…وتسألني أشرقت، على طريقتها: لكن كيف وصلنا إلى هنا؟ إلى هذه الحرب الحالية؟ ألم تكن الدروس واضحة وحقيقية، وجراح الماضي فائضة عن الحاجة؟
قلت لها إن ما نراه اليوم ليس سوى حصادٍ مرّ، زرعه السودانيون بأنفسهم، لا عن خيانة، بل عن أملٍ أُجهض ومشروعٍ وُئد. هو نتاج عقودٍ تنكّبتها الأجيال منذ لحظة الاستقلال، حين تهاوت الحكومات الوطنية واحدة تلو الأخرى، عاجزة عن هندسة وطن يسع الجميع، عن صياغة عقد اجتماعي يضمن الخبز والكرامة والهوية. وكانت الذروة: ثلاثون عاماً من حُكم البشير ونظامه، حين اجتمع الحديد بالنار، والتعذيب بالتشهير والتهجير، والسجون بالاغتيالات المادية والشخصية، في أبشع تجريب لمشروع دولة تنهش أبناءها.
في زمنهم، رفعوا لافتة كبرى كتبوا عليها “المشروع الحضاري”. لكنها لم تكن سوى قناعٍ شفّاف لكذبة خشنة، أرادوا بها أن يُعيدوا قولبة السودان على مقاس نظرة فئوية ضيقة، عمياء عن تنوّعه، مرتابة من فسيفسائه، لا ترى في تعدده ثراءً بل تهديداً ينبغي تطويعه أو استئصاله.
رفع النظام رايات الدين والهويات المؤدلجة، لا ليربط بين السودانيين، بل ليفرزهم، ويقيم ميزان الولاء على الطاعة لا على الحق. لم يكن الهدف بناء وطن يحتمل اختلاف أهله، بل إنشاء سلطة لا تحتمل سوى نسختها الخاصة من “السوداني المقبول”.
تمّ، آنذاك، تسليح العقيدة، وتوجيهها جنوباً، حيث لم يكن يُنظر إلى الجنوبيين كمواطنين ذوي حقوق، بل كـ”آخرين” دخيلين على الجغرافيا وعلى الرواية، وجب إخضاعهم أو طردهم.
كانت الحرب هناك مغلّفة بفتاوى، وملفوفة بآيات القتال. تم تحويل الجنوب إلى حقل للرماية، وذاكرته إلى مادة للازدراء، ومسيحيته إلى ذريعة لإعلان الجهاد.
ويوم انفصل الجنوب، ما انكسرت قلوبهم ولا ذرفوا عليه دمعة، بل ذبحوا الأبقار ووزعوا اللحم في الشوارع، كما لو أن خريطة الوطن كانت عبئاً، وأن النقصَ فيها… إنجاز.
يُخطئ من يظن أن الجنوبيين غادروا لأنهم يكرهون الشمال.
لقد غادروا لأن الشمال أنكرهم، طردهم من صورة الجماعة، ونفاهم من دفتر العائلة، وأشاح بوجهه عن آلامهم. وحين صرخوا، لم يسمعهم أحد.
ويومَ حملوا جراحهم وغادروا، ظنّ البعض أن المشكلة انتهت. غير أن الكيزان، الذين لا يخافون السلام ويزدرونه، لأنه يفتّتهم ويهدم جدران مشروعهم، نَقلوا آلة القتل لتنهش نسيج دارفور.
لم يكونوا بحاجة إلى تبريرات دينية في دارفور. فالضحية مسلم، هذه المرة، لكنه مختلف في ملامحه، ولهجته، ونسبه. الازدراء كان صامتاً، لكنه أكثر خبثاً. بعض الخطاب لم يكن صريحاً، لكن بعضه الآخر كان قاتلاً.
كان يكفي أن تنتمي إلى قبيلة “ليست من هنا” كما يتبجّحون، لتُسحب من بيتك، وتُطلق عليك النار.
لم تفشل الدولة السودانية، يا ابنتي، لأن الريح كانت أعنف، بل لأنها لم تغرس جذورها في تربة الوطن المشترك، ولأن الذين تسيّدوا المشهد، لم يؤمنوا يوماً بأن الوطن فكرة جامعة، ولا أن تنوعه زادٌ لا نقمة.
تعاقبت معظم النخب على الحكم بمنطق الغلبة لا الشراكة، وبعقل الهيمنة لا بعين الرؤية. معظم تلك النخب تعاملت مع السلطة كغنيمة، ومع الشعب كمحميات.
لم تكن الهوية عندها مشروعاً لبناء المواطنة، بل أداة للفرز والاستبعاد.
حوّلت العروبة من انتماء ثقافي إلى سوطٍ أيديولوجي، واستخدمت الإسلام، لا ليقيم العدل، بل ليبرّر السيف.
راوغت بالخطابات، وباعت أوهام الوحدة، وسلّحت العصب القبلي والمناطقي، ثم جلست تتفرّج على البلاد وهي تتمزق.
ما حدث في الجنوب لم يكن خطأً عابراً، بل جريمة موثقة، بمجازر ودموع وجغرافيا ممزقة.
وما حدث في دارفور لم يكن مجرد انفلات أمني، بل سقوط مدوٍ في القيم والسياسة معاً، كشف عجز الدولة عن صون إنسانيتها قبل أمنها.
وما يجري اليوم في هذه الحرب الكريهة ليس سوى حملة تصفية لا تفرّق بين عرقٍ أو طائفة، ولا تعترف بولاءٍ أو اصطفاف. فمجرّد اختلافك في الرأي بات كافياً ليُدرج اسمك في قائمة المستهدفين، سواء وقفتَ مع الجيش أو هلّلت للمليشيا.
ففي مجزرة “الكنابي” الأخيرة بمدينة مدني، سقط العشرات من أبناء دارفور. جُرّوا من بيوتهم، وقُتلوا بلا محاكمة، لأنهم ببساطة… “ليسوا من هنا”. هكذا قيل.
مصطلحات مثل “الوجوه الغريبة” لم تعد توصيفات عابرة. بل باتت مفاتيح لإشعال الفتنة، وتبرير القتل وتخدير الضمير.
ما يحدث في السودان اليوم يا أشرقت، ليس حرباً أهلية، هو انهيار أخلاقي.
انهيار في معنى الوطن، ومعنى الدولة، ومعنى الإنسان.
فمشكلة هذا البلد، كانت – ولا تزال – في العقل الذي يصنّف الناس حسب أنوفهم، وألوانهم، ولهجاتهم، وأسماء قبائلهم.
العقل الذي يريد وطناً مكوّناً من نسخة واحدة، حتى لو كان الثمن… نهراً من الدم.
هذا العقل القاتل، هو الذي هزم السودان وأورده المهالك.
الدولة التي تُحكم بعقول كهذي، وتخاف من اختلاف أبنائها، ليست دولة، بل ثكنة.
والهوية التي تقوم على الإقصاء، ليست هوية، بل وثيقة اتهام جماعي.
الوطن، يا ابنتي، يُبنى حين يشعر كل فرد فيه بأنه جزء من نسيجه، لا من حواشيه.
حين يكون صوت الجنوب مثل صوت الشمال،
ولغة الجبال مثل لغة السهول،
ودم الغريب مثل دم القريب.
وإلا، فلن يبقى من هذا البلد سوى الأطلال:
خرائط ممزّقة،
مقابر مفتوحة،
وأرواحٌ تتنقّل في الفراغ بلا وطن، ولا ذاكرة، ولا عزاء.
nizarsamandal94@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم