شاع في الآونة الاخيرة وفي المرحلة الراهنة من الصراع القانوني/ النقابي حول نقابة المحامين ، إستخدام عبارة “النقيب المكلّف” من قبل بعض الفئات السياسية من المحامين، للإشارة إلى من جعلوه يتولى مهام نقيب المحامين (بغير انتخاب أو سند صحيح من القانون). وقد وجدت أن وصف “مكلف” هذا ، يثير أسئلة وإشكالات قانونية حول مدى مشروعيته، وعما إذا كان له سند في نصوص قانون المحاماة السوداني، أم أنه مجرد إصطلاح عملي تم توظيفه كأداة في الصراع السياسي حول النقابة ، ولا أصل له لا في قانون المحاماة ولا في إرث الممارسة النقابية للمحامين.
فبمراجعة متأنية لنصوص قانون المحاماة لسنة ١٩٨٣ تعديل ٢٠١٤، والنظام الأساسي لنقابة المحامين السودانيين والقوانين ذات الصلة، يتضح أنها تخلو تماما من أي نص يُنشئ منصباً أو صفةً تسمى “النقيب المكلّف”.
ولذلك تصبح عبارة “النقيب المكلّف” مجرد اصطلاح إعلامي أو سياسي ، ولا يترتب عليها أي أثر أو مدلول قانوني من شأنه أن يعالج ما قد يطرأ من اشكالات تنظيمية او عقبات عملية تحول دون قيام النقيب باعباء منصبه، طبقا لأحكام قانون المحاماة ١٩٨٣ تعديل ٢٠١٤، والنظام الأساسى لنقابة المحامين السودانيين الملحق به.
ولو تفحصنا التتظيم الإدارى السائد لتصريف شؤون النقابة، حسب النظام الأساسي لنقابة المحامين السودانيين، لوجدنا أن من ينوب عن النقيب عند غيابه أو في حالة عجزه عن تصريف مهام منصبه، هو الوكيل او الأمين العام للنقابة، طبقا للشروط والحالات التي يحددها النظام الأساسى المذكور.
ولكننا نلاحظ أن الذين يستخدمون هذه العبارة لم يجعلوا من غياب النقيب أو عجزه عن القيام باعبائه سبباً او مبرراً لإستخدام اللفظ. وذلك، في اعتقادي، لقناعتهم وإدراكهم اليقيني أن النقابة و”نقيبها الاصيل” قد إنقضت ولاياتها بانتهاء دورتها الإنتخابية في ٢٠٢١.
ولعل ما تميزت به الفترة من ٢٠٢١ الي نهاية ٢٠٢٣ من استقطاب سياسي حاد وتوالد للصراعات الحزبية والنقابية وغياب التشريعات المواكبة لتطلعات ومتطلبات الثورة وعدم استقرار الاحكام القضائية وغيرها من المؤثرات. التي ساهمت كلها ليس في ان تتبدل قناعة بعض القوي السياسية بإنقضاء الدورة الإنتخابية للنقابة فحسب، بل هيأت لها فرصة نادرة للتخيط والعمل على إعادة الحياة للنقابة المنتهية دورتها الإنتخابية بأي حال، تبدأ ببث دماء “شرعية منتحلة ” في شرايينها !! ومن هنا نشأت فكرة التكليف. وجاء لفظ “النقيب المكلف”.
الا أنه، مما يثير الحيرة و التساؤل في هذا الصدد، كيف جاز لهذا التكليف ، الذي لا يسنده قانون، أن يقتصر علي النقيب وحده ، دون أن يتعداه ليشمل النقابة بأثرها، سيما وأن النقابة ونقيبها المكلف قد نشأوا من ذات النطفة وفي نفس الوقت والظروف، وخرجوا من ذات الرحم.
لم أجد ما يزيل تلك الحيرة او يجيب على ذلك التساؤل فيمنعني من أن استخلص أن إستعمال مسمي “نقيب مكلف”، في هذه الحالة، كانت احدى أدوات الصراع السياسي (اللفظية ) حول نقابة المحامين، وإقحاما متعمدا لمصطلح غامض في التنظيم الإدارى والقانوني للبنية النقابية.
اكثر من ذلك ، أرى أن إستخدام لفظ “النقيب المكلف” في السياق الذي نتحدث عنه، يشير إلى تحوط إستباقي (من مستخدميه) يسعى لإخفاء خلل أو قصور يشوب الوقائع التي دعت إلى إبتداع ذلك اللفظ او تلك العبارة، فضلاً عن أنه يعضد الإيحاء (للسامع) بأن اللفظ قد استوفى الحد الأدنى من “المشروعية” التي تجيز الإمتثال له، وتبرر التعامل معه كأمر واقع.
وحتى تتضح ملامح التنظيم الاداري او الداخلي لنقابة المحامين، من المفيد أن اشير إلى أن النظام الاساسي لنقابة المحامين السودانيين يتسم بمرونة وفطنة لا تجعلان من غياب النقيب أو خلو منصبه سببا في تعطيل تصريف شؤون ومسؤوليات النقابة. فالمادة (١) من الفصل الأول للباب الثالث من النظام الأساسي نصت على أن :
“يتولى إدارة شؤون النقابة مجلس مكون من النقيب وعشرين عضوا على أن يكون ثلاثه منهم على الأقل ممن إشتغلوا بمهنة المحاماة مدة لا تقل عن سبع سنوات.”
كما ينص الفصل الثامن من الباب الثالث تحت عنوان إختصاصات النقيب والوكيل والأمين العام علي ما يلي:
“علاوه على ما نُص عليه في قانون المحاماة أو أى قانون آخر يختص النقيب والوكيل والأمين العام بالآتي :
أ. تمثيل النقابة أمام الجهات القضائية والإدارية وتفويض غيره من أعضاء المجلس بذات الشأن.
ب. التوقيع على العقود التي يبرمها المجلس.
وجاء أيضا في الفصل الثامن من نفس الباب ، وتحت عنوان إختصاصات الوكيل :
١. يباشر الوكيل إختصاصات النقيب عند غيابه أو خلو منصبه.
٢. أي إختصاصات يخوله إياها المجلس أو النقيب.
وكما ترى فإن غياب النقيب أو خلو منصبه لم يكن ليتطلب إبتكار مسمى أو لفظ جديد نصبغه على من يقوم بأعمال النقيب، حتى يحول دون تعطيل أو اضطراب شؤون النقابة بسبب الغياب أو خلو المنصب .
وهنا يتأكد لنا أن اللفظ إنما أُستحدث ليناسب حالة نقيب لم ينتخبه المحامون أو تُعَيِّنه سلطة مختصة، ولكن يُراد له أن يمضي قُدما في إنتزاع إعتراف بوجوده بكافة السبل والوسائل.
أخلص إلى القول بأنه، إذاكان هنالك ثمة ثأثير لإستخدام هذا اللفظ أو المسمى يتعين التحذير منه والإنتباه إليه، فهو تأثير الإيعاز والإيحاء بوجود جهة ما، تملك الحق و/أو السلطة لتكليف احد المحامين ليكون “نقيبا مكلفا” أو أن تُعَيِّنَه في منصب جديد غير منصوص عليه في قانون المحاماة أو النظام الأساسى، مما قد يخلق توهما ، – (لغير المتبصرين) – ، بشرعية منصب ” النقيب المكلف”، وبالنتيجة التسليم بالقرارات التي تصدر بذلك المسمى. بيد أن هذا لا يعدو أن يكون إلا إستثمارا لجهل الآخرين أو خداعا للذات، وكلاهما لن يمكث طويلا.
عبدالله أحمد عبدالرحمن المحامي.
abdalla.alkaab@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم