زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
تفكيك رؤية الحركة الشعبية وتقاطعها مع الحداثيين السودانيين
ظلّت قضية العلاقة بين الدين والدولة واحدة من أعقد معضلات السياسة السودانية منذ الاستقلال، فالمركز النيلي العربي–الإسلامي سعى لترسيخ هوية أحادية، بينما قاومت الأقاليم المهمشة عبر مطالب بالمساواة والاعتراف بالتنوع. في هذا السياق برزت الحركة الشعبية لتحرير السودان بوصفها الفاعل الأكثر إصراراً على جعل العلمانية شرطاً لبناء دولة جديدة. لكن العلمانية هنا ليست فلسفة مجردة، بل أداة لإدارة نزاع الهوية وتوزيع القوة. فهي تُطرح أحياناً كإطار مواطنة جامعة، وأحياناً كآلية ضمان ضد الانتكاس، وأحياناً كشرط تفاوضي محصَّن فوق الدستور. هذه الورقة تسعى إلى تفكيك رؤية الحركة الشعبية للعلمانية، وتتبع تقاطعاتها مع تيارات الحداثة السودانية التي اشتغلت على نفس الإشكاليات من زوايا مغايرة.
من «السودان الجديد» إلى «العلمانية شرطاً سياسياً»
عند جون قرنق، كانت العلمانية أداة لبناء قومية مدنية: دولة محايدة تصون التنوع الإثني والديني وتفتح الطريق لعدالة توزيع السلطة والثروة. لكن بعد 2011، تطورت الرؤية لدى عبد العزيز الحلو إلى اشتراط دستوري صلب: فصل صريح للدين عن الدولة على مستوى المركز، وإلا فالخيار الانفصالي. هنا تتحول العلمانية من إطار مواطنة جامعة إلى آلية ضمان دفاعية ضد الانتكاس الأسلمي الذي خبرته الحركة تاريخياً. المغزى أن علمانية الحركة الشعبية ليست فلسفة لائكية خالصة بقدر ما هي هندسة مؤسسية لإدارة نزاع هوية وقوة.
أربع قراءات لعلمانية الحركة الشعبية
يمكن النظر إليها كعقد أمان للأقليات والمناطق المهمّشة لحماية من احتكار التشريع باسم دين الأغلبية. كما تُطرح كرافعة تفاوضية لتعويض فجوة الثقة بعد تاريخ من العهود المنقوضة. وتُفهم أيضاً كآلية عدالة انتقالية مبكرة، إذ يتيح حياد الدولة دينياً تمهيد المساواة أمام القانون. كما تعمل كدرع ثقافي لتفكيك الاستعلاء العربي–الإسلامي الذي أنتج تدرجات في المواطنة. ونقطة الضعف الأساسية تكمن في الميل إلى التصلب الإجرائي بما قد يجمّد السياسة ويقلِّص الشرعية التداولية.
تقاطعات مع الحداثيين السودانيين
محمود محمد طه وعبد الله النعيم دفعا نحو علمنة الدولة من داخل مرجعية دينية متصالحة، حيث يفصلان الدولة عن الشريعة الملزمة. الاختلاف يكمن في أن الحركة تطلب تحصيناً دستورياً سريعاً، بينما يراهن طه والنعيم على تدرج معرفي–اجتماعي يغير قناعات الناس. حيدر إبراهيم، النور حمد، البقاري والبطحاني قدموا نقداً سوسيولوجياً للاستعلاء ولتمركز الدولة، متقاطعين مع الحركة في الدولة المدنية والاعتراف بالتنوع، لكنهم يفضلون توسيع الفضاء التداولي بدل تحصينه بنصوص قاطعة. أما محمد إبراهيم نقد والتيار اليساري السوداني، فالعلمنة لديهم ركن لبناء مواطنة طبقية–اجتماعية لا طائفية، متقاطعين مع الحركة في نزع القداسة عن الدولة، لكن الحركة تجعلها شرط سلم أهلي قبل أن تكون برنامجاً اقتصادياً.
إشكالية المواد فوق الدستورية
الحركة تسعى لتحصين الفصل بين الدين والدولة لاعتبارات أمن ثقة، لكن التحصين الصلد يصطدم بمبدأ الديمقراطية. البديل الأذكى يكمن في فصل دستوري صريح يمكن تعديله بأغلبية معززة واستفتاء شعبي، ومحكمة دستورية مستقلة متعددة التكوين، ولائحة حقوق أمم أو أقاليم فوقها تُبنى الفيدرالية مع حد أدنى للحريات الوطنية.
نموذج علمانية تعاقدية متعددة المستويات
يمكن اعتماد حياد تشريعي مركزي يمنع تأسيس القوانين على دين بعينه، وفيدرالية مع أرضية موحدة للحقوق، ومجلس استشاري للأديان والمعتقدات غير ملزم لتقديم توصيات توافقية، وقانون لحرية الدين ومنع خطاب الكراهية، إضافة إلى محو أمية مدنية عبر التعليم والإعلام لإقناع المجتمع لا قمعه.
لماذا لا تنجح قبضة اليد؟
تحويل العلمانية إلى هوية مضادة يعزز الاستقطاب، والنصوص المحصّنة بلا حواضن اجتماعية تولد ازدواج تشريعات وتعطيلاً إدارياً، كما تتجاهل أن التحول في السودان يمر عبر البنى القبلية والدينية الوسيطة لا فوقها.
خارطة طريق واقعية
يمكن الجمع بين المسار القانوني، عبر وثيقة حقوق راسخة وفصل دستوري صريح واستقلال القضاء، والمسار التفاوضي عبر إدراج العلمانية ضمن حزمة تسوية شاملة مع ضمانات إقليمية ودولية، والمسار الاجتماعي–الثقافي عبر تحالف مدني–ديني على فقه الحياد وتمكين الفنون والآداب لتمثيل التعدد.
علمانية الحركة الشعبية تكسب قوتها حين تُفهم كهندسة نزاع وعدالة مواطنة، وتفقدها حين تتحول إلى شعار هوية محصن فوق السياسة. التقاطع الأعمق مع تيارات الحداثة السودانية يظهر حين تُدار العلمانية كتعاقد اجتماعي تدريجي، بدستور محايد، وقضاء مستقل، وفيدرالية بحقوق موحدة، وتربية مدنية تُقنع لا تُقمع. بهذا يمكن الانتقال من قبضة يد إلى قابض مؤسسي على السلم الأهلي، ومن علمانية كشرط انفصال إلى علمانية كأفق عقد اجتماعي سوداني جديد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم