بقلم: غافين سيركين: رُوِّجت اتفاقيات أبراهام على أنها إنجازٌ للسلام في الشرق الأوسط. لكن في السودان، انفصلت هذه الاتفاقيات عن الواقع بشكلٍ خطير. كان من المفترض أن
هذا ليس بناء سلام، بل هو مجرد أمنيات متخفية في صورة دبلوماسية.
بقلم غافين سيركين
صحيفة (تايمز أوف إسرائيل)
23 يوليو 2025
رُوِّجت اتفاقيات أبراهام على أنها إنجازٌ للسلام في الشرق الأوسط. لكن في السودان، انفصلت هذه الاتفاقيات عن الواقع بشكلٍ خطير. كان من المفترض أن يُعزز التطبيع مع إسرائيل الاستقرار والإصلاح. لكن بدلًا من ذلك، تم توظيفها في مشروعٍ معيبٍ وإقصائيٍّ يُنذر بتعميق الحرب الأهلية ودفع السودان نحو مزيدٍ من التشرذم الجيوسياسي.
كان ينبغي أن يُحفّز انهيار السودان إعادة النظر في استراتيجيته. لكن بدلاً من ذلك، يستمرّ السعي للتطبيع كما لو أن شيئاً لم يتغير – مُقيّداً برؤية ضيقة صاغتها جهات خارجية، وخاصة الإمارات العربية المتحدة، ومتحالفة مع جهات فاعلة تفتقر إلى الشرعية على الأرض. هذا ليس بناء سلام، بل هو امنيات وتفكيرٌ رغبوى مُتخفّي في ثوب الدبلوماسية.
العيب الجوهري بسيط: يتجاهل نموذج التطبيع الحالي التعقيد السياسي في السودان. فهو يستبعد شرائح رئيسية من المجتمع – الحركات الإسلامية، والشبكات القبلية، وعناصر النظام السابق – بناءً على افتراضات أيديولوجية، لا على منطق استراتيجي. وقد ارتُكب هذا الخطأ بالفعل في ليبيا واليمن، حيث انهارت التحالفات المدعومة من الخارج تحت وطأة المقاومة الداخلية والتدخل الخارجي. ويُخاطر السودان بأن يصبح الفصل التالي في هذا المسار الفاشل.
لقد عكس مسار التطبيع مع إسرائيل هذه الأخطاء. فقد بُني على اعتقاد بأن النخب العلمانية ستهيمن على السياسة السودانية، وأن القادة العسكريين، مثل الجنرال عبد الفتاح البرهان، القائد الفعلي للبلاد، قادرون على تحقيق السلام والشراكة. لكن النخب العلمانية تصدعت، وانضم بعضها إلى ميليشيات مثل قوات الدعم السريع، وتبخرت الشرعية واسعة النطاق. وعندما اندلعت الحرب عام 2023، أصبح التطبيع مجرد أضرار جانبية – مشروعًا نخبويًا بلا أساس وطني.
الأسوأ من ذلك، أن الكثير من السودانيين ينظرون إلى التطبيع اليوم كجزء من مخطط مفروض من الخارج يُغذّي الانقسام، لا الوحدة. وقد أثّرت علاقات الإمارات العربية المتحدة الوثيقة بقوات الدعم السريع سلبًا على الجهود المبذولة على نطاق أوسع. إسرائيل ليست متحالفة مع قوات الدعم السريع، لكن الانطباع العام مهم. بالنسبة للكثير من السودانيين، لم تعد الاتفاقات تتعلق بالسلام مع إسرائيل، بل بمن سيحكم السودان بدعم خارجي.
لا يزال بعض صناع القرار يأملون في أن يسهل تطبيع العلاقات مع السودان الضعيف. هذا المنطق ليس مُضلِّلاً فحسب، بل خطير أيضاً. فصفقة تطبيع مبنية على الإقصاء والتجزئة لن تُحقق السلام، بل ستُثير ردود فعل عنيفة، وتُمكّن المتشددين، وتُرسّخ دور السودان كقناة للتطرف، وتدفق الأسلحة، والتنافس الجيوسياسي بين الشرق والغرب.
هناك مسار آخر. مسار يبدأ بإعادة ضبط كاملة، ليس لمبدأ التطبيع، بل للعملية.
يتطلب هذا التخلي عن الاختبارات الأيديولوجية وإشراك جميع الأطراف السودانية المعنية – العلمانية والإسلامية والتقليدية والعسكرية. صحيح أن المشهد السياسي السوداني ممزق، لكن دعم التطبيع موجود في أماكن غير متوقعة. هناك إسلاميون يعتبرون إسرائيل شريكًا للتنمية، وعلمانيون متشككون بشدة. الدرس؟ لا تبنِ سياسةً بناءً على من تُفضّل، بل ابنِها بناءً على من يُحدث فرقًا حقيقيًا على أرض الواقع.
قد يرى البعض في إسرائيل أن هذا النهج محفوف بالمخاطر. لكن الخطر الحقيقي يكمن في المضي قدمًا في استراتيجية فاشلة بالفعل. لقد أثار لقاء وزير الخارجية الإسرائيلي السابق إيلي كوهين بالجنرال برهان قبل أسابيع من الحرب الشاملة – وصمت إسرائيل بعدها – خيبة أمل العديد من حلفاء السودان. وكما كتب الدبلوماسي السابق مكي المغربي، بدا أن برهان قد “تلقى طعنة في الظهر”. لا يمكن تجاهل هذه التصورات.
في الوقت نفسه، يشهد مركز الثقل الجيوسياسي للسودان تحولاً. فقد استعاد الجيش الوطني السيطرة على الخرطوم وود مدني وأجزاء من دارفور. وبرز رئيس المخابرات العامة، الفريق إبراهيم مفضل، كمحاور موثوق للقوى الأوروبية بشأن الهجرة ومكافحة الإرهاب. لكن الشرعية في السودان تُكتسب بصعوبة بالغة، ويسهل فقدانها. وإذا أُريدَ إحياء التطبيع، فيجب أن يتماشى مع هذا الواقع الجديد، وألا يُكرر الأخطاء القديمة.
مصير السودان يتجاوز حدوده بكثير. مركزيته الجغرافية تجعله جسرًا – أو حاجزًا – بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والبحر الأحمر. إذا استُخدمت الاتفاقيات لاختيار الفائزين والخاسرين في حرب السودان الداخلية، فإنها ستُسرّع من انهيار البلاد. ولكن إذا أُعيد ضبطها وارتكزت على الواقعية، فقد تُسهم في بناء سلام شامل فريد من نوعه، سلام يعكس تنوع السودان ويتردد صداه في جميع أنحاء أفريقيا.
هذه هي لحظة الحساب. لا يمكن لاتفاقيات إبراهام أن تنجح في السودان إلا إذا انفصلت عن منطق تغيير النظام، والتدخل الأجنبي، والتصلب الأيديولوجي. يجب أن تصبح أدوات لبناء دولة شاملة، لا أدوات إقصاء وهيمنة.
بدون إعادة ضبط، لن تُسهم الاتفاقيات في استقرار السودان، بل ستُفاقم تمزقه. مع إعادة ضبط، قد يُصبح السودان قصة نجاحهم الأقوى والأكثر إثارةً للدهشة.
جافين سيركين هو كاتب وصحافى أمريكي مرموق و مؤلف كتاب “Frontier” الذي وصفته صحيفة فاينانشال تايمز بانه لا غنى عنه لأى مستثمر فى الاسواق الناشئة . كان المحرر المسؤول السابق لقسم الاسواق الناشئة فى وكالة (بلومبرج) ، وكاتب عمود فى عدة صحف عالمية ومستشار يركز بشكل خاص على أفريقيا والشرق الأوسط
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم