الأسكندرية… زائر اسمه “البرّاء”

بخطى واثقة دخل المصباح أبوزيد طلحة مدينة الإسكندرية، كما لو أنه يعود إلى مسرح يعرف تفاصيله. لم يكن زائراً عادياً، ولم تكن عيناه تبحثان عن البحر أو الراحة، ولا في حقيبته ما يوحي بأنه جاء للعلاج أو الاستجمام. كان يحمل شيئاً آخر… ذاكرة معركة، وشيفرة مشروع لا يزال يتنفس عبر الظلال.
ما إن وطئت قدماه أرض مصر، حتى استشعرت القاهرة خطر النوايا، لا الكلمات، فألقت عليه القبض. وفي تلك اللحظة، لم يكن الأمن المصري يوقف شخصاً، بل فكرة.
فالمصباح ليس اسماً فقط، بل استعارة ثقيلة في ليل السودان الطويل. أحد أذرع جماعة الكيزان التي لا تزال تحنّ إلى دفء السلطة. رجل يقود كتيبة تحمل اسماً من الذاكرة العقدية: “البراء بن مالك”. كتيبة وُلدت من رحم “كتائب الظل” التي هدّد بها علي عثمان محمد طه، نائب البشير، المتظاهرين أيام المواكب الجليلة، بوصفها ضمانة بقاء لا تغفو، وجنوداً لا يُرَون إلا حين يُطلَب منهم النزال.

لكن ما أثار الفضول ليس التوقيف ذاته، بل توقيته. ففي اللحظة التي كان فيها رئيس الوزراء المعيّن كامل إدريس يحطّ في مطار القاهرة، ويستقبله مصطفى مدبولي بملامح الترحيب والتفاهم، كانت يدٌ أخرى تُغلق باباً خلف المصباح. كان مشهداً ذا طابقين: في الأعلى دبلوماسية وتصريحات عن تعاون أمني، وفي الأسفل… صفقة لا تُقال.
هل كانت زيارة إدريس إلى مصر مجرد جدول عمل؟ أم كانت غطاءً أنيقاً لعملية محسوبة؟ وهل كان اعتقال المصباح رسالة مزدوجة؟ واحدة إلى الخرطوم، وأخرى إلى من تبقّى من الكيزان في الجوار؟
أحد قادة كتيبة البراء لم يترك الأسئلة معلّقة. خرج عن صمته واتهم مستشاراً للبرهان بالتواطؤ، واعتبر صمت المجلس السيادي “دليلاً على الاشتراك”، بل وأمهل المجلس 24 ساعة لإصدار توضيح. لم يصدر شيء.
في صمت الخرطوم، ما يدل على أكثر من الصمت. قد يكون البرهان قرأ اللحظة الإقليمية قراءة جديدة، وقد يكون بدأ يراجع تحالفاته ويسعى للمناورة واللعب على أكثر من حبل، فهو يدرك أن حمل ثقل الكيزان في هذا التوقيت يشبه حمل جمر في معركة لا تحتاج ناراً إضافية. وقد يكون، في لحظة حساب دقيقة، قرر أن يتخفف من أثقال الماضي… أو على الأقل، أن يُظهر ذلك.

وقد تكون القاهرة أرادت أن تقول شيئاً من وراء هذا التوقيف: دعمها للجيش السوداني ليس بلا شروط. لا مكان لعودة الإسلاميين. فالبراء ليست كتيبة معزولة، بل امتداد لمشروع ظلّ يتنفس رغم الإطاحة به في ثورة ديسمبر. مشروع عاد إلى الساحة متسللاً في زيّ “الإسناد المدني”، كما لو أن الميليشيا يمكن أن تتحول بين عشية وضحاها إلى منظمة خيرية.
هو تجسيد لفذلكة الكيزان حين يتلبّسون لبوس المقاومة، ثم يتسللون إلى مفاصل الدولة من باب “الدعم”، لا من باب السياسة. شارك في معارك الخرطوم، قاتل جنباً إلى جنب مع الجيش، ثم رفع راية “المدنية”، لا بوصفها توبة، بل خطة. فمن الميدان إلى الوزارات، ومن الخنادق إلى الإدارات، حلم المصباح لا يعرف التقاعد.

المصباح لم يكن مجرد اسمٍ على لائحة، بل شُعلة اختبار، لمقدار ما تبقّى من نفوذ الكيزان في مفاصل الدولة، واختبار أيضاً لمدى استعداد الإقليم – وتحديداً القاهرة – لمصافحة هذا اللهب أو خنقه.
فالرجل الذي طُرِد من مكة، في يونيو الماضي، لأنه أراد أن يحوّل “العمرة” إلى تعبئة، لم يتوقف عن اختبار مدى سعة صدر الإقليم على احتمال عودة الكيزان. كل محطة كانت مرآة، لا تُظهر وجهه وحده، بل وجوه من صمتوا، ووجوه من صافحوه أو آووه.
وفي الإسكندرية، لم يدخل متخفّياً. بل دخل كما اعتاد: كأن الضوء لا يحرق. لكن الزمن تغيّر. والعيون التي كانت ترتجف من الظلال، باتت تفضح من اعتاد العيش فيها.
أما إن كانت هناك صفقة، فربما لم تكن لإنقاذه، بل لإنهائه وإطفائه.
لأن من يُطفئ المصباح، لا يريد أن يرى… بل يَخشى أن يُرى.

nizarsamandal94@gmail.com

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …