البرهان في سويسرا .. دم وذهب ومصائر

ما خططوا له ليبقى في الظلام، خرج إلى النور كما يخرج السر من فم شيخ على فراش الموت.
جلس الفريق عبد الفتاح البرهان وجهاً لوجه مع مبعوث دونالد ترامب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، في سويسرا الباردة، حتى في جمرة الصيف. لم يكن اللقاء على أي أجندة رسمية، ولم يمر عبر قنوات مجلس السيادة أو مجلس الوزراء ووزارة الخارجية، ولا حتى عبر تدوينة ساخطة لخالد الأعيسر، الذي “لا يعرف وين الله قاطو” على قول الكوايتة.

كان المشهد كله يجري في تلك المسافة المعتمة بين الدبلوماسية والمؤامرة، حيث تُرسم خرائط الذهب والدم بلا شهود، ويُكتب مستقبل الخرطوم بالحبر الخفي.

البرهان يعرف أن بعض الطرق إلى سيادة الخرطوم تمر عبر دهاليز الفنادق المحايدة، وأن قلب واشنطن، سيّدة العالم المعاصر، لا يعرف سوى بوصلة المصالح، حتى لو اقتضى الأمر أن يُعاد تشكيل الجغرافيا والوجوه والحدود والتحالفات.
لكن السؤال الذي يطارده أكثر من أي سؤال آخر:
هل يستطيع أن يخلع جلده الكيزاني القديم؟ أن يقطع الحبل السري الذي يربطه بـ”علي كرتي” وحركته الإسلامية التي أشعلت الحرب لتقطف ثمار الخراب؟
إنهم حوله الآن، كأشباح معركة لم تنتهِ. يهمسون في أذنه؛ بصوت ضياء بلال، أن العودة قدرهم، وأن الخرطوم لن تُغلق أبوابها في وجوههم، وأن يدهم الباطشة ستعود لتوقّع الأوامر من القصر الجمهوري.

يعرف أن بقاءهم في دائرته يجعل منه رهينةً ملوّثة، وأن العالم كله، حتى خصومهم، لا يريد أن يرى السودان يُدار بوجوه استهلكها التاريخ ورفضتها الشوارع.

الخارج، بدوره، لا يقل جشعاً وانتهازيةً عن الداخل.
مصر ترى السودان حديقة خلفية، وتريد أي سلطة فيه أن تنحني أولاً لظل مخابراتها.
الإمارات تنظر إليه من زاوية الذهب والموانئ، حيث تتحول الصفقات إلى هندسة سياسية، وتُختبر ولاءات الرجال كما تُختبر نقاوة المعدن.
قطر، بخيطها الإعلامي والمالي، تحاول أن تجد كوةً تعيدها إلى ملعب أُخرجت منه مع سقوط البشير.
تركيا ما زالت تحلم بأن البحر الأحمر امتداد طبيعي لذاكرتها العثمانية.
السعودية، بصمتها الموزون، تزن الخرطوم بميزان الأمن وتريدها شريكاً لا صداعاً.
أما واشنطن، فهي لا تبحث عن أنبياء في السودان، بل عن جدار يمنع الروس من التمدد، والصينيين من التسلل، والنار السودانية من الوصول إلى القرن الأفريقي.

ثم تأتي “الدعم السريع”، السؤال المعلّق في حلق كل وسيط:
هل تبقى قوةً موازية تضمن توازن الرعب؟ أم تُبتلع في جيش جديد يولد على المقاس الأميركي؟
و”قحت” التي أصبحت “صمود” مع حمدوكها، ليست في نظر واشنطن إلا ورقة حرير لتزيين مسرح إعادة الإعمار، حين يحين وقت رفع الستار عن مشهد الانتقال الديمقراطي المعلّب.

اللقاء السويسري لم يكن جسراً إلى السلام، بل مرآةً وامتحاناً: أي برهان سيخرج من الغرفة؟
رجل يحرق أوراق الكيزان، أم قائد يخادع أميركا الجبارة؛ ويكتب معهم صفحةً جديدة للتمكين؟.. أم زعيم يفتح نافذته على الشارع الذي أغلقه ذات يوم حين استنجدوه في القيادة العامة، أم حاكم يفتح أذنه للقوى الخارجية فتستهلكه كما تشاء بضمانات عدم الملاحقة الجنائية؟

في سويسرا، الجبال صامتة لكن ثلج الصيف البهيج يعرف أن النار في الخرطوم لا تنطفئ بالوعود، بل بقطع الحبال مع من أشعلها.
والسودان، حتى هذه اللحظة، لا يزال عالقاً بين قبضتين: قبضة الكيزان في الداخل، وقبضة اللاعبين في الخارج. وما لم يتحرر من الأولى، سيبقى لقمةً على مائدة الثانية.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …