“حركة مناوي”… مناكفات الخيانة والعزل

نزار عثمان السمندل
تتقدم الحرب في السودان كمن يمشي على الحمم، لكنها تمشي. لا اتفاق يوقفها، ولا بكاء يعرقلها، ولا حتى الجوع يردعها.
الزلزال الذي بدأ في الخرطوم لم يقف عند أسوارها. ارتداداته تمددت في مختلف المدن والقرى، وهي تموج اليوم في قلب إقليم دارفور، حيث تتصدع جدران البيت الداخلي لحركة جيش تحرير السودان التي يقودها مني أركو مناوي، حاكم الإقليم. الحركة التي طالما قدّمت نفسها كحارس ودرع، تواجه الآن انقساماً يهدد وجودها، فيما الفاشر – آخر المدن الصامدة – تختنق تحت حصار مليشيا الدعم السريع منذ أكثر من عام، وجوع يأكل ما تبقى من كرامة أهلها حتى باتوا يلوكون أعلاف المواشي.
الأوساط السياسية تتحدث عن مرارة تتصاعد في صدور قيادات ميدانية داخل الحركة. يتهمون الجيش السوداني بالتخلي عن الفاشر وترك المقاتلين وحدهم أمام عدو يقترب كل يوم من أسوار المدينة. بالنسبة لهم، دارفور ليست مجرد جغرافيا، بل عمق قبلي ورمزي، وفقدانها يعني تحوّل الحركة إلى مكوّن تابع بلا ورقة ضغط ولا سلطة تفاوض. بعضهم بدأ يهمس بأن الوقت قد حان لإعادة النظر في التحالف مع الجيش، وربما فتح قنوات مع الدعم السريع قبل أن تُغلق الأبواب.
لكن مناوي، الذي قرأ هذا الهمس كخيانة، ذهب أبعد من مجرد الرفض. أقال ثلاثة من أبرز مستشاريه: القانوني محمود كورينا، والاقتصادي آدم النور، والإعلامي مصطفى الجميل، وجمّد عضويتهم وأحالهم للتحقيق، متهماً إياهم بعقد اجتماعات مع “أطراف معادية” دون تفويض. مصادر داخل الحركة تؤكد أن هؤلاء كانوا على صلة بمليشيا الدعم السريع منذ الأشهر الأولى للحرب، وأنهم يتهيأون للانضمام إلى تحالف “تأسيس” الذي تهيمن عليه المليشيا.
الرد جاء سريعاً من كمبالا، حيث عقد القادة المقالون مؤتمراً صحافياً أعلنوا فيه تشكيل “هيئة قيادية” هدفها التحضير لمؤتمر عام خلال شهرين، لإعادة الحركة إلى “مبادئها الأولى” وعزل مناوي. اختير كورينا رئيساً للهيئة، ومعه متوكل محمد علي نائباً، وعصام الحاج والفاضل التيجاني وعصام كتر كأعضاء. رسائلهم كانت واضحة: القيادة انحرفت عن خطها الثوري، وانزلقت إلى حروب بالوكالة، وتماهت مع الإسلاميين، وتبنت خطاباً قبلياً يزرع الانقسام بدلاً من لملمة الصفوف.
هذا الانقسام الداخلي يتغذى على مرارة أوسع. فقبل أسابيع، خرج مئات السودانيين عقب صلاة جمعة في الخرطوم يهتفون لفلسطين، ويشجبون التجويع الإسرائيلي في غزة. لا أحد يعترض على النُبل، ولا على الغضب الشريف تجاه مدينة محاصرة عبر البحر. لكن الفاشر، المحاصرة داخل خريطة الدولة، لم تجد من يهتف لوجعها، ولم تُرفع من أجلها لافتة واحدة تقول: “كلنا الفاشر”. حتى الجوع، في هذا الوطن المنكوب، صار يُقاس بمكيالين.
بالنسبة لقيادات داخل حركة مناوي، كان المشهد رسالة سياسية جارحة: أنصار البرهان – من فلول النظام القديم – عادوا إلى عادتهم، يستنفرون المشاعر الدينية في قضايا بعيدة، ويغضّون الطرف عن المجازر القريبة. كأن في داخلهم شقّين لا يلتقيان؛ أحدهما يهتف ضد حصار إسرائيل، والآخر يصمت أمام حصار وطنه. انفصامٌ حادّ حمل إلى هؤلاء نذراً مقلقاً: أن “المركز يحتفل بينما الأطراف تُدفن بصمت، وأن الخرطوم استعادت صوتها، بمساهمات القوة المشتركة، في حين تفقد دارفور حتى حقها في الأنين”.

حاول البرهان، قبل أيام، أن يبعث برسالة طمأنة إلى الحركات المسلحة الحليفة، التي ما عاد قادتها يخفون التململ. في مؤتمر صحافي بالخرطوم، أكد أن الحرب ضد الدعم السريع مستمرة “حتى القضاء عليهم أو تخليهم عن سلاحهم”. لكن كلماته بدت، في نظر كثيرين، محاولة لتجميل واقع مرّ: المليشيا تسيطر على أربع ولايات من أصل خمس في دارفور، والفاشر وحدها باقية شوكة في الحلق، لكنها على وشك الاقتلاع ما لم تحدث معجزة.
منذ 2023، حين قرر مناوي الانحياز إلى الجيش، ظهرت أصوات داخل الحركة رأت في القرار خيانة لاتفاق جوبا للسلام وانقلاباً على دورها كقوة حياد. آنذاك، نجح في احتواء الغضب، لكن تغيّر خريطة السيطرة في الإقليم أعاد الجراح إلى السطح.
خصومه يذكّرون بأنه لم يواجه مؤتمراً انتخابياً منذ عقدين، وأنه يجمع بين منصب الرئيس والأمين العام، في هيكلٍ مغلقٍ لا يسمح بالمحاسبة. بالنسبة لهم، المؤتمر العام ليس مجرد مطلب تنظيمي، بل محاولة أخيرة لكسر احتكار السلطة قبل أن تبتلع الحركة لعبة الاستقطاب الكبرى بين الجيش والدعم السريع.
في المحصلة، يبدو أن حركة تحرير السودان – مثل كثيرين قبلها – تكتشف أن الثورة التي وُلدت من رحم المظلومية قد تنتهي أسيرة لتحالفاتٍ تُفقدها ما خرجت من أجله.
السودان، الممزق بين جيش ودعم سريع، يلتهم تباعاً حلفاء الأمس، وطابور الضحايا مرشح لأن يطول، ما دامت المعركة بلا أفق، وما دام التاريخ في هذه الأرض يصرّ على أن يعيد نفسه.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …