هَلْ تَكُونُ جِنيْف مِنَصَّةَ إطْلَاق مِرْفَقِ التِعاِفِي فِي السُوْدَان؟

هَلْ تَكُونُ جِنيْف مِنَصَّةَ إطْلَاق مِرْفَقِ التِعاِفِي فِي السُوْدَان؟
Could Geneva Be a Platform for Launching Sudan Recovery Facility?
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
يواجه السودان واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في عصرنا. فقد نزح الملايين بسبب القتال، وانهارت الخدمات الأساسية، وتهدَّم الاقتصاد. وتضطر العائلات يومياً للاختيار بين الجوع والمرض والفرار. والمنظمات الإغاثية الدولية تعمل بما يفوق طاقتها، فيما تظل النداءات الإنسانية ممولة بشكل ناقص، وسط عالم مشتت بانشغالاته بأزمات أخرى.
في هذا المشهد القاتم، بات واضحاً أن السودان يحتاج إلى ما هو أكثر من الإغاثة الطارئة. يحتاج إلى جسر يربط بين إنقاذ الأرواح اليوم وإعادة بناء الأسس غداً. وهنا يمكن أن يُحْدِثَ مِرْفَقُ التعافي في السودان (Sudan Recovery Facility SRF) فارقاً حاسماً. ومن المهم التأكيد أن هذا المرفق لا علاقة له ببرامج التركيز الاقتصادي لصندوق النقد الدولي، بل هو آلية إنسانية وتعافٍ، محايدة، ومحصنة، تهدف إلى استعادة العِزَّة والقدرة على الصمود للأسر السودانية.

  1. خُرَافَةُ الاعتماد فقط على الموارد المحلية
    يرى بعض السودانيين أن السودان قادر على تمويل احتياجاته الإنسانية، وإعادة إعماره دون الحاجة لدعم خارجي. وهذا شعور مفهوم من منطلق الرغبة في الاستقلالية. غير أن الحقائق ترسم صورة مغايرة تماماً.
    فبحسب تقرير البنك الدولي عن الاقتصاد السوداني (مايو 2025)، وتقرير البنك الإفريقي للتنمية الموجه نحو السودان (يونيو 2025)، فإن الحرب قد دمرت قدرة السودان على تعبئة موارده المحلية. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 30% في 2023، وبنسبة إضافية 13% في 2024. وبلغ التضخم 170%، فيما تجاوزت البطالة 47%، وتراجعت الإيرادات الحكومية إلى نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي.
    وحتى قبل الحرب، كان النظام الضريبي في السودان يجمع أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي، أي نحو ربع طاقته الممكنة. وكانت إعانات الوقود والقمح تلتهم ما يقارب 50% من الموازنة العامة، بينما تجاوزت متأخرات الديون 250% من الناتج المحلي الإجمالي. أما الزراعة، وهي العمود الفقري للمعيشة والأمن الغذائي، فقد دمرها النزاع، حيث تراجعت المحاصيل الرئيسية بنسبة تتراوح بين 42% و64%، وتلفت أنظمة الري، وانقطعت سلاسل الإمداد. وبالتالي فإن مجرَّد فكرة التعافي الذاتي للسودان تبقى وهماً إشتهائيَّاً مأساوياً.
  2. لماذا يجب أن تتفاعل جنيف؟
    تشكل المحادثات المقبلة في جنيف، سواء جاءت تحت عنوان المفاوضات السياسية أو التعهدات الإنسانية أو التخطيط للانتقال، إحدى المنصات الدولية النادرة التي تلتقي فيها المسارات الجوهرية الثلاثة للسودان: الإنساني والسياسي الإعماري. وعليه فإن وضع مرفق التعافي في السودان (SRF) على جدول الأعمال يمكن أن يحقق أهدافاً أساسية:
  3. منح المدنيين صوتاً من خلال دفع أولوية إنسانية غير مرتبطة بأي طرف.
  4. توفير آلية محايدة ومنظمة للمانحين. فالكثيرون يترددون في تمويل أطراف سياسية مباشرة، لكنهم قد يكونون مستعدين للإسهام في مرفق إقليمي محايد.
  5. ربط الإغاثة بالانتقال السياسي، عبر إظهار أن التعافي ممكن الآن مع التمهيد لمرحلة ما بعد قيام حكومة مدنية انتقالية.
  6. إرسال إشارة بالاستعجال: فبدون مثل هذا المرفق، قد ينزلق السودان إلى حالة طوارئ ممتدة بلا أفق للتعافي.
  7. ضرورة إنسانية تتجاوز الإغاثة
    صحيح أن عمليات الإغاثة تنقذ الأرواح، لكنها عاجزة عن وقف التدهور البطيء لمدن وقرى السودان. فشبكات المياه معطلة، والمراكز الصحية مدمرة، والمدارس مغلقة، والأسواق مشلولة بفعل غياب الكهرباء والطرق والائتمان. وإذا لم تُلبَّ احتياجات التعافي، فلن تجد الأسر النازحة مجتمعات لتعود إليها، وسيتعمق الاعتماد على المساعدات.
    لقد صُمم مرفق التعافي في السودان (SRF) خصيصاً لسد هذه الفجوة الإنسانية. فهو لن ينتظر اتفاق سلام أو برامج إعفاء من الديون عبر مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، بل سيوفر دعماً فورياً ومحايداً وخاضعاً للمساءلة يشمل إعادة الخدمات الأساسية، وحماية الفئات الأضعف، وإنعاش سبل العيش المحلية.
  8. ما الذي يُميِّز المِرْفَق؟
    على خلاف قنوات المساعدات المجزأة، سيكون مِرْفَق التعافي في السودان (SRF) محايداً، ومرتكزاً إقليمياً، ومداراً باحترافية على النحو التالي:
    • الإشراف (Oversight): من قبل الاتحاد الإفريقي (AU) والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) وجامعة الدول العربية (LAS)، مع دعم فني من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
    • الوصاية (Trusteeship): عبر البنك الإفريقي للتنمية و/أو البنك الدولي لضمان الضوابط المالية.
    • المساءلة (Accountability): من خلال مراقبة مستقلة، وآليات شكاوى، ومراجعات سنوية علنية.
    وُيشَار إلى أن هذا النموذج يجمع بين الشرعية الإقليمية والاحترافية الدولية، بما يضمن الثقة والشفافية.
  9. نافذتان للدعم
  10. التعافي والخدمات الأساسية: إصلاح شبكات المياه، والمراكز الصحية، والمدارس، والأسواق؛ توفير برامج النقد مقابل العمل، وإنعاش المشروعات الصغيرة، وخدمات الحماية خاصة للنساء والأطفال.
  11. التعافي والاستعداد المؤسسي: دعم السلطات المحلية لإدارة الأموال بشفافية، وإعادة بناء الخدمات العامة، تمهيداً لمرحلة انتقالية بقيادة مدنية.
  12. ارتكاز على الأدلة
    سيسترشد مِرْفَق التعافي في السودان (SRF) بأدوات تقييمات التعافي وبناء السلام Recovery and Peacebuilding Assessments (RPBAs) وتقييمات ما بعد الكوارث Post-Disaster Needs Assessments (PDNAs)، وهي أطر مجرّبة تضمن أن يوجَّه كل دولار نحو احتياجات حقيقية تحددها المجتمعات نفسها بالشراكة مع المؤسسات الدولية.
  13. نتائج ملموسة
    خلال أول ثلاث سنوات، يمكن للمرفق أن:
    • يعيد الخدمات الأساسية لمليون شخص.
    • يوفر سبل العيش لـ 150 ألف أسرة.
    • يدعم 10 سلطات محلية في تبني ممارسات مالية شفافة.
    ويقدر خط التمويل الأولي للعام الأول بنحو 350 مليون دولار لإعادة تأهيل المراكز الصحية وشبكات المياه، وتمويل برامج سبل العيش، وإنعاش الزراعة، وبناء القدرات المؤسسية.
  14. مِرْفَق يمتد عبر المرحلة الانتقالية
    لا يشكل مِرْفَق التعافي في السودان (SRF) بديلاً عن التسوية السياسية التي تعقب وقف إطلاق النار، بل هو مكمِّل منقذ للحياة إلى جانب المساعدات الإنسانية، وصُمم ليُبقِي السودانيين أحياء وقادرين على الصمود حتى يحين السلام. وبمجرد تشكيل حكومة انتقالية مدنية ذلت مصداقية ومشروعية وطنية ودولية، يمكن للمرفق توسيع نشاطه عبر نافذة ثانية لتمويل إصلاحات الحكم وبناء المؤسسات.
  15. نداء الضمير
    لن تنتهي معاناة السودانيين بين عشية وضحاها. لكن التقاعس ليس خياراً. فبدون وقف إطلاق النار سيصعب التعافي، وبدون التعافي، ستتفاقم الاحتياجات الإنسانية، وسيتعمق النزوح، وسيتلاشى حلم إعادة البناء.
    إن مِرْفَق التعافي في السودان (SRF) سيقدم حلاً عملياً ومحايداً، ومرتبطاً إقليمياً ودولياً، وطريقاً للعمل الآن، ليس فقط لإنقاذ الأرواح، بل لإعادة التفاؤل. فالتعافي ليس شططاً سياسياً، التعافي بقاء السودان والسودانيين على قيد الحياة.

melshibly@hotmailcom

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor