قتال كردفان… مختبر درب التفاوض

القتال الشرس في كردفان، خلال الأيام الفائتة، ليس مجرد معركة بين جيش وميليشيا. إنه اختبار لحدود الحياة والموت في السودان. إنه نبوءة دامية: إما أن يخرج البلد إلى طاولة سياسية محروسة بالتوازن العسكري، أو أن ينزلق أكثر في الهاوية؛ حيث لا تُبقي الحرب على شيء.
كردفان… الإقليم الذي ظلّ عبر التاريخ عقدة الوصل بين الشمال والغرب والوسط، صار اليوم مسرحاً للقتال الكبير بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع». مدن تتنفس برائحة البارود. قُرى تكتشف أن الأرض التي تُنبت الصمغ السوداني والنفط وتحتضن الثروة الحيوانية، قادرة أيضاً على أن تُنبت المقابر.
المعارك الطاحنة التي تدور حول الأُبيِّض وأم صميمة وأبو قعود ليست مجرد اشتباكات لاقتسام الحدود. إنها اختبار دموي لمن يملك أن يمد يده إلى الخرطوم غداً. الجيش يريد كردفان بوصفها درعاً يحمي العاصمة، وجسراً ينفتح نحو دارفور المحاصَرة. والدعم السريع تريدها خط دفاعٍ عن “إمبراطورية آل دقلو” اللصوص، ومجال تمدد جديد يضمن للمليشيا أن تفاوض من موقع المنتصر.
كل شيء في كردفان يبدو أثمن من أن يُترك للخصم:
حقول النفط التي تمدّ الخزائن الفارغة. الصمغ الذي يربط السودان بالعالم. الثروة الحيوانية التي هجرت المراعي. الطرق التي تنفتح على أم درمان وكوستي والفاشر. من يسيطر على هذه المفاصل، يضع يده على قلب السودان الاقتصادي والجغرافي معاً.
لكن الدماء المسفوكة تقول إن لا أحد قادر على الانتصار بسهولة. البلدات تتنقل بين العلمين. الفيديوهات تتناوب في منصات الحرب: هذا يُعلن النصر وذلك يُعلن الثأر. خلف الكاميرات، المقابر تكبر، والعائلات تُجرّ خلف عربات النزوح وأقداح الطعام الخاوية.
ومع ذلك، يقرأ المراقبون خلف سحب الدخان إشارات أخرى: كلما ارتفع منسوب النار، كلما اقترب ظل التسوية. كأن الطرفين يلهثان وراء نصر جزئي، لا لاحتلال الأرض فقط، بل لانتزاع ورقة إضافية على الطاولة. ففي الحروب الأهلية، السلاح هو اللغة التي تسبق الكلام السياسي.
لا ننسى أن كل ذلك كان استناداً إلى الدبلوماسية التي تحركت، أخيراً، في الممرات الموازية، حين جلس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مسعد بولس،
مع البرهان وحميدتي، كلٌّ على حدة. لقاءات سرية تُقرأ كأنها مقدمة لطبخة كبرى، أو بداية لسيناريو هدنة تعقب المجازر. أميركا تعرف أن أي تفاوض لا يُبنى على توازن ميداني هو مجرد حبر على ورق. لذا يُترك للمدافع أن تكتب الأسطر الأولى، ثم يجلس الوسطاء لصياغة النهاية المؤقتة.
كردفان اليوم ليست مجرد جغرافيا ملتهبة. إنها مختبرٌ لمستقبل السودان. من ينتصر فيها يقترب من العاصمة، ومن يخسرها يكتشف أن حلمه السياسي صار أبعد من الخرطوم. وبين المطرقة والسندان، يدفع المدنيون الثمن: أرضهم تحوّلت إلى رهينة في مساومة لم يُستشَاروا فيها.
القتال في كردفان إذن ليس نهاية الحرب، بل ربما بداية الطريق نحو مفاوضات تُهيئ لحلٍّ سياسي. لكن أي حل يولد من رحم الدماء سيحمل في داخله بذور حرب أخرى. فالسودان يتأرجح اليوم بين معادلتين: طاولة المفاوضات… أو اتساع رقعة المقابر.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …