التسوية السياسية في السودان- هندسة دولية وتحديات وجودية

يشهد السودان، الذي يئن تحت وطأة صراع مدمر وتداعيات إنسانية واقتصادية كارثية، مخاض تسوية سياسية تختلف جوهريًا عن سابقاتها. لم تعد المبادرات المحلية أو الإدانات الدولية كافية، بل دخل المشهد مرحلة “هندسة سياسية دولية مباشرة”، تقودها اللجنة السداسية التي تضم المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، قطر، ومصر. تهدف هذه اللجنة إلى صياغة نموذج جديد للحكم في السودان، مستلهمة من تجارب إقليمية سابقة لكن مع تعديلات تتناسب مع الواقع السوداني المعقد.
تحولات مفصلية: لماذا الآن؟
إن محاولة التسوية الراهنة ليست الأولى من نوعها، لكنها قد تكون الفرصة الأخيرة للحيلولة دون تحول السودان إلى “دولة ميليشياوية” بامتياز. ترجع هذه الضرورة الملحة إلى عدة عوامل حوّلت مسار الأزمة:
انهيار الثنائية العسكرية: بعد أكثر من عام من القتال، فقد كل من الجيش والدعم السريع قدرتهما على فرض واقع عسكري حاسم. هذا الفراغ الاستراتيجي أفسح المجال لقوى إقليمية ودولية للتدخل المباشر في توجيه دفة الصراع.
الاستنزاف الشامل للمجتمع: أدت الحرب إلى انهيار اقتصادي غير مسبوق، ونزوح جماعي، وتشرذم اجتماعي عميق. هذه الأوضاع دفعت المجتمع الدولي نحو تسريع مسار التسوية، تحسبًا لتكرار سيناريوهات الفشل في دول أخرى.
تحول الموقف الأمريكي-البريطاني: انتقلت واشنطن ولندن من مجرد الشجب والإدانة إلى تطبيق آليات ضغط وتدخل مباشر. تشمل هذه الآليات استخدام سلاح العقوبات، التلويح بالمحكمة الجنائية الدولية، وتهديد بقطع التمويل الدولي عن أي حكومة لا تحظى بالتوافق.
ملامح التسوية القادمة: هندسة دولية بعيدًا عن الطاولة السودانية
تُصاغ التسوية الحالية بعيدًا عن الأطر التفاوضية السودانية التقليدية. إنها ليست امتدادًا لمفاوضات “جوبا” السابقة، بل هي صفقة جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح حيوية تتعلق بالنفط، أمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب. تتجلى أبرز ملامح هذه التسوية في:
حكومة تكنوقراط انتقالية (12-18 شهرًا):
رئيس وزراء مدني محايد، لا ينتمي لأي طرف عسكري أو أيديولوجي، يحظى بالقبول الإقليمي والدولي.
حقائب سيادية تُدار بواسطة مستقلين يتمتعون بالكفاءة المهنية والثقة الدولية لضمان الشفافية والإصلاح.
تواجد مراقبين دوليين في الخرطوم تحت إشراف اللجنة السداسية، للإشراف على تنفيذ بنود التسوية ومراقبة الأداء الحكومي.
“تدوير العسكر” لا إقصاؤهم:
الجيش: يحتفظ بتواجده في الخرطوم كقوة سيادية، لكن مقابل تقليص دوره الاقتصادي الواسع، وحل الميليشيات الرديفة المرتبطة به.
الدعم السريع: يُعاد تأطيره كقوة أمنية محلية في دارفور، مع تجريدها من أسلحتها الثقيلة، وتحويلها إلى قوة شرطية خاضعة لسلطة مدنية.
يفقد الطرفان شرعية التوسع العسكري، ويُمنحان تمثيلاً سياسيًا محدودًا ضمن برلمان انتقالي، في محاولة لدمجهم في العملية السياسية دون هيمنة.
نموذج فيدرالي مقيد:
تحصل دارفور على حكم ذاتي جزئي، لكن تحت إشراف أممي صارم لضمان الاستقرار ومنع تفكك البلاد.
يتم توزيع السلطة والثروة من خلال صندوق دولي لإعادة الإعمار، تُشرف عليه اللجنة السداسية، لضمان عدالة التوزيع وإعادة بناء المناطق المتضررة.
أدوار اللاعبين الدوليين: تباين المصالح والأجندات
تلعب القوى الدولية والإقليمية أدوارًا متباينة في هذه التسوية، تعكس مصالحها وأجنداتها الخاصة:
قطر: تسعى للعب دور الوسيط بين التيارات الإسلامية والمعارضة، وتدفع باتجاه صيغة “إسلام سياسي ناعم” يمكن أن يشارك في المشهد المستقبلي.
الإمارات العربية المتحدة: تهدف إلى ضمان تحجيم نفوذ الدعم السريع، مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في السودان.
المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية: تطرحان مشروع “عدالة انتقالية” لدعم إصلاح القطاع الأمني، لكن مع تجنب الصدام المباشر مع القوى الإسلامية، في محاولة لتحقيق توازن معقد.
مصر: تُبدي قلقًا عميقًا من تفكيك الجيش السوداني، وتتمسك بنموذج “الدولة المركزية القوية” كضامن للاستقرار الإقليمي، حتى لو كان ذلك على حساب تحولات ديمقراطية عميقة.
مخاطر حقيقية قد تنسف التسوية
رغم الجهد الدولي المبذول، تواجه التسوية مخاطر جسيمة قد تؤدي إلى انهيارها:
توظيف “الورقة الإسرائيلية”: قد يحاول قادة الجيش، وعلى رأسهم البرهان، استغلال التقارب المحتمل مع إسرائيل لانتزاع دعم غربي، مما قد يُفجر الشارع السوداني ويعمق الانقسامات.
تسلل الإسلاميين: يُعد تسلل التيار الإسلامي خلف واجهات مدنية أو عبر تحالفات قبلية، أحد أخطر التحديات، حيث يمكن أن يعيدوا إنتاج هياكلهم ويقوضوا أهداف التسوية.
رفض الفصائل الصغيرة: قد ترفض الفصائل المسلحة في دارفور والنيل الأزرق التسوية، إذا رأت أنها لا تلبي تطلعاتها أو تهدد حصصها ونفوذها، مما قد يؤجج صراعات محلية جديدة.
السيناريوهات المتوقعة: أي مستقبل للسودان؟
بالنظر إلى التعقيدات الراهنة، يمكن رسم عدة سيناريوهات لمستقبل التسوية:
السيناريو الملامح النسبة التقديرية
المرجح حكومة مدنية هشة تحت نفوذ عسكري غير مباشر، مع استقرار مؤقت. 60%
الكارثي فشل التفاهم، تصاعد الصراع، وتمدد الميليشيات إقليميًا. 25%
المثالي تحول حقيقي نحو حكم مدني ديمقراطي، مع إقصاء كامل للعسكر والإسلاميين. 15%
Export to Sheets
التحدي الأكبر: تفكيك البنية لا تهدئة النيران
إن الرهان الحقيقي في السودان ليس على مجرد إيقاف المعارك، بل على هدم البنية العميقة التي أنتجت الصراع. أي تسوية لا تنزع من الجذور سلطات العسكر، وتضع حدًا لتغلغل الإسلاميين في مفاصل الدولة، هي مجرد هدنة تُجهز لجولة جديدة من الحرب.
لن تنجح التسوية إلا إذا:
أشركت قوى الثورة الحقيقية، من لجان مقاومة ونقابات مستقلة، كممثلين أصيلين للشعب السوداني.
فرضت رقابة دولية صارمة على موارد الدولة، خاصة الذهب والمعابر، لمنع تمويل الصراعات وتجفيف منابع الفساد.
قدمت ضمانات حقيقية للعدالة والمحاسبة لجميع المتورطين في جرائم الحرب والانتهاكات.
إن السودان لا يحتاج إلى صيغة تعايش جديدة بين جنرالات الحرب، بل إلى عقد اجتماعي جديد يُعيد السلطة والثروة للشعب، ويُنهي فكرة الدولة القائمة على الأجهزة الأمنية والتحالفات الإقليمية الضيقة.
أي تسوية لا تُنهي هيمنة العسكر والإسلاميين معًا، ليست تسوية… بل تأجيل للسقوط النهائي.
زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

بين الأمس وبكرة – الحزب الشيوعي السوداني.. الرسالة تمت ولا الحكاية يادوب بدت؟

زهير عثمانzuhair.osman@aol.com ثمانين سنة في “سكة” السياسة السودانية ما رقم ساهل ولا كلام ساكت , …