الجاكومي يتسلل متأخراً إلى وليمة المليشيات

مرةً أخرى، تُثبت السلطة في السودان الحالي، أنها ليست قانوناً يُفرض، بل مسرحية من الانفلات والفوضى، لا تُكتب نهايتها إلا على الأرض، وعلى دماء المدنيين التي صارت عُملة الحرب الأثمن.
أنصع مثال على ذلك، قرار البرهان الأخير، الذي قضى بإخضاع جميع التشكيلات المسلحة العاملة إلى جانب القوات المسلحة، لأحكام قانون الجيش، والذي لم يزل يلوكه الناس منذ يوم صدوره كي يفهموا درجات التكييف المترتبة عليه، حتى خرج من وراء الصخب، محمد سيد أحمد الجاكومي، معلناً عن تأسيس “قوة حماية السودان”، كاتباً بذلك فصلاً جديداً في مسرح العبث السوداني.
محاولة يائسة لملء فراغ أمني لم يستوعبه القانون ولا النظام، وكأنه يضيف فصلاً جديدًا إلى المسرحية السودانية، التي لا تنتهي إلا على وقع السلاح والدم.

الجاكومي يقول إن هذه القوة ليست مليشيا، ولا كياناً موازياً، ولا تتبع أي جهة سياسية أو قبلية، بل هي تشكيل وطني مؤقت، يعمل تحت إشراف الجيش لحماية المدنيين، وتأمين الموارد الحيوية، وسدّ الفراغ الأمني، حتى تستعيد الدولة سلطتها.
كلمات تتماهى مع النوايا، لكنها تصطدم بحقيقة الواقع العسكري: أكثر من 70 مليشيا كانت ضمن الجيش قبل انفصال الدعم السريع، وأخرى تتوارى في الظل بلا سلطان، متربصة بالفراغ، كعاصفة تكتم أنفاس الرمال قبل أن تنقضّ عليه بقسوتها الحقيقية.
ولعل الأكثر درامية في هذا المشهد، هو أن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وعد الجاكومي، الذي التقاه أخيراً في أسمرا، بتدريب 50 ألف مقاتل من الشمال، في خطوة قد تُقرأ كسباق تسلح بين أطراف اتفاق جوبا للسلام، حيث النصر على الأرض لا يهم بقدر المكاسب السياسية، وكأن الرصاص صار مجرد لغة تفاوض، والدم وقوداً لطاولة تُرسم عليها مقاسات الحدود.

الجاكومي حانق على من حرموا حركته من الظفر بكرسي في وزارة كامل إدريس، رغم أن الحركة موقعة على اتفاق جوبا عام 2020، الذي تقاسموا على أساسه النفوذ. مشكلته أنه يحوز حركة لكنه لا يحوز جيشاً.
أما حركات مناوي وجبريل، التي تقاتل جنباً إلى جنب مع الجيش، تمسكت بحقوقها الوزارية مثلما يتمسك غريق بحبال النجاة في بحر متلاطم، رافضة تدخل إدريس، ومؤكدةً أن ولاء جنودها للميدان لا يتساوى مع أي ولاء سياسي. هنا يبدو المشهد وكأنه مسرحية مأساوية، حيث تلتقي السياسة بالحرب في مشهد واحد، والضحايا الأكبر هم المدنيون الذين يراقبون اللعبة من خلف جدران منازلهم المدمرة.
مسارات الشمال والوسط والشرق، التي ضمّها اتفاق جوبا، لم تكن تعاني الحرب، لكنها أصبحت أدوات سياسية لتحقيق مكاسب، ومسرحاً لصراع المكوّن العسكري ضد المدنيين، وتجربة تختصر مأساة بلدٍ جعل من السلام واجهة أنيقة لتجارة سياسية بلا أخلاق.

في هذا المشهد المشتعل، قرّر البرهان تشكيل رئاسة هيئة أركان جديدة، وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة لقانون الجيش، محاولة لإعادة ترتيب أوراق القوة، وسط صعوبة الدمج، وحساسية القيادات، وغموض الآليات.
كل خطوة هنا ليست مجرد قرار قانوني، بل معركة وجودية داخل المؤسسة نفسها، حيث أي دمج سابق فشل، وترك الجيش موزعاً بين مراكز قوة متعددة، تحاصر بعضها البعض بخطوط نار مرئية وغير مرئية.
ردود الفعل لم تتأخر، فالحركات المسلحة تحفظت على القرار، بينما يمثل “فيلق البراء بن مالك” أبرز التحديات، فهو يدّعي أنه القوة الحاسمة الوحيدة في المعادلة العسكرية بعد استعادة الخرطوم، ما يزيد التوتر السياسي داخل الجيش، ويكشف هشاشة التناغم بين القيادات، وسط اتهامات متبادلة بالتهاون واستغلال الصراع لتعزيز النفوذ السياسي للحركة الإسلامية.
الجنود، المقاتلون، المدنيون، والمناطق المحترقة، جميعهم عناصر على خشبة مسرحية سودانية ممتدة، حيث القانون يحاول اللحاق بالفوضى، والسلطة العسكرية تحاول فرض مركزية القرار، فيما الواقع يكتب نصاً آخر؛ أقرب إلى مأساة أوديب: كل خطوة لإصلاح الانقسام العسكري تولد مواجهة جديدة، وكل محاولة لملء الفراغ الأمني تكشف عجز الدولة وهشاشتها.
اليوم، يقف السودان على حافة مفصلية: بين القانون والانفلات، بين السياسة والعسكرة، بين الجيش والمليشيات. وفي هذا المشهد يظل المدنيون هم الخسارة الأبرز، يطلون على العالم من خلف نوافذ حياتهم المدمرة، بلا أفق لنهاية قريبة، في دولة تتعثر في كل محاولة لاستعادة النظام، وتجد نفسها تترنّح في متاهة صراعاتها، ويدفع شعبها أثماناً فادحة كلّ مرة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …