ما عادت الخرطوم تنتظر الفجر.
المدينة التي كانت تصحو على نيلٍ يغسلُ تعبَ الأمس، باتت تنامُ على هديرِ الطائرات وتستيقظُ على صريرِ الجنائز. الحربُ لم تعد خبراً في نشرة المساء، بل أضحت خبزَ اليوم وملحَ الرعب. جدرانُ البيوت تحفظ أسماء القتلة أكثر مما تحفظ أسماء الشهداء.
في قلب هذا الجحيم، تنهض شهادة رجل حاول أن يكون وسيطاً في زمنٍ عزّ فيه التوسّط. فولكر بيرتس، الذي قفز من سفينة البعثة الأممية عندما أيقن أن البحر بلا ضفاف، يرفض توصيف ما يحدث بأنه “حرب بالوكالة”. لا يريدُ تبرئةَ الداخل بتجريم الخارج.
يقول بصوت واضح، في حواره الأخير مع مجلة المجلة: “هذا صراع داخلي على السيطرة على السودان وموارده… لكن القوى الإقليمية والدولية تدخلت لتعزيز مصالحها وسط أتون الصراع”… قالها هكذا، بصوتِ مَن مشى بين المقابر ولم تَغُص رجله في دمٍ مستورد.
نحن إذن، أمام حريق اندلع داخل المطبخ، فدخل الجيران كلٌ يحمل ماءه… أو زيته.
في نظره، السودان لم يعد ساحةً لحرب بين جنرالين، بل حقل خرابٍ ممتد، دخلت الحربُ فيه عامها الثالث، وخلّفت وراءها عشرات الآلاف من القتلى، وملايين النازحين، و”أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم”، كما تقول الأمم المتحدة.
ما نشهده هو تنازع على الشرعية، على الذهب، على الأرض، على التاريخ، وربما على المعنى ذاته: ما السودان؟ ومن يحق له أن يحكمه؟
لكن الجغرافيا لا ترحم. فالسودان، الجالس عند مفترق العرب والأفارقة، لا يُسمح له بالانكفاء على صراعه. تحوّل إلى مرآةٍ لمخاوف الجيران، ومسرحٍ لتجريب الطموحات.
مصر تهمس باسم أمنها القومي، إثيوبيا تتمايل على ضفاف السدّ، تشاد تنظر بعين الشكّ والارتياب، وليبيا ترسل أشباحها، والإمارات والسعودية وتركيا وإيران؛ وحتى روسيا وأميركا، يضعون خريطة السودان على طاولة المصالح.
ومع ذلك، يرفض بيرتس أن يُغلق الملف بلصق التهمة على هذه العواصم. هو يدرك، كغيره من الذين شاهدوا الخراب من الداخل، أن الحرب ما كانت لتدوم لو لم تكن هناك جراح سودانية مفتوحة.
قبائل وولاءات، أطماع قديمة في الذهب والنفط، أسواق للسلاح، وخيانات متكررة من نخب لا تؤمن بالوطن إلا إذا كان حديقة خلفية لقبيلتها أو عشيرتها.
منذ سقوط البشير، والسودان يبحث عن مستقبله في العتمة. كل مرةٍ أشعل المدنيون شمعة، أتى العسكر أو المليشيا ونفخوا فيها لتنطفئ. وكلما اقترب من انتقال ديمقراطي، يجرّه أحدهم إلى مربع الدم. كأن الدولة الحديثة مشروع لا يريدُ أحدٌ إنجازه. وكأن الخرطوم محكومة بأن تظل بين ضربة انقلاب وركلة تمرّد.
الحرب ليست فقط في شوارع السودانيين. الحرب أيضاً في سردياتهم: من خان؟ من بدأ؟ من ينهب؟
لكن وسط هذه المتاهة، ثمة حقيقة واحدة: من يدفع الثمن هو الشعب.
المدني الذي يُقتل في طابور الرغيف. الطفل الذي يموت في حضن أمه قصفاً أو جوعاً.
النازح الذي صار عدداً في تقارير الأمم المتحدة. والبلاد التي كانت يوماً “سلة غذاء لكل الناس” صارت الآن سلّة موت بلا قاع.
ليست حرباً بالوكالة، نعم. لكنها حرب استغلها الخارج، واستمر الداخل في إشعالها بيديه.
في هذه الحرب، لا أحد بريء.
الجنرالات قتلوا الحلم.
بعض النخب تواطأت بالصمت أو بالتحريض.
والعالم تظاهرَ بالقلق وهو يفاوض في السرّ على المناجم والموانئ والأقاليم.
فماذا تبقّى من السودان؟
بلدٌ يبحث عن صوته بين ركامِ ما تساقَط منه.
وإذا كان لا مفرّ من السؤال الفلسفي في هذا المشهد الدموي، فربما هو:
هل يمكن لوطن أن يُبعث من رماد أعدائه… إذا ظلّ أصدقاؤه يتقاتلون على المائدة؟
هل يمكن للسودان أن ينجو، إن لم يعترف أولاً بأن جرحه داخلي… لكنه مفتوح لكل مَن أراد أن يسكب فيه ملحه؟
ربما يكون الحل لا في المؤتمرات، بل في المرايا. أن ينظر السوداني في وجهه ويقول: “لقد فعلنا بأنفسنا ما لم يفعله الآخرون… فمتى نكفّ عن ذلك؟”.
nizarsamandal94@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم