ترامب و”نوبل”… غرائز السلطة تطارد هدوء الجائزة

في ذلك اليوم. في الرابع من فبراير الماضي، مشى نتنياهو بجوار ترامب في دهاليز البيت الأبيض، كما لو أنهما يسيران في متحف الأسرار الثقيلة. صعدا معاً إلى الطابق الثاني، ودخلا مكتب أبراهام لينكولن، الرجل الذي كتب بيده قرار تحرير العبيد. وقف ترامب هناك، أمام مكتب مشبّع برائحة التاريخ، ووقّع صورة لنتنياهو كتب فيها: “إلى بيبي، القائد العظيم”.
كان المشهد أقرب إلى رمزية مقلوبة، فترامب اللاهث وراء خلودٍ سياسي؛ كتبَ لقائدِ احتلالٍ مديحاً؛ على مكتب من وقّع وثيقة التحرير !
ترامب، الشوفيني المتعصّب، لا يتحرك إلا بخلفية صوتية من التصفيق. رجل يُنكر ذاته إن لم يصفّق له الآخرون، ويُنكر ما قاله صباحاً إن لم يتماشى مع تغريدة ليلية. يوقّع قراراً، ثم يفتحه مراراً على الهواء ووجهه مزيجٌ من الابتسام والغضب. يصرّ على موقف، ثم يغرد نقيضه. وكأن التناقض جزء من صناعته الشخصية.
هكذا ظهر في كل ساحة دخلها، من الشرق الأوسط إلى جنيف، من الرياض إلى بيونغ يانغ. يُغدق الهدايا، ثم يسحبها. يُبشّر بالسلام، ثم ينقضه بعقوبات. يقول “ترحيل الفلسطينيين”، ثم يتحدث عن حل الدولتين. يُعطي لإسرائيل ما لم تحلم به من سفارات وقنابل ومواقف، ثم يُغضبها بصلح مع الحوثيين، وصفقات مع الخليج لا يعلم “بيبي العظيم” شيئاً عنها.
لا يعرف التاريخ كعبء، بل كفرصة لصورة تذكارية. يلتقطها، يوقّعها، يرسلها لتؤرّخ يوماً بدا فيه وكأنه صانع سلام… أو هكذا يريد للعالم أن يعتقد.
فوق كل ذلك، هو لا يريد فقط أن يبدو صانع سلام، بل أن يُتوّج بذلك: جائزة نوبل. الكأس التي لم تُرفع أمامه بعد، رغم كل ما فعله وما قال إنه فعله. لا تُفارقه غصّة نوبل، كما لا تُفارق تغريداته حسرة على أوباما الذي فاز بها “دون أن يفعل شيئاً”، كما قال حين سئل عن ذلك.
رشحه نوّاب من الكونغرس، وامتدحوه لأنه أوقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران. رشحه الباكستانيون لتعطيله التصعيد الدموي مع جيرانهم. أما رئيس لجنة الشؤون الخارجية الأوكرانية ألكساندر ميريزكو، فقد تراجع عن ترشيحه السابق له للجائزة الأغلى. قال إن الرجل “يسترضي بوتين” ويُشجّع روسيا على المضي في الحرب، وإنه فقد الثقة في قدرته على إنهاء الصراع.
ترامب لا يحب أن يُسحب منه شيء، لا التأييد ولا الترشيحات. فالرجل الذي يرى نفسه خليفة القوة الأميركية، لا يفهم كيف يُعاقب على براغماتيته. هو لا يراه تناقضاً، بل تنويعاً في التكتيك. يُحارب إيران في الرياض، ثم يهادنها في فيينا. يُرضي نتنياهو في العلن، ويتجاهله في السر. يفتعل الفوضى، ثم يطالب العالم بأن يمنحه الجائزة لأنه خفّف منها.
مشكلته أن صوته يسبق ظله، وظله يُغيّر شكله كل صباح. أراد أن يكون نيلسون مانديلا بنكهة رجل أعمال أبيض، وأن يحصل على نوبل دون أن يتنازل عن العجرفة والمساومة والاستفزاز. أن يوقّع سلاماً في الشرق الأوسط كأنه صفقة عقارية، يُنجزها في ساعة ويغادر إلى ملعب الغولف.
في إسرائيل، هناك قرية تحمل اسمه، لكنه يريد أكثر من ذلك، يريد أن تُكتب سيرته في الكتب المقدسة، كما اقترحت ميريام أديلسون، لكن ما لم يفهمه ترامب، أن نوبل ليست إنجيلاً جديدًا، ولا تُمنح مقابل خدمات انتخابية، وأنها لا تُمنح على طريقة برنامجه الشهير (The Apprentice). لا تكفي الانفعالات المسرحية، ولا المؤتمرات الصحافية المتشنجة، ولا الصور أمام الجدران العالية. إنها جائزة تُمنح لمن يُطفئ الحروب، لا لمن يراها فرصة لصقل صورته.
في النهاية، لا يمكن فهم توق ترامب إلى جائزة نوبل للسلام إلا ضمن سياق شخصيته المضطربة والمفتونة بذاتها، حيث تصبح الجائزة رمزاً تتويجياً لنرجسية لا تشبع، لا تتصالح مع النسيان ولا تهضم التجاهل. هو لا يسعى للسلام كغاية، بل كوسام على كتف رجل يرى العالم ساحة استعراض دائم: يلوّح بغصن الزيتون بيد، ويحمل في الأخرى مطرقة العقوبات. يمنح لإسرائيل ما لم يمنحه أحد، ثم يصوغ اتفاقات خارج حساباتها. يُغازل الشرق الأوسط حين يكون مربحاً، ثم يتجاهله حين تتبدّل الأولويات. يطلب الجائزة باسم السلام، لكنه يصنع الفوضى بحثًا عن المجد.
ترامب لا يفتقر إلى الحضور، بل إلى العمق. لا يعرف كيف يُنهي حرباً دون أن يفتح جبهة جديدة. ولهذا، فإن حلمه بجائزة نوبل سيبقى كالحبر الذي يوقّع به صوره التذكارية: لامع، لكن بلا معنى.

nizarsamandal94@gmail.com

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …