignor, 1987).
تَجَذَّرت هذه التحوّلات في القانون الاستعماري. فبتعريف الأرض كملكيةٍ للدولة، ركَّز الحكم الثنائي السيطرة وسهَّل تحويل الأراضي إلى شركات ونُخب متحالفة مع المصالح الإمبريالية (Alden Wily, 2011). وفي ظل غياب مستندات تثبت الملكية، أُبطلت الحيازات الجماعية، فحدث تجريد ريفي واسع، وهو ما سماه فانون (1963) “النهب المُقَنَّن”. وأفرز الاقتصاد كذلك طبقة من النخب الطائفية والتجارية التي استفادت من منح الأراضي واحتكارات النقل والوصول إلى الإدارة الاستعمارية (Warburg, 2003). وقد هيمنت هذه الطبقة على السياسة بعد الاستقلال، محافظةً على البنى غير المتكافئة التي صاغها الاستعمار.
لم تكن التكلفة البيئية أقل وطأة؛ فقد أدت الزراعة الألية الاحادية الموجهة للتصدير إلى إزالة الغابات واستنفاد التربة وخسارة التنوع الحيوي، فيما سرَّعت إزالة الغطاء النباتي في السافانا شبه الجافة التصحر وأضعفت قدرة الريف على الصمود (Ayoub, 1998). وقد بُني هذا النموذج الاقتصادي على تحميل البيئة تكاليفَ خارجية وتعظيم عوائد رأس المال في المتروبول.
خلاصة القول، أُنشئ الاقتصاد الحديث في السودان لتلبية الطلب الإمبريالي لا الاحتياجات الوطنية. فعملت الدولة الاستعمارية كوسيطٍ قانوني وإداري لهذا التحول الاستغلالي، وأدمجت السودان في اقتصاد عالمي قائم على التبعية والتبادل غير المتكافئ. وتنبع الأزمات الراهنة—من نزع ملكية الريف والتهميش الإقليمي إلى التدهور البيئي—مباشرةً من هذا الإرث ومن الأنظمة الوطنية التي واصلت الحكم بالأدوات نفسها من السيطرة والإقصاء.
2.3.1. التحضر الاستعماري: سياسات الفضاء وهندسات الهيمنة
لم يكن تخطيط المدن وتطوير البنية التحتية في السودان خلال فترة الحكم الثنائي مدفوعة برغبة في التحديث الشامل أو رفاهية السكان المحليين، بل تم توظيفها كأداة استعمارية لتعزيز السيطرة السياسية، وضمان الاستغلال الاقتصادي، والحفاظ على الهيمنة العسكرية على إقليم واسع ومتعدد الثقافات (Robinson, 1972; Nugent, 2010)
فُرض تسلسل هرمي حضري مركزي، حيث تتموضع الخرطوم كمركز إداري وعسكري وسياسي. فقد احتضنت المدينة مكاتب الحاكم العام، والقيادة العسكرية، والمؤسسات الاقتصادية الأساسية مثل البنوك ومقرات السكك الحديدية، مما جعلها النواة الأساسية للحكم الاستعماري (Johnson, 2003). وتم تطوير مدن أخرى بشكل انتقائي وفقاً لقيمتها الاستراتيجية أو الاقتصادية. فبورتسودان، على سبيل المثال، أُنشئت كبديل حديث لسواكن، وربطت مباشرة بالخرطوم عبر السكك الحديدية لتسهيل تصدير القطن وغيره من المحاصيل الزراعية من مشروع الجزيرة إلى الأسواق البريطانية (Collins, 2008). أما ود مدني، فقد برزت كمركز إداري لإقليم الجزيرة، مما يعكس دورها في مراقبة المصالح الزراعية الاستعمارية بدلاً من تحقيق تنمية إقليمية متوازنة.
وفي المناطق الطرفية، كان إنشاء الثكنات العسكرية والمراكز الإدارية يخدم غرضين: توسيع النفوذ البريطاني في المناطق الحدودية وقمع أي مقاومة محتملة. بعد ضم دارفور عام 1916، تم تطوير الفاشر كمقر للحاكم الإقليمي مع وجود عسكري محصّن. وبالمثل، أدت الأبيض في كردفان دور مركز للمراقبة على القبائل المحلية. كما تم إنشاء مراكز إدارية أصغر مثل تلودي، والدلنج، وغيرها، لتدعيم نظام الحكم غير المباشر من خلال المحاكم الأهلية، ومراكز الشرطة المحلية، ونقاط الدعم اللوجستي (Alden Wily, 2011). وفي الجنوب، أُنشئت مدن مثل جوبا وملكال وواو في إطار سياسة “العزل الجغرافي والثقافي” التي انتهجها الاستعمار لعزل الإقليم الجنوبي عن الشمال ومنع ظهور حركات وطنية موحدة (Johnson, 2003). وكانت هذه المراكز ترتكز على البنية التحتية العسكرية لضمان تأمين الحدود والحفاظ على السلطة الاستعمارية.
الفضاء الإقصائي: التمييز الاجتماعي-المكاني ومنطق العمران الاستعماري
اتسم التخطيط الحضري الاستعماري في السودان بالإقصاء العميق، حيث تم ترسيخ التمييز الاجتماعي والمكاني من خلال التوزيع غير العادل للخدمات والبنية التحتية والوصول إلى الأرض. فقد تم تزويد الأحياء الأوروبية في مدن مثل الخرطوم، وبورتسودان، والأبيض، وود مدني بمرافق حديثة تشمل الطرق المعبدة، والمياه النظيفة، وإنارة الشوارع، ومؤسسات تعليمية وصحية متقدمة، في حين أُهملت الأحياء المحلية التي غالباً ما كانت تفتقر حتى إلى أبسط الخدمات العامة.
وقد جسدت الخرطوم هذا النظام المكاني الهرمي بوضوح، حيث تم تقسيم المدينة وفق نظام ثلاثي يعكس التمايزات العرقية والإدارية الاستعمارية: مناطق “الدرجة الأولى” خُصصت للمسؤولين البريطانيين، و”الدرجة الثانية” للمصريين واليونانيين، و”الدرجة الثالثة” للسودانيين. لم يؤثر هذا التقسيم فقط على استخدام الأرض وحجم المساكن، بل حدّد أيضاً إمكانية الوصول إلى البنية التحتية العامة، مما أدى إلى ترسيخ تسلسلات هرمية عنصرية وطبقية في التكوين الحضري (Amin, 2007). وقد علّق أحد المسؤولين الاستعماريين على هذا التفاوت قائلاً: “كان البريطانيون يعودون إلى منازلهم الجميلة المطلة على النهر، ذات الحدائق المروية والأشجار، بينما يُنفى مرؤوسوهم إلى صفوف منازل كئيبة في مناطق ترابية نائية (Home, 1990).
وساهم التدفق السريع للمهاجرين الريفيين—الذين شُرّدوا بفعل نزع الأراضي، وتحوّل الزراعة إلى الطابع التجاري، وندرة الفرص في الأرياف—في نمو الأحياء العشوائية على أطراف المدن. وقد اعتُبرت هذه المناطق تهديداً للنظام الاستعماري، وغالباً ما استُبعدت من التخطيط الرسمي أو تعرّضت للإزالة القسرية. من الأمثلة البارزة على ذلك إزالة حي “الديوم” العشوائي في محيط الخرطوم لإفساح المجال أمام توسع النخب والبنية التحتية الاستعمارية ( (Sharkey, 2003).
لم يكن هذا التنظيم المكاني عرضياً، فمن خلال الاستناد إلى نظرية “إنتاج الفضاء” للفيلسوف هنري لوفيفر، يتّضح أن الفضاء الحضري تم إنتاجه كَبُنية سياسية واجتماعية. يرى لوفيفر أن “الفضاء ليس مجرد موقع سلبي تُمارس فيه العلاقات الاجتماعية، بل يتم إنتاجه وإعادة إنتاجه من خلال هذه العلاقات؛ فالفضاء هو نتاج للممارسات الاجتماعية ولا يمكن فصله عن السلطة (Lefebvre, 1991). في الحالة السودانية، عمل التخطيط الحضري الاستعماري كأداة للهيمنة، حيث جُعلت أنظمة التفاوت جزءاً لا يتجزأ من نسيج المدينة.
لم يعزز هذا النموذج الحضري الإقصائي التراتبيات الطبقية والعرقية فحسب، بل حرم غالبية السودانيين من حقهم فيما يُعرف لاحقاً بـ “الحق في المدينة” حسب مفهوم لوفيفر—أي الحق الجماعي في المشاركة في تشكيل الفضاء الحضري، والوصول إليه، والاستفادة منه (Lefebvre, 1996). ففي ظل الحكم الاستعماري، احتكرت هذا الحق النخب الأوروبية و وفي ما بعد الاستعمار احتكرته النخب المحلية، بينما ظلّت الأغلبية مهمّشة مكانياً واجتماعياً.
4.1. تشكّل الحركة الوطنية في السودان: بين الإرث الاستعماري والصراع النخبوي
منذ تأسيس الحكم الثنائي-الإنجليزي المصري عام 1899، شكَّلت التوتّرات بين السلطات البريطانية والمصرية المشهدَ السياسي السوداني. فقد سعت الإدارة البريطانية، المتوجّسة من الروابط الثقافية والدينية واللغوية بين المصريين والسودانيين، إلى الحيلولة دون أي تحالف قد يُقوِّض هيمنتها (Collins, 2008) ولضمان سيطرتها، انتهجت بريطانيا استراتيجية مزدوجة تقوم على القسر والاستيعاب (Holt, 1961). فقاومت أي حركة مناهِضة للاستعمار بقمعٍ عنيفٍ شمل إعدام شخصيات بارزة مثل عبد القادر ود حبوبة وسلطان عجبنا علنًا، وقتل سلطان علي دينار—الذي تحالف مع العثمانيين أثناء الحرب العالمية الأولى—عام 1916(al-Qaddal, 1992).
وبموازاة ذلك، سعت بريطانيا إلى استثمار سُخْط السكان على الحكم التركي-المصري السابق والمهدية من خلال استمالة الزعماء القبليين والدينيين(Holt, 1965; Collins, 2008). فاستعانت بشخصيات مثل رودولف سلاتين، الضابط النمساوي ذا الخبرة الطويلة في السودان، لكسب ولاء رؤساء القبائل (Wolfe, 2006/1997). كما دعمت الطرقَ الصوفية المعتدلة مثل الختمية بقيادة السيّد علي الميرغني، وروّجت استراتيجيًّا لعبد الرحمن المهدي بمنحه أرضًا في جزيرة أبّا عام 1908 وتوفير دعم ماديّ لتوطيد زعامته على الأنصار(Collins, 2008).
أثناء الحرب العالمية الأولى، قدَّم الزعماء القبليون والطائفيون ولاءً شكليًّا لبريطانيا عبر «خطاب الولاء» وإيفاد بعثة رمزية إلى لندن عام 1919 (Holt, 1961). غير أنّ توتراتٍ برزت بين عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني؛ إذ حذّر الأخيرُ البريطانيين من تنامي نفوذ عبد الرحمن، لكن تحذيره قوبل بالتجاهل في إطار سياسة «فرِّق تسُد»، التي تجلّت أيضًا في تطبيق سياسات «المناطق المقفولة (Young, 1997).
ورغم محاولات بريطانيا عزل السودان عن التأثير المصري، تصاعدت النزعة القومية، لا سيّما في أوساط السودانيين الذين تلقَّوا تعليمهم في مصر (Khalid, 2003). ففي عام 1922 تأسست «رابطة اتحاد السودان» مطالِبةً بالوحدة مع مصر وإنهاء الحكم البريطاني (Collins, 2008). كما قاد ضباطٌ سودانيون—منهم علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ—«رابطة اللواء الأبيض» التي فجّرت ثورة 1924 في عدة مدن قبل أن تُقْمع بعنف، أعقبها طرد القوات المصرية وإعادة تأكيد السيطرة البريطانية (Holt, 1961; Khalid, 2003).
خَفَت النشاط السياسي بعد 1924 لكنه عاد عبر جمعيات ثقافية وتعليمية تُوِّجت بتأسيس «مؤتمر الخريجين» عام 1938. ورغم تركيزه أولًا على التنمية، تحوّل بحلول 1942 إلى المطالبة بحكمٍ ذاتي، فقوبلت مطالبه بالرفض البريطاني الذي أنشأ بدلًا منها مجلسًا استشاريًّا محدود الصلاحيات عام 1943 (Collins, 2008). سرعان ما انقسمت الحركة بين مؤيدٍ للتعاون مع بريطانيا ومناصرٍ للوحدة مع مصر—وهي خطوط صدع ستُشكِّل السياسة ما بعد الاستقلال (Niblock, 1987; Khalid, 2003)
في عام 1945 تأسس حزب الأمّة بدعم السيّد عبد الرحمن المهدي، الذي—على الرغم من صِلاته الوثيقة بالإدارة البريطانية—تزعّم الدعوة لاستقلال السودان تحت شعار «السودان للسودانيين». في المقابل، دعا حزب الأشقّاء بقيادة إسماعيل الأزهري إلى الاتحاد مع مصر. وبحلول 1952، اندمج «الأشقّاء» مع «الحزب الاتحادي» ليُشكّلا الحزب الوطني الاتحادي، المدعوم من سيّد علي الميرغني وطريقة الختمية، ليغدو قوةً رئيسةً مؤيّدة للوحدة مع مصر عشيّة الاستقلال (Collins, 2008; Holt & Daly, 2011). كرّست هذه التطورات الخصومات الطائفية والدينية في صُلب الحياة السياسية السودانية، مُشكّلةً معالم الحكم بعد الاستقلال (Young, 1997).
وفي الوقت ذاته، برز طيفٌ أوسع من الحركات المناهضة للاستعمار. فقد دفع الحزب الشيوعي السوداني بقضايا حقوق العمال والنقابات ونشاط المرأة، بينما روّج الإخوان المسلمون—بتأثير نظيرهم المصري—لإحياءٍ إسلاميٍّ يعارض الشيوعية. كما ظهرت جماعات أخرى منها حزب الجمهوريين بقيادة محمود محمد طه ومستقلّون قوميون طرحوا رؤى متباينة للهوية السودانية أو العربية (Abdelrahim, 2014). لكن، رغم هذا التعدّد الأيديولوجي، تبنّت النخبة السياسية بعد الاستقلال مقارباتٍ إقصائية، ففضّلت قواعدَها الاجتماعية وهمّشت الآخرين، ما عمّق انقسام الحركة الوطنية وأبقى على الانقسامات الاستعمارية، خصوصًا الجهوية والطائفية (Khalid, 2003; Young, 1997).
مثّل انقلاب الضباط الأحرار في مصر عام 1952 منعطفًا حاسمًا؛ إذ انتقلت القاهرة من المطالبة بالوحدة إلى دعم حق تقرير المصير للسودان، الأمر الذي أفضى إلى اتفاقية 1953 البريطانية-المصرية التي أرست حكومةً انتقالية تحت رقابة دولية. وفي الانتخابات التالية فاز الحزب الوطني الاتحادي بـ51 مقعدًا من أصل 97، فيما حصد حزب الأمّة 22 مقعدًا، ونال «الحزب الجمهوري الاشتراكي» ثلاثة مقاعد، و«الحزب الجنوبي» عشرة مقاعد. تولّى إسماعيل الأزهري رئاسة الوزراء في يناير 1954، وحضر الرئيس المصري محمد نجيب حفل تنصيبه (Collins, 2008; Holt, 1961).
سرعان ما اندلعت احتجاجات جماهيرية تجاوزت 50 ألف متظاهر ضد موقف حزب الأمّة الرافض للوحدة، ما دفع الحزب الوطني الاتحادي تدريجيًا نحو تبنّي خيار الاستقلال التام. وفي عملية «السودنة»—نقل المناصب الإدارية إلى الوطنيين—شُغل نحو 800 منصب رفيع بأبناء الشمال من النخبة المدنية والعسكرية، بينما حصل ستة جنوبيين فقط على وظائف هامشية، كاشفًا الطابع الإقصائي للسودنة ومجسّدًا نقد بارتا تشاتيرجي (1993) لـ«القومية الاستعمارية» التي تُخفي إعادة إنتاج الهياكل الاستعمارية وراء خطاب الاستقلال.
تفاقم الإحباط الجنوبي سريعًا؛ ففي أغسطس 1955 تمرّد جنود «الفصيلة العسكرية الثانية» في توريت، هاجموا المواقع العسكرية، واستولوا على أسلحة، وقتلوا ضباطًا ومدنيين شماليين (Deng, 1995). ورغم قمع التمرد، فرّ كثيرٌ من الجنود إلى الغابات، مُمهّدين لبروز حركات تمرد لاحقة. عكست هذه الإخفاقات المبكرة ما بعد الاستقلال إضاعة فرصة حاسمة لتحقيق مصالحة شمال-جنوب، في ظل المظالم التاريخية وإرث العبودية (Collins, 2008).
أُعلن استقلال السودان في 1 يناير 1956، لكن هذا الاستقلال الشكلي لم يحل أزماته البنيوية؛ إذ ورثت الدولة الجديدة إطارًا سياسيًا هشًّا ومركزيًا تهيمن عليه نُخب طائفية متنافسة، فيما ظلّت الاختلالات الإقليمية، والإقصاء الثقافي، وإرث المركزية الاقتصادية والإدارية—خصوصًا حيال الجنوب المهمّش—على حالها. وبدل أن تفكّك النخبة الحاكمة النظام الاستعماري، أعادت إنتاجه، فاستمرّت الهيمنة لكن تحت عباءة وطنية جديدة (Young, 1997; Collins, 2008).
5.1. الخاتمة: الاستقلال وتعميق الهيمنة والتبعية
إنّ الدولةَ السودانية الحديثة لم تتطوّر بصورةٍ عضويّة، بل صِيغَت عبر «هندسة الهيمنة» البريطانية. فقد أعاد الحكم الاستعماري تشكيل الأرض والعمل والسلطة لخدمة المصالح الإمبراطورية، مُشيِّداً بيروقراطيةً صارمة تتمحور حول الخرطوم وتَحْصُرُ السودانيين في مواقع هامشية. وعزَّز الضبط الثقافي هذا النظام؛ إذ هيمنت اللغة الإنجليزية على المدارس والإدارة، فكرَّست فاصلًا رمزيًّا أعادت نخب ما بعد الاستقلال توظيفه باستبدال الإنجليزية بالعربية لإقصاء المجتمعات غير الناطقة بالعربية والإبقاء على الهرمية.
كان الإجراءُ الاستعماريُّ الحاسم هو إلغاءُ نظام الحيازة الجماعية و تسجيل اكثر من 90% من اراضي السودان كملكية دولة. هذا الالتفافُ القانوني أتاحَ الاستيلاءَ الواسعَ على الأراضي لمشروعاتٍ تصديريةٍ مثل مشروع الجزيرة، وربطَ السودان بالأسواق الخارجية، ورسَّخ تجريدَ الريف من موارده. وبعد عام 1956 أبقت النُّخبُ الوطنية على هذه القوانين، فعمَّقت التبعية بدلًا من إنهائها. وأعاد الفضاءُ الحضريُّ إنتاج المنطق نفسه؛ فقد خُطِّطت الخرطومُ كجيبٍ للسلطة والامتياز، بينما دُفع المهجَّرون من الارياف إلى السكن في مستوطناتٍ هامشيةٍ تفتقر إلى الخدمات الأساسية، مما غرس الانقسامات العرقية والطبقية والإقليمية في نسيج المدينة ذاتها.
مع انطلاق عملية “السودنة” في عام 1954، لم يتم تفكيك البُنى الاستعمارية، بل ورثتها النخب المركزية في الشمال والوسط، وأعادت تفعيلها بما يخدم مصالحها. في المقابل، تعرّضت المناطق الطرفية، خاصة الجنوب، لتهميش منهجي من المشاركة في بناء الدولة الوطنية. وقد مثّل هذا الانتقال في السلطة بداية لمرحلة “الاستعمار الداخلي”، حيث أعادت النخب الوطنية إنتاج أنماط الإقصاء، وعدم المساواة، واستنزاف الموارد، التي أسّستها الإدارة الاستعمارية.
وقد ساهم هذا المسار التاريخي في تعميق التفاوتات البنيوية، وإشعال دورات متكررة من النزاعات المسلحة، بلغت ذروتها في الحرب الحالية التي أدّت إلى انهيار مؤسسات الدولة، وانتشار العنف، ونزوح الملايين. تمثّل هذه الكارثة الراهنة النتيجة القصوى لإرث طويل من العنف الهيكلي، المُتجذّر في الأسس البنيوية التي قامت عليها الدولة السودانية الحديثة.
References:
Ahmed, A. G. M. (2012). The Gezira Scheme: An integrated rural development project. In A. G. M. Ahmed & M. M. Abdel Rahim (Eds.), Managing scarcity: Strategies for dryland agriculture in sub-Saharan Africa (pp. 165–181). OSSREA.
Alden Wily, L. (2011). The tragedy of public lands: The fate of the commons under global commercial pressure. International Land Coalition.
al-Qaddal, M. S. (1992) Modern History of Sudan 1820–1956 (Arabic) Dar al-Jeel, Beirut.
Althusser, L. (1971). Ideology and Ideological State Apparatuses
Amin, S. (1976). Unequal Development: An Essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism. Monthly Review Press.
Arango, Luisa (2024) The Story of Domestic Water Meters and Bills in Khartoum: Material Ruins and Imperial Ruination of Public Services in Urban Sudan https://journals.openedition.org/esma/3557?utm_source=chatgpt.com
Ayoub, A. T. (1998). Extent, severity and causative factors of land degradation in the Sudan. Journal of Arid Environments, 38(3), 397–409.
Barnett, T., & Abdelkarim, A. (1991). Sudan: The Gezira Scheme and agricultural transition. In A. Abdelkarim (Ed.), Structural adjustment in the Sudan: The impact of IMF–World Bank programmes (pp. 75–95). Macmillan.
Beshir, M. O (1975) The Southern Sudan. From Conflict to Peace. C. Hurst, London
Beswick, S. (2004). Sudan’s Blood Memory: The Legacy of War, Ethnicity, and Slavery in South Sudan. University of Rochester Press.
Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1990). Reproduction in education, society and culture (2nd ed.) (R. Nice, Trans.). Sage Publications, Inc.
Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1990). Reproduction in education, society and culture (2nd ed.) (R. Nice, Trans.). Sage Publications, Inc.
Chatterjee, P. (1993). The Nation and Its Fragments: Colonial and Postcolonial Histories. Princeton University Press.
Collins, R. O. (2008). A history of modern Sudan. Cambridge University Press.
Daly, M. W. (1986). Empire on the Nile: The Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934. Cambridge University Press.
Daly, M. W. (2010). Darfur’s sorrow: The forgotten history of a humanitarian disaster. Cambridge University Press.
de Waal, A. (2007). War in Darfur and the Search for Peace. Harvard University Press.
Deng, F. M. (1995). War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan. Brookings Institution Press.
Edwards, D. N. (2004). The Nubian past: An archaeology of the Sudan. Routledge.
Fanon, F. (1963). The Wretched of the Earth. Grove Press.
Foucault, M. (1978). The History of Sexuality, Vol. 1: An Introduction. Vintage.
Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers..
Holt, P. M. (1961). The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898: A Study of Its Origins, Development and Overthrow. Oxford University Press.
Holt, P. M., & Daly, M. W. (2011). A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day (6th ed.). Routledge.
Home, R. (1990). British Colonial Town Planning in the Middle East: The Work of W.H.M clean. Planning History Bulletin , 12(1), 4-9. Retrieved 4 13, 2016, from https://intlplanninghistorysociety.files.wordpress.com/2014/07/1990_vol-12_no1.pdf
Johnson, D. H. (2003). The root causes of Sudan’s civil wars. Indiana University Press.
Jok, J. M. (2007). Sudan: Race, Religion, and Violence. Oneworld.
Kebbede (1997) Losing Ground: Land Impoverishment In Sudan. Black Studies A Journal of African and Afro-American Studies, 15(8). Retrieved 5, 24, 2017, from https://scholarworks.umass.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1102&context=cibs
Khalid, M. (2003). The Government They Deserve: The Role of the Elite in Sudan’s Political Evolution. Kegan Paul.
Khalid, M. (2009). South Sudan in the Arab Imagination: False Image and Historical Repression (in Arabic). Cairo: Academic Science House for Publishing and Distribution
Lefebvre, H. (1991). The production of space (D. Nicholson-Smith, Trans.). Blackwell. (Original work published 1974)
Lefebvre, H. (1996). Writings on cities (E. Kofman & E. Lebas, Eds. & Trans.). Blackwell.
Lovejoy, P. E. (2000). Transformations in Slavery: A History of Slavery in Africa (2nd ed.). Cambridge University Press.
Mamdani, M. (1996). Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton University Press.
Mbembe, A. (2003). Necropolitics. Public Culture, 15(1), 11–40.
Niblock, T. (1987). Class and Power in Sudan: The Dynamics of Sudanese Politics, 1898–1985. SUNY Press.
Nugent, P. (2010). Africa since independence: A comparative history (2nd ed.). Palgrave Macmillan.
Pantuliano, S. (2007). “The Land Question: Sudan’s Peace-Unmaking Puzzle.” Humanitarian Policy Group Working Paper. Overseas Development Institute.
Robinson, R. (1972). The non-European foundations of European imperialism: Sketch for a theory of collaboration. In R. Owen & B. Sutcliffe (Eds.), Studies in the theory of imperialism (pp. 117–142). Longman.
Rolandsen, Ø. H. (2011). The making of the Anya-Nya insurgency in the Southern Sudan, 1961–64. Journal of Eastern African Studies, 5(2), 211–232.
Scharmer, O. (2009). Theory U: Leading from the Future as It Emerges. Berrett-Koehler.
Sharkey, H. J. (2003). Living with colonialism: Nationalism and culture in the Anglo-Egyptian Sudan. University of California Press.
Taha, M. (2016). Land Use, Ownership and Allocation in Sudan. The challenge of corruption and lack of transparency, Sudan Democracy First Group. Retrieved 5 13, 2018, from http://www.democracyfirstgroup.org/wp-content/uploads/2016/10/Land-Use-Ownership-and-Allocation-in-Sudan.pdf
Tignor, R. L. (1987). Capitalism and nationalism at the end of empire: State and business in decolonizing Egypt, Nigeria, and Kenya, 1945–1963. Princeton University Press.
Wagialla, Mariam (2020) A GENDER-SENSITIVE LANDSCAPE PLANNING APPROACH IN URBAN TRANSFORMATION TO IMPROVE THE QUALITY OF EVERYDAY LIFE FOR ALL, Case Study: Khartoum City (PhD thesis), University of natural resources and life science (BOKU) Vienna.
Wagialla, M. (2023) Zwischen Machthunger und Verrohung: Wohin steuert der Sudan?, International V / 2023
Warburg, G. (2003). Islam, sectarianism, and politics in Sudan since the Mahdiyya. University of Wisconsin Press.
Wolfe, Patrick. 2006 (reprinted 1997). Settler Colonialism and the Elimination of the Native. Journal of Genocide Research, 8(4), 387–409.
Young, C. (1997). The African Colonial State in Comparative Perspective. Yale University Press.
marfa_1998@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم