القراءة بين الثقافة والتربية

لم تعد القراءة اليوم مرتبطة بالكتاب الورقي وحده كما عرفناه لعقود طويلة، بل بات المشهد الثقافي يعيش حالة تحول متسارع نحو الرقمنة. هذا التحول يثير تساؤلات عميقة حول علاقة الإنسان بالكتاب، وحول مستقبل الثقافة والمعرفة في زمن الأجهزة الذكية.

بعد ما يقارب العشرين عاماً من الخبرة في مجال علوم المعلومات والمكتبات، قضيتها بين أروقة الجامعات والمكتبات الخاصة، أجد نفسي أمام مشهد متغير جذرياً في علاقة الناس بالقراءة. فقد تحول كثير من القراء إلى الاعتماد على الأجهزة اللوحية ومصادر المعلومات الإلكترونية، في مقابل عزوف متزايد عن الكتب والدوريات الورقية التي كانت في الماضي الرفيق الأول لكل باحث وقارئ.

هذا التحول ليس محلياً أو إقليمياً فحسب، بل هو توجه عالمي واسع الانتشار، يتبناه جيل جديد نشأ في بيئة رقمية بحتة، من أجيال ألفا وبيتا و Z و Y ، جيل وُلد والهاتف الذكي أو الجهاز اللوحي بين يديه، فصار التعامل مع النصوص الإلكترونية بالنسبة له بديهية، بل ومفضلة أحياناً على الكتاب الورقي. لكن، ومن خلال متابعاتي وتجربتي في الغرب، بدا لي أن المعادلة ليست مطلقة ولا خطية. فما زالت المكتبات العامة هناك تشهد إقبالاً ملحوظاً، ولا يزال كثير من الناس يقرأون الكتب الورقية أثناء التنقل في القطارات والباصات، أو في أوقات الانتظار بالمطارات والمحطات. إن القراءة الورقية لم تختفِ تماماً، بل وجدت لنفسها مساحة من التوازن بجانب القراءة الرقمية، مما يدل على أن المسألة أعمق من مجرد تكنولوجيا متاحة.

إذن، يمكن القول إن القضية في جوهرها ترتبط بثقافة الشعوب وطرق التربية والتعلم منذ الصغر. فحين يُربى الطفل على حب الكتاب، وتُغرس في داخله قيمة القراءة الورقية كطقس ثقافي ومعرفي، فإنه يحتفظ بتلك العلاقة حتى مع وجود البدائل الرقمية. أما حين تكون التربية محصورة في الوسائل الإلكترونية، فإن الكتاب الورقي يفقد حضوره تدريجياً في وعي الجيل.

وبين هذا وذاك، يظل السؤال مطروحاً: هل المستقبل للكتاب الورقي الذي يحمله القارئ بين يديه ويتفاعل معه بالحواس، أم للكتاب الإلكتروني الذي يرافقه بخفة وسرعة في أي مكان؟ ربما لا تكون الإجابة في تفضيل أحدهما على الآخر، بل في القدرة على خلق توازن واعٍ بينهما، بحيث نحافظ على عمق التجربة الورقية، ونستفيد في الوقت ذاته من سرعة ومرونة المصادر الرقمية. مستقبل القراءة لا ينبغي أن يكون معركة بين الورق والرقمنة، بل فرصة لصياغة نموذج تكاملي يعزز من قيمة الثقافة والمعرفة ويجعلها أكثر شمولاً وتنوعاً.

samir.alawad@gmail.com

د. سامر عوض حسين

عن سامر عوض حسين

سامر عوض حسين

شاهد أيضاً

التهيئة النفسية للسلام

السلام ليس مجرد اتفاق سياسي أو هدنة مؤقتة تُوقّع بين أطراف متنازعة، بل هو حالة …