مخططات النار تتراقص بين رفح والدوحة

إسرائيل تقترح خريطة تبتلع 40 في المئة من غزة، ومصر ترى في المخطط تهديداً لأمنها القومي… والهدنة المعلّقة تخنق الجميع داخل مربّعات مرسومة بالدمّ.
طاولة المفاوضات في الدوحة، لا تُفرَش بالخرائط وحدها. بل تعجّ بمخططات أمنية شديدة الحساسية. فقد حمل الوفد الإسرائيلي تصوراً يقترح تقسيم قطاع غزة إلى منطقتين، واحدة تخضع لسيطرة أمنية كاملة وتُشكّل نحو 40 في المئة من القطاع، وأخرى تُترك للفلسطينيين ضمن شروط مشددة بين حصار البحر وإغلاق الأجواء.
يعرف صانع المخطط أن حماس سترفض. ويعرف كذلك أن الخطة تحمل في ثناياها نصلاً مصقولاً يضغط على الخاصرة المصرية: محور فيلادلفيا الذي كفلته اتفاقية السلام ينبغي أن يبقى خالياً من الجنود، فإذا بالدبابة تُطلّ برأسها في الرسم الهندسي الجديد.
مصر، التي اعتادت مراقبة نبض سيناء كمن يضع يده على شريان القلب، ترى في خطة نتنياهو الجديدة تهديداً يتخفّى تحت قصاصة ورق. لم تقل القاهرة كلمتها على الملأ، لكنّ التسريبات العربية تحدّثت عن رفض صريح تبنّاه وفدها الأمني في الدوحة. فكل شبرٍ إسرائيلي يتمشّى في رفح الفلسطينية هو مثل حجر يُلقى في بحيرة الأمن القومي المصري: تتسع دوائره حتى آخر خيمة على الحدود.
ليس مصادفةً أن ينسب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف الوثيقة إلى وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. فالرجل يرى في غزة حقلاً يجب أن يُحرَث بالمدفع قبل أن يُزرَع بالسياسة. يتماهى نتنياهو معه من بعيد، يغازله بإيماءة، ويرسل إلى الدوحة مسودّةً أكبر قليلاً مما يسمح به الاتفاق المنهار في يناير الماضي، وأصغر قليلاً مما يشتهي أقصى اليمين. هكذا يتفنّن رئيس وزراء الكيان في صياغة «حلّ مستحيل» يرفضه الطرفان، فيُطيل عمرُ الحرب، وتبقى مقاعد الائتلاف متماسكة بخيوط النار.
واشنطن تتنقّل، بخفّة، بين التكتيك والخديعة. قالت لحماس «لا تركّزوا على الخرائط». هذا ما نقلته تقارير أميركية عن الرئيس دونالد ترامب. الأمر يشبه نصيحةً ملغومة: تجاهَل فخّا قد تُجْبر لاحقاً على السير فوقه. فالإدارة الأميركية تُدرك أن كل سنتمتر يُسجَّل بالحبر اليوم قد يُحدَّد بالأسلاك الشائكة غداً، ومع ذلك تُبقي أنفاس الوساطة حاضرة، لعلّ الهدنة تُنقذ ما تبقّى من رهائن وتبريد سياسي.
في الخلفية، يلوّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بمشروع «مدينة إنسانية» كمقدّمة لترحيلٍ مُقنّع. مدينة تستوعب 600 ألف فلسطيني في رفح. للوهلة الأولى تبدو الفكرة كغلافٍ ذهبي لمحتوى قاتم: معسكر اعتقال بأبعاد حضرية. تكلفة جنونية تقدّر بـ7 مليارات دولار سنويا، وجيشٌ يقول إن التأمين خارج جدول أعماله. تدرك القاهرة أن مخيماً بهذا الحجم على حافة سيناء قد يتحول إلى موجة بشرية تكسر الساتر الرملي وتغرق الحدود.
في القدس، يستدعي نتنياهو وزيرَي «الصهيونية الدينية» و«القوة اليهودية»: سموتريتش وبن غفير. يخشى انهيار ائتلافه مثلما يخشى خريطةً يرفضها شركاؤه. يُطمئنهما: «سنستأنف القتال بعد الهدنة». ويزيد الطمأنة تفصيلاً: «سنُحاصر الشمال، ونرحّل السكان إلى الجنوب». إنها لغة «الفصل» لا «الحلّ»، «الإدارة بالسلاح» لا «التسوية بالسياسة». هكذا يضمن الرجل بقاء 68 مقعداً فوق خط الأغلبية، ويؤجّل أيّ سؤال عمّا بعد الستين يوما.
حماس، من جهتها، تمسك الورقة وتقرأ ما وراء الفخ. تعلم أنّ التوقيع على أي خريطة أقلّ مما تَوافَق عليه اتفاق يناير هو إعلان قبول بنزع سلاحها على مراحل، وأن كل خطوة إسرائيلية في رفح تُقابلها خطوة أقسى في عمق غزة. وبين رفض الخرائط وقبول هدنة معلَّقة، تجد الحركة نفسها في ممرّ لا يتّسع إلا لشعرة.
الخرائط التي تُرسم في غرف المفاوضات لا تشبه الخرائط التي تُفرد على الأرض. الأولى خيالٌ هندسيّ قابلٌ للتزييف، والثانية كتلٌ إسمنتية وحواجز فولاذية تُقصي البشر عن بيوتهم وحقولهم وتاريخهم.
مصر تُراقب، حماس تُقاوم، نتنياهو يُداور، وواشنطن تُوازن. وفي الوسط، يبقى سكان غزة أسرى ورقةٍ تُطوى وتُفتح على مقاس شهية المتحاورين.
جغرافيا مُستَباحة بالخناجر، وسياسة تتقن فنّ خنق الحدود وقضم الأراضي دون خوفٍ من مُساءلة.
في زمن الخرائط المُتنازعة، يصبح السؤال بسيطاً ومُعقّداً في الوقت ذاته: أيُّ خطٍّ على الورق يملك الحقّ في أن يتحوّل إلى سياجٍ فوق التراب؟
nizarsamandal94@gmail.com

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …