سيناروهات المصائر المُلتبسة، تطرق بابَ الأُبيّض من جديد. المدينة التي لطالما كانت عُقدة الوصل بين الوسط والغرب، بين الخرطوم ودارفور، باتت اليوم ميزاناً متأرجحاً لتوازنٍ يفلت من بين الأصابع، وموطئ قدم لصراعٍ لا ينفك يتمدّد.
مليشيا الدعم السريع، تلك القوة التي انبثقت من هامش الفوضى لتقف في مركز المأساة، تواصل تقدمها بخطى وئيدة وواثقة نحو الأُبيّض، عاصمة شمال كردفان. لم تعد الأخبار تقتصر على اشتباكات متناثرة أو كرٍّ وفرٍّ على أطراف المدن، بل بات التهديد وجودياً.
في بيانها الأخير، لم تتحدث المليشيا عن “معارك”، تحدّثت عن “أهداف إستراتيجية”، وحين تُستبدل المعركة بالمصطلح، فإن ذلك قد يعني أن الدم أصبح سياسة، وأن الأرض تحوّلت إلى وثيقة ملكية معلّقة على فوهة بندقية.
لم يأتِ تقدّم المليشيا من فراغ، ففي عمق المشهد تسرّبت التصدعات من قلب الجيش نفسه. مني أركو مناوي، حاكم دارفور وأحد حلفاء الخرطوم، اتهم الجيش بالتقصير والتخلي عن معارك الأطراف، كما لو أن دارفور وكردفان لا تستحقان التضحية ذاتها.
الكلمات لم تكن مجرّد نقد، بقدر ما كانت طعنة تُنذر بتفسّخ المعسكر المُتحالف الذي لطالما استمسك منتسبوه بفعاليته في حماية مركز الدولة.
من الجهات الأربع، تمضي أرتال الدعم السريع لتطوّق الأُبيّض، ولا تفعل ذلك خلسة. في وضح النهار، أعلنت عن سيطرتها على مناطق حيوية، بينها أم سيالة وأم صميمة، الواقعتان على الطريق القومي نحو المدينة. تقترب القوات من قلب الأُبيّض بخطى ساعية لتبديل الحدود، وبعثرة موازين السيطرة، في إقليم لا شيء فيه يبقى على حاله، ولا مدينة بمنأى عن السقوط.
الأُبيّض ليست مجرد مدينة. إنها عقدة لوجستية وعسكرية، تربض عند بوابة دارفور من جهة، وتلامس خطوط الجنوب من جهة أخرى. فيها مطار انطلقت منه الطائرات التي قصفت غرب السودان، وفيها مقار للجيش لا تزال تقاوم، بينما الخناق يضيق.
قبل أشهر، توعّد حميدتي المدينة في تسجيل مصوّر، قائلاً: “إذا استخدمتم الأُبيّض لقصفنا، فسوف نأتي إليكم”. الآن، ها هو ينفذ وعده… بالبنادق لا بالكلمات.
الجيش من جهته، يحاول أن يتماسك. لكن في كردفان، بولاياتها الثلاث، التماسك لا يكفي. فالأرض هناك مفتوحة على الريح، سهلة للاختراق، معقدة للسيطرة. لا جدران تحمي، ولا جبال تعيق. كل تحرك مرئي، وكل غفلة قاتلة. وحين تكون الأرض مكشوفة، تصبح المعركة حرب استخبارات قبل أن تكون حرب دبابات.
يعرف القادة العسكريون أن الأُبيّض ليست معركة تُحسم بسهولة. هذه مدينة لم تُسقطها البنادق حين فرض عليها الحصار عامين متتالين، ثم رُفع بالكاد في فبراير الماضي. لكنها اليوم أقرب من أي وقت مضى للوقوع في القبضة، بعد أن أحكمت مليشيا الدعم السريع طوقه من جديد، واضعةً الجيش في مأزق مزدوج: حصار الفاشر، وضياع كردفان.
تنام الأُبيّض على فوهة بركان. لم تعد نقطة في تربة الإقليم، بقدر ما تبدو رقعة اختبار أخلاقي وعسكري وسياسي. من يسيطر على الأُبيّض لا يكسب فقط أرضاً، بل يفرض روايته على التاريخ.
السودان، هذا البلد المُبتلى، يقف أمام مرآة تتهشّم كل يوم، يرى فيها وجهه القديم ولا يكاد يتعرّف عليه. بين الخرطوم التي فقدت براءتها، والفاشر التي تنزف دون إسعاف، تمتد خطوط النار إلى الأُبيّض، وكادوقلي، والدلنج. كأنما البلاد كلها تتحول إلى مسرحٍ مفتوحٍ لصراعٍ بلا شرف، وبلا نهاية منظورة.
في الأثناء، لا يزال الأطفال يحلمون بالمدارس، والنساء يخبئن ما تبقى من مؤونة في زوايا البيوت المتهالكة، والرجال يتفقدون السماء بقلق… فالرصاص هنا لا يستأذن. لا يطرق بابًا ولا نافذة. يعرف طريقه إلى القلب.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم