هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (1)

سردية “تهافت الهاربين”
هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (1)
بقلم: عبدالفتاح عبدالسلام
الحلقة الأولي:
في هذه الحلقات سأحاول أن أكتب عن هروبنا كمدنيين عزل بعد أسابيع من بداية هذه الحرب القذرة، رغم ما رصدته شخصيا من خجل كثير من الهاربين مثلنا من هذا التوصيف … حين أقول “هربنا” أو بالبلدي “قمنا جارين” كان نفر منهم – أي من أولئك الهاربين مثلنا – يهمهمون و يحورون الكلام و يستخدمون عوضا عنها كلمة “مرقنا” أو “مشينا” و حتي “جينا” عن وصولوهم بورسودان أو أرقين أو القاهرة…هكذا بكل بساطة ..و كأن الأمر لا يعدو كونه انتقال من مكان قريب إلي آخر في الظروف العادية ؛ كقولك مشينا من أمدرمان إلي حي “الصحافة” أو “بري”.
و من الطريف أن ذلك قد انطبق عند وصولنا القاهرة بالبص.
ففي القاهرة و عقب وصولنا فقد استخدمت بعفوية مصطلح “لاجئ” و “لاجئين” … و هنا قرأت الاندهاش علي الوجوه، من عيون تبرق فجأة و أفواه صامته كصمت النمل، من أناس هربوا مثلي بالبصات (من العاصمة المثلثة تحديدا) بالأخص عندما أقول “نحنا جينا هنا لاجئين”. مرة اعترض أحدهم و كنا في زيارة لهم بشقتهم بصيغة استنكارية:
“والله نحنا ما لاجئين… نحنا جينا و أجرنا هنا شقة بقروشنا….”
و تلا ذلك جدل طويل …بل و شبه اتفاق بين الحضور أن السودانيين لا ينطبق عليهم هذا الوصف… و لكن بعد شهور قليلة من بداية الحرب و كثرة الدخول “تهريبا” .. علمت أن أعدادا كبيرة ذهبت مختارة أو مضطرة إلي “مكتب المفوضية العامة للاجئين التابع لللأمم المتحدة” بالقاهرة للتسجيل و الحصول علي الأعانة نقدا عقب نضوب القروش أو التحويلات من الأقارب من شتي بقاع الأرض، مع يقيني أن بعض المتنطعين منهم قد فعل ذلك سرا.
في واقع الأمر نحن لم “نهرب” إلا بعد أن بدأت الفوضي تعم الأرجاء و اعتمدنا لمعرفة حقيقة ما يجري أولا علي القنوات الفضائية الأجنبية الناطقة بالعربية و غيرها، ثم علي النت و توابعه. و حقيقة لم أكن أنا شخصيا راغبا في المغادرة، فقد كانت أمدرمان القديمة أهدأ نسبيا و خالية من المعارك، و الحياة في ألأسبوعين الأولين تسير علي منوالها. ثم تبدلت الأمور في بداية الأسبوع الثالث، عندما أغلق المخبز القريب في سوق الموردة أبوابه و أخذ الخبز في الانعدام. كان ذلك بعد عيد الفطر مباشرة حين تناهي إلي أسماعنا هدير طائرات حربية وأصوات انفجارات بعيدة، أكد صبية و شباب الحي أنها قادمة من معارك في بحري و الخرتوم، ينقل النيل صداها إلي أمدرمان.
و كانت المعلومات شحيحة فيما يخص الضحايا و المصابين، و تباينت السرديات و تشتت .. فلكل سردية أسطورتها الخاصة كما يقولون و المثل الصيني القديم يشي بذلك: “من لم يعرف ما هي الحرب فليعش الحرب”.
في ذلك اليوم الذي غادرنا فيه بيتنا ـ و هو يوم لا ينسي ـ فقد تيقنا أن ليس هناك من يحمينا كمدنيين عزل من أي شيء، فقد اختفت الشرطة من اليوم الأول وغاب أي مظهر عسكري في الجوار، و كنا محظوظين إذ كانت لدينا تأشيرات زيارة في جوازاتنا إلي السعودية. و علمنا أن مطار الخرطوم قد تم قصفه و تدميره ولم يبق لنا إلا البحث عن وسيلة للسفر إلي بورسودان و منها عبر البحر إلي جدة. و شرعنا في التواصل لحجز مقاعد في بص مغادر قالوا لنا أن البصات تتحرك من الحلفايا في الصباح. و أخذنا علي عجل في لملمة جوازات سفرنا و موبايلاتنا و كل ما لدينا من كاش و كل ما خف حمله من ملابس كدسناها في حقائبنا و تركنا خلفنا الكثير من الأشياء كاللابتوبات و الأدوات الكهربائية التي كنا جلبناها من الخارج، و شهادات و مستندات كثيرة متنوعة و كان في بالنا أن هذه الحرب لن تستمر سوي أيام… كما سمع الناس من بعض المسئولين … أو أسابيع … أو لأنها معركة بين فصيلين عسكريين كانا متحالفين و يحكمان البلد … وكم كنا سذجا مثل مئات الألوف و ربما ملايين غيرنا منساقين لدعاوي اتضح فيما بعد تهافتها و كذبها…
و وجدنا أنفسنا في عربتنا يقودها أحد جيراننا و الذي تكرم بإيصالنا إلي موقف البصات المغادرة بالحلفايا ببحري، على أن يعود بالعربة الي جراج المنزل و نزع البطارية و الكمبيوتر و تسليمهما مع المفتاح إلي جار آخر من الأقرباء. و نسينا موضوع الحرب تماما و نحن نقف جوار البصات المغادرة في موقفها بالحلفايا، بل ازددنا اطمئنانا بأننا مغادرون في زيارة و سنعود ؛ وفي الحلفايا لم تصلنا أصوات المعارك و الانفجارات…
لم يكن البص الذي حجزنا به مقاعدنا حاضرا و لكن المتعهد طلب منا الانتظار و انتظرنا و كان المكان يعج بالفوضي و اللهاث البادي من العيون القلقة .. و اخيرا جاء البص و امتلأ و استعد للتحرك و الوجهة بورسودان ….كانت كل المقاعد مشغولة و نصف الركاب أو أكثر من النساء وبعض الأطفال و الصبية و الفتيات الصغيرات … و غادرنا الحلفايا متجهين شمالا في الطريق إلي عطبرة …
من أين جاء هؤلاء …. النازحون
حاولت أن استطلع أمامي سحنات و هيئات الراكبين في البص؛ و لم يكن من الصعب استكناه أنهم مثلنا: هاربون. و لكن …. من أي خلفيه هم؟ عوائل قديمة من العاصمة ؟ مستجدو نعمة؟ سماسرة؟ قريبون من السلطة ؟ أسر متنفذة؟ لا يمكنك في صندوق مستطيل متحرك علي عجلات أن تحدد خلفية هذه المجموعة التي يجمعها هدف واحد؛ الابتعاد عن المعارك النارية و العودة مرة أخري بعد هدوء الأحوال؛ بعد أسبوع اسبوعين ثلاثة أو حتي أشهر …
لقد أسهم البعد المتطاول، لي شخصيا علي الأقل، و العمل و العيش لسنين عديدة في الخارج، في تعميق نقص المعرفة – رغم متابعتي طيلة هذه السنوات لما يجري في الداخل من تطورات سياسية و اقتصادية (وهي الأوضح) ، أما التطورات الاجتماعية فكانت في الظل؛ من الصعب القبض عليها و انت بعيد. و تبين لي أن السنتين (قبل الحرب) التين قضيتهما في أمدرمان القديمة التي لا تربطني بها علاقة، لم تساعداني كثيرا في التقاط تلك التطورات والتحولات العميقة التي طرأت خلال غيابي الممتد. لقد كنت أحسب نفسي ابن الخرتوم عموم، عاشت فيها اسرتي الكبيرة و الممتدة منذ أوائل العشرينات من القرن الماضي أو قبلها بقليل، … بدأ نفر من أفرادها باشتراع الهجرة من قريتنا في الشمال بحثا عن العمل و استقروا و لم يعد الكثيرون منهم ل “البلد” في الشمالية، و منهم أيضا من لم ير تلك البلد في حياته و ولد و مات في الخرتوم .. موزعون في أحيائها و امتداداتها.
عموما، كان ركاب البص نظيفي الثياب ، مهندمين. كان الجميع هادئا و لا يبدو عليهم الفزع .. و بدا أنهم من المقتدرين الذين أخذوا معهم من بيوتهم أموال تكفيهم خلال السفر و مسنلزماته من طعام و شراب و مبيت …. و لكن إلي أي الفئات ينتمون؟ ولا أدري لم قفز إلي ذهني فجأة كلام الخواجة الفرنسي مارك أوجيه بتوصيفاته الأنثروبولوجية أو الإثنولوجية العجيبة عن “اللامكان” .. ففي رأيه، أن هذا البص الذي نركبه “لا مكان”!!!!. فأي وسيلة نقل حديثة و المجمعات التجارية الكبري (المولات) أو حتي مخيمات العبور المترامية الأطراف حيث يتكدس لاجئو العالم ، هي أيضا لا مكان!!!!.
لا مكان إذن … و الكل صامت أو هامس يتحاشي الحديث مع الغريب بجانبه او أمامه أو خلفه، لا يحبذ الإفصاح عن هويته … و كثيرون أيضا، حتي الصغار من الجنسين لجأوا لموبايلاتهم بحثا عن “وجودهم” في هذا العالم … ليس الأمر إذن مثلما كان يحدث في قطار الشمال قبل عقود قليلة خلت…. هذا ليس المجتمع الذي عهدته قبل أكثر قليلا من عقود ثلاثة… هؤلاء ربما بشر آخرون … هكذا تخيلت …
الجيلي و ما أدراك ما الجيلي
توقف البص في الجيلي علي جانب الطريق و كنت أجلس ملاصقا للنافذة اليسري في الجزء الأمامي.
لقد خاب ظني…. فلو كنت اجلس في المقعد الملاصق لنافذة البص في الجهة اليمني لكنت تمكنت من استرجاع بعض الذكري من الطفولة و الصبا و اول الشباب؛ و لاستعدت ما لصق بالقلب و الذهن من رحلات القطار المتباعدة التي اعتدنا القيام بها فيما مضي شمالا إلي حيث قريتنا الصغيرة، أو البلدات التي عشنا فيها صغارا مع والدنا في ذلك الزمن، و لرأيت مرة أخري المحطات والسندات العديدة التي كنا نمر بها، وقد كانت الجيلي اولي المحطات في طريقنا إلي الشمال كما أذكر، مثلما رأي الشاعر مريد البرغوثي الطريق إلي “رالله” ذات يوم. نعم خاب الظن و كانت تلك أولي الخيبات. فمهما يكن، من نافذة البص اليسري رايت فجأة جنودا صغار السن يرتدون أزياء عسكرية بلون الصحراء و ملابسهم جديدة و أحذية برقاب طويلة خاكية اللون، و بعضهم يلفون عمامات بنفس اللون علي رؤوسهم. سالت بصوت خافت “من هؤلاء .. جيش؟ و أجابني بعضهم بصوت خافت “ديل الدعم السريع”. فم أكن رأيتهم من قبل. فانأ قدمت من المغترب الطويل قبل الحرب بسنتين للاستقرار النهائي في أحد أحياء أمدرمان القديمة. و شاهدت علي يسار الشارع و تحت ظل أشجار نيم كبيرة عربة أو عربتين بوكس تويوتا و من خلفيتها تنتصب فوهات مدافع رفيعة تمتد من بين الأغصان، و كان أحد الجنود يحمل منظارا حربيا و هو في الجهة الأخري من شارع الأسفلت يحدق في السماء. كانت هناك أعداد كبيرة من السيارات الصغيرة و المركبات القادمة من اتجاه الحلفايا، أما الاتجاه المعاكس من الشارع فكان خاليا، و يبدو أننا توقفنا في سوق صغيرة في الجيلي. و بعد قليل صعد جندي حاسر الراس و انتصب في مقدمة البص و لم يكن يحمل سلاحا و حيا الجميع بلغة و اضحة و ألقي نظرة فاحصة علي جميع الراكبين و قال “اذا في أي واحد تابع للجيش فليتفضل بالنزول…” و لم يجب أحد و التفت الي السائق و أشار إليه بالتحرك و تنفسنا الصعداء كما يقولون، و انطلق البص……
قرّي
و في قرّي تكرر نفس المشهد، مع تكاثر عدد الجنود و المركبات العسكرية. و توقف البص و صعد اثنان هذه المرة و وقف احدهم، شاب أكبر سنا في المقدمة و حيا الركاب و أضاف تحذيرا “الرجاء ممنوع التصويربالموبايلات .. اذا اكتشفنا واحد يصور حننزله من البص و حنخليه معانا هنا…” و أضاف “نحنا ما عندنا أي مشكلة مع أي مواطن … مشكلتنا مع عساكر الجيش و ضباط الجيش….” . كان الجندي الآخر الأصغر سنا قذ ذهب إلي مؤخرة البص متفحصا الوجوه و عند عودته إلي الجزء الأمامي أشار ألي رجل يبدو في الخمسينات من العمر و يرتدي قميصا و بنطلون و طلب منه النزول. كان ذلك الشخص يجلس في أحد المقاعد أمامي و قال للجندي بنبرة منخفضة: “أنا عندي جواز أمريكي و ديل أولادي معاي و ماشين بورسودان نلحق باخرة أميريكية جاية هناك…” و هنا تدخلت زوجته علي مايبدو “الزول دا ماعنده علاقة بي جيش و اللا ضباط .. نحنا قاعدين في أمريكا و جينا إجازة …” فطلب منها زوجها الهدوء و نزل مع الجنود و تبعه شابان صغيران بدا أنهما أبناؤه . و بعد قليل صعد الرجل و أبناؤه إلي البص و تحركنا حتي شندي… ولم تصادفنا أية مظاهر عسكرية أو توقفات.
يتبع ….
fattah71@gmail.com

عن عبدالفتاح عبدالسلام

عبدالفتاح عبدالسلام

شاهد أيضاً

هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (11)

بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*12 ديسمبر 2025 سردية “تهافت الهاربين” الحلقة الحادية عشرة • ” الدنيا كدا …