عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com
يشكّل قرار إخضاع القوى المساندة لقانون الجيش محطة مفصلية في المشهد الراهن؛ إذ يتجاوز الطابع القانوني التنظيمي، إلى أبعاد سياسية تمس مستقبل الدولة وإمكان الخروج من أزمتها المعقّدة، ما يستدعي قراءة قانونية وسياسية تكشف أبعاده ومآلاته.
أولاً: ما هي خلفية وجود حركات تحمل السلاح خارج المنظومة الرسمية؟
عوامل تاريخية وسياسية واجتماعية متراكمة، وفشل النُّخب في حلّها منذ فجر الاستقلال، فكانت النتيجة التمرّد المسلّح، احتجاجًا على التهميش السياسي والاقتصادي والعرقي. لكن الحكومات، بدلًا من التصدّي للمظالم، واجهتها بمنظور أمني، فاستمرّت الحروب.
ثانيًا: هل يسمح قانون القوات المسلحة بتكوين مليشيات والاستعانة بها؟
قانون 1986 أجاز للقوات المسلحة في ظروف الطوارئ والحروب الاستعانة بقوات غير نظامية تحت قيادتها. لكن إساءة التطبيق كانت سبب الفوضى. فقد أورد بعض المراقبين أن حاكم كردفان آنذاك، لجأ لأجل محاربة التمرد إلى تسليح القبائل على أسس عرقية. ورغم محدودية التسليح، إلا أنّ الخطأ الأكبر أن تلك القوات لم تُدمج في الجيش أو تعمل تحت أمَرته.
ثم جاءت الإنقاذ واستغلت القانون أسوأ إستغلال، وذلك بتأسيس “الدفاع الشعبي” كقوة موازية للجيش، وتسليح “الجنجويد” لمواجهة الحركات، ثم تطوّر “الجنجويد” ليصبح “الدعم السريع” كقوة مستقلة تنافس الجيش، وله قانونه الخاص.
ثالثًا: هل يسمح قانون القوات المسلحة باخضاع المليشيات لأحكامه؟
القرار استند لقانون 2007 وهو يعطي الجيش حق الاستعانة بقوات غير نظامية، وحق اخضاعها لسلطته.
رابعا: ما هي الجهات التي يشملها القرار ؟
القرار لا يشمل الحركات الموقعة على اتفاقية سلام جوبا، إذ يرتبط إدماجها بملف الترتيبات الأمنية. المقصودون هم كتائب البراء، والقوات الشعبية، وقوات درع الشمال، والكتائب الأخرى التي يتعذر حصرها، والقوات التي أُنشئت بعد الحرب.
خامسا: ما هي إيجابيات وسلبيات أو تحديات القرار؟
وحدة القيادة، ضبط الانفلات الأمني، وتوحيد المرجعية العسكرية، وهي إشارات إيجابية نحو جيش قومي موحّد كأحد مطلوبات السلام والتحوّل المدني، يوم يصبح مسارًا حتميًا.
لكن التطبيق تواجهه تحديات، منها صعوبة حصر المليشيات التي ظهرت بأسماء مختلفة وفي مناطق متباعدة، وجميعها نشأت خارج الانضباط وتحمل ولاءات شخصية أو جهوية أو سياسية، بالتالي ما إمكانية قبول الاندماج وتعديل العقيدة؟!
كما أن بعض هذه القوات ارتكبت انتهاكات جسيمة، فدمجها بدون محاسبة يقوض الفكرة وثقة المجتمع المحلي والدولي الذي يراقب أي عملية دمج، وهذا يعرض الجيش للمزيد من العزلة والعقوبات.
لكننا نتوقع أن يكون كل ذلك في الحسبان، غير أنّ الإجراء السليم، في تقديرنا المتواضع، هو أن يتم الدمج ضمن عملية هيكلة شاملة للجيش، تبنى على خطط محكمة لجمع السلاح.
سادسا: هل القرار جاد أم مجرد رد فعل على حادث اغتيال وكيل النيابة مولانا “الصي”؟
ربما تمّ تعجيل الإعلان مراعاة لحساسية وظيفة المجني عليه ولامتصاص الغضب الشعبي، لكن الترتيبات أصلًا كانت تجري، بدليل أن الكباشي حذّر القوى التي تحمل لافتات سياسية بعدم دخول المعسكرات إلا تحت راية الجيش، وقد ردّ قائد “البراء” بما قد يُفهم منه استقلالية قواته وعدم قبوله راية الجيش. ثم سفره إلى مصر وتسريبات عن توقيفه هناك. كل ذلك يشير إلى أن الجيش يريد تنفيذ قراره في هدوء، ويبدو أن البرهان أدرك مؤخرًا ضرورة تفكيك المليشيات لما جلبته من سمعة سيئة، بجرائمها التي وصلت إلى فصل الرؤوس عن الأجساد.
سابعا: ما هو موقف التيارات الإسلامية من قرار الدمج؟
الداعمون قد يتذمّرون، لكنهم لن يغامروا بردة فعل عنيفة في ظل مراقبة المجتمع الدولي. ثم إن القرار يتحدث فقط عن القوى التي تحمل السلاح، وهناك قوى إسلامية لا تحمل السلاح، ستظل تساند الجيش بالدعم اللوجستي والمدني والإعلامي والسياسي.
ثم هناك تيارات لا تريد هذه المليشيات، لأنها تدرك أنّ عودتهم لسلطة تحرسها الكتائب بات في حكم المستحيل. ولذلك يرون الحكمة في أن يكونوا حزبًا مدنيًا يمارس حقّه في الانتخابات.
ثامنا: هل يشير هذا القرار إلى نية البرهان في التخلي عن الإسلاميين كحاضنة؟
لا أعتقد، فحاليًا كلاهما في حاجة للآخر. لكن هذا لا يعني أنهم يسيرونه؛ فهم ليسوا بالقوة التي نتخيّلها، لكنهم يستمدّون قوتهم الظاهرية من نجاحهم في تشتيت وتشظّي القوى المدنية.
الإسلاميون (الحركة الإسلامية) تعرّضوا لعدة انشطارات؛ أثناء مفاصلة صراع السلطة بين الترابي والبشير، وأثناء الحراك الثوري برز تيار “المؤتمر الوطني” دولة الفساد، وتيار إصلاحي ينتقد الفساد والاستبداد، وتيار ثالث محايد قابل للانسجام مع المنتصر.
ثم بعد سقوطهم، دخلوا في تبادل الاتهامات بدعم العسكر والثورة، وظهرت تيارات شبابية تنتقد وتطالب بمراجعات فكرية. ثم بعد الحرب نجد تيارًا متورّطًا فيها وداعمًا للجيش، وتيارًا رافضًا أو متحفّظًا.
يدرك البرهان كل هذه الحقائق، في تعامله مع تياراتهم المختلفة، فيطيعهم فيما يريد، ويخالفهم فيما لا يريد. فتجدهم أحيانًا يمجّدونه وأحيانًا يشتمونه. وإذا كان تمسّكه بمجموعة “المؤتمر الوطني” هو الأقوى، فذلك لأنه يلتقي معهم في ضرورة محاربة الثورة، والسيطرة العسكرية على الحكم، واستمرار الحرب للتأكّد من تحقق هذا الهدف، وربما أيضًا يلتقي معهم في استمرار الحرب لفصل دارفور.
لكن يظلّ البرهان عصيًا على القراءة؛ فهو قد يعدّل تكتيكاته ومواقفه في رمشة عين وفقًا لمستجدّات الأحداث، ولا يتردّد في التعامل مع أي جهة داخلية أو خارجية لينظر: هل تحقق له هدفه في البقاء في السلطة أو تضمن له الإفلات من العقاب؟
البرهان رجل عنيد وداهية، يعرف ما يريد. من خلال هذا القرار، وقرار إحالة بعض الضباط للمعاش إلى جانب القرارات الأخيرة الأخرى، فإنه يفتح معاركه في كل الاتجاهات. لن يستجيب لضغوط خارجية تجرّه إلى المهالك، ولن يتفاوض مع “تأسيس” وحدها ولا مع “صمود” وحدها؛ بل يمكن ان يتفاوض مع كل قوى الثورة مجتمعة، حتى يضمن جدية الالتزام بتنفيذ الشروط التي يتم التوافق عليها.
أعتقد أن الكرة الآن في ملعب قوى الثورة للتوافق والدخول في حوار مع البرهان، فهو يمثل نفسه ويمثل الجيش والتيارات الإسلامية الحريصة على الانتقال المدني والتي تقف في الحياد.
لكن من الضروري أن يدرك البرهان أن هذا المشهد الهش والمتناقض لم يعد يحتمل المزيد من خلط الأوراق والاستمرار في الحرب. فالدولة تعيش حالة انهيار أمني واقتصادي، والضغوط الداخلية والخارجية تتزايد عليه، والثورة ماضية في مسارها الحتمي نحو الانتصار. لذلك فإن تمسكه برفع سقف طموحاته للبقاء في السلطة بعد كل ما فعله بها لن يكون خيارا ذكيا. فما دام في مقدوره ان يفعل، فعليه ان يسبق الجميع ويرد الأمانة للشعب.
نسال الله ان يفعل ما فيه الخير لبلدنا وأهله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم