توكفيل و جون إستيورت ميل و الإقتصادي ابراهيم البدوي و المؤرخ التقليدي عبد الله علي ابراهيم و مفهوم الميل الحدي للحرية

أجمل ما قدمه توكفيل من فكر هو حديثه عن الميل الطبيعي للفرد نحو الحرية و هذه الملاحظة جعلته يفكر دوما في كيفية تجاوز النظم السياسية القديمة أي ما قبل الثورة الفرنسية. و كذلك فكّر مليئا في كيفية تجاوز عنف الثورة و كيفية الإنتقال الى نظام سياسي جديد تكون فيه السلطة مصدرها الشعب و هنا يختلف فكر توكفيل عن فكر جون إستيورت ميل الذي يتحدث عن ديمقراطية النخب.

كانت هناك مراسلات بين توكفيل كسياسي و فيلسوف فرنسي مع جون إستيورت ميل الإنجليزي و هناك كثر يظنون أن مراسلات توكفيل قد أثّرت و أثرت فكر جون إستيورت ميل إلا أن هناك ملاحظات من قبل نقاد يرون أن جون إستيورت ميل قبل مراسلاته مع توكفيل كان مولع بالحرية لذلك كانت مراسلاته مع توكفيل تجسد رسائل المتكمن من مشروعه الفكري و لا خلاف بينهما إلا فيما كان متعلق بمصدر السلطة هو الشعب عند توكفيل و أن الديمقراطية نتاج فكر النخب عند جون إستيورت ميل.

مراسلات توكفيل و جون إستيورت ميل توضح لنا أن المفكرين يستفيدون من أفكار بعضهم البعض و لا حرج في أن يستفيد جون إستورت ميل من أفكار توكفيل و يطور فكره فيما يتعلق بالحرية و العدالة و يذكر أن جون إستيورت ميل قد تحدث عن أن توكفيل يعتبر أول من تحدث عن مفهوم الديمقراطية الليبرالية المعاصرة و هذا وحده يجعل جون إستيورت ميل في مقام توكفيل لأنه قد أدرك أن توكفيل كعالم إجتماع يعتبر أول من تحدث عن الديمقراطية الليبرالية بمعناها المعاصر.

و الذي يهمنا هنا رأي توكفيل في كيفية ترسيخ فكرة التنمية السياسية و كان حديثه عن مفهوم التنمية السياسية متقدم جدا و سابق للحديث عن التنمية الإقتصادية بما يقارب القرن لذلك كان توكفيل يرى بعين عالم الإجتماع بعد أن خلع و أبعد روح القانوني التقليدي و توشح بوشاح عالم الإجتماع و حديثه عن التنمية السياسية يعتبر حديث عن السياسة و المجتمع و قطعا في حديثه عن السياسة و المجتمع يقصد الحديث عن الإقتصاد و المجتمع و هنا تظهر عبقرية توكفيل في أنه في سبيل تشريح ظاهرة المجتمع البشري قدّم السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني على القانوني التقليدي.

و توكفيل في حديثه عن التنمية السياسية يقصد به حديثه عن العدالة الإجتماعية و فكرة المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد و هذا بعد غائب وسط النخب السودانية و هي تعتقد أن الفكر الليبرالي فكر رميم في مقابل الفكر الإشتراكي الذي لا يفتح الا على الشموليات و الدكتوريات و من هنا تأتي دعوتنا للنخب السودانية بأن تهتم بالفكر الليبرالي و هو فكر يحقق العدالة الإجتماعية و قد أثبتت مسيرته بأنه الأنجح في خلق الثروة و الأقدر على طرح فلسفة إعادة توزيع الدخل بشكل يضمن التوازن الإقتصادي و التوازن الإجتماعي

و كذلك بفكرة الإقتصاد و المجتمع عند توكفيل يتقدم الإقتصادي و يكون بجانب السياسي المتقدم على القانوني التقليدي و توكفيل عندما يتحدث عن فكرة الشرط الإنساني التي يجسدها السياسي المتقدم على القانوني التقليدي يوضح بأنه نظر الى ظاهرة المجتمع البشري بعين عالم الإجتماع الذي أول ما يشغله أن الفرد في صراعه مع المجتمع تشغله فكرة المساواة الكاملة مع الآخرين.

و بالتالي عندما يطمئن أي الفرد لمساواته مع الآخريين تسير حياته وفقا لمعادلة الحرية و العدالة و عليه يكون عند توكفيل قد تجاوزنا النظام السياسي القديم أي ما قبل الثورة الفرنسية حيث اللا مساواة بين أفراد الشعب.

يتحدث توكفيل عن تجاوز النظام السياسي القديم في زمانه كما نتحدث الآن في السودان عن تحول ديمقراطي يحقق معادلة الحرية و العدالة و للتنبيه هنا تبرز أهمية السياسيين و الإقتصاديين كمفكريين و ناظريين بعين عالم الإجتماع و ليس كما يعتقد عندنا في السودان في تقدم القانوني التقليدي على السياسي و الإقتصادي و حديثنا عن فكر توكفيل و دوره في تجاوز النظام السياسي القديم لأنه يعتبر تراث إنساني و الإستفادة منه لا تعتبر نوع من الإستلاب الثقافي كما يعتقد الإمام الصادق المهدي و هو في جهود الفكرية أقرب لرجل الدين من السياسي المعاصر.

و قولنا أن توكفيل يقدم السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و يتبعه بالإقتصادي المدرك لفكرة الإقتصاد و المجتمع و الإثنيين السياسي و الإقتصادي يتقدمان على القانوني التقليدي و هنا نذّكر النخب السودانية بخيبة القانوني التقليدي السوداني و وثيقته التي إرتضت بالشراكة مع العسكر.

و بالتالي تعثرت ثورة ديسمبر و سقطت في ظلام جهل العسكر و حربهم العبثية و السبب يكمن في تقدم القانوني التقليدي في السودان و تقدم القانوني التقليدي سببه غياب السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و الإقتصادي الرائي بعين عالم الإجتماع كما رأينا فكرة الإقتصاد و المجتمع عند ماكس فيبر كعالم إجتماع و إقتصادي و مؤرخ غير تقليدي.

المهم في الأمر قصدت بمراسلات توكفيل مع جون إستيورت ميل أن أوضح أهمية الفلاسفة و علماء الإجتماع و السياسيين و الإقتصاديين و مواجهاتهم للمشكل السياسي و الإجتماعي و دورهم كأفراد في التفكير العميق لمجابهة مشاكل مجتمعاتهم في ظل التحولات الكبرى و هذا ما قام به توكفيل في ملاحظاته بأن القارة الأوروبية العجوز عجزت أن تحقق تحول نحو الديمقراطية كما حققته أمريكا و قدم توكفيل أفكاره في كتابه الديمقراطية في أمريكا. و في نفس اللحظة كان جون إستيورت ميل يتحدث عن الحرية و هي عند توكفيل ميل طبيعي لدي الفرد نحو الحرية و لهذا قدم كل من توكفيل و جون إستيورت ميل أفكارهما عن الحرية كميل طبيعي عند الفرد و نتيجته تسوق كل المعادلات السلوكية للفرد و من هنا تأتي أهمية معادلة الحرية و العدالة.

و بالتالي تأتي أهمية الديمقراطيةالليبرالية فعند جون إستيورت ميل أن الديمقراطية ميل طبيعي لنتاج فكر النخب و عند توكفيل مصدرها الشعب لذلك تحدث توكفيل عن التنمية السياسية و المضحك المحزن لا يتحرك المفكريين السياسيين السودانيين كما فعل كل من توكفيل و جون أستيورت في بلديهما بل نجد أن النخب السودانية لا يظهر من بينهم مفكر أو عالم إجتماع منفرد يقدم فكره كما قدم توكفيل و جون إستيورت ميل فكرهما بل يتحركون بشكل جماعي مثل أساتذة جامعة الخرطوم أو الشيوعيين السودانيين أو نقابة كذا و يتخفون خلف قناع العمل الجماعي. لذلك غاب الفيلسوف و عالم الإجتماع و السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و طال إنتظاره في ساحات الفكر السودانية.

الإستثناء الوحيد من بين النخب السودانية هو الدكتور عبد الله النعيم و نقول عن إستثناء الدكتور عبد الله النعيم لأنه تحدث بشكل واضح عن العلمانية و فصل الدين عن الدولة و الفكر الليبرالي بلا لجلجة. و قد تحدثت عن جهود الدكتور عبد الله النعيم الفكرية في مقالات سابقة و قلت أن الدكتور عبد الله النعيم في حديثه عن العلمانية و فصل الدين عن الدولة و الديمقراطية الليبرالية حديث و فكر عالم الإجتماع الذي قد تخلص من ظلال القانوني التقليدي.

و ضربت مثلا بعلم إجتماع منتسكيو و قصدت أن منتسكيو في روح القوانيين يتقدم عنده فكر عالم الإجتماع على فكر القانوني التقليدي و هذا ما جسده عبد الله النعيم في حديثه عن المجتمع و فصل الدين عن الدولة و العلمانية و الديمقراطية الليبرالية.

و أضيف أيضا أن فكر الدكتور عبد الله النعيم أيضا يشبه فكر توكفيل و وجه الشبه بينهما أن توكفيل كعبد الله النعيم عندما تحدث عن أن الديمقراطية الليبرالية ليست نظام حكم فحسب بل فلسفة لترسيخ فكرة العيش المشترك و تحقيق المساواة و هي قد أصبحت بديلا للفكر الديني و قبلها قد تخلص توكفيل من فكره كقانوني تقليدي و نظر للمجتمع بعين عالم الإجتماع و هذا ما جعلني أن أقول و أنا مطمئن بأن الدكتور عبد الله النعيم سوف تدرك الأجيال القادمة من جهة المستقبل أنه عالم إجتماع و هو الوحيد من بين النخب السودانية يفكر بشكل منفرد و ليس وسط الجوقة و هذا يجعله مفكر يقدم فكره منفرد كما فعل توكفيل في تقديمه لفكره بروح المسؤولية الأخلاقية و دليلنا على أن الدكتور عبد الله النعيم يفكر بشكل منفرد و لا تقيده الجوقة نجده قد إمتاز و تميز حتى بين زملاءه الجمهوريين و وصل بالفكرة الجمهورية الى نهاية الشوط و قد أوصلته لفكرة العلمانية و فصل الدين عن الدولة.

و للتوضيح أكثر أن توكفيل في حديثه عن معادلة الحرية و العدالة كان حديث و فكر عالم الإجتماع و ليس فكر القانوني التقليدي. و بالمناسبة مفهوم العدالة عند علماء الإجتماع يختلف عن مفهوم العدالة عند القانوني التقليدي السوداني و هذا مهم جدا مثلا أن توكفيل قدم مفهوم العلاقة العكسية و ليست الطردية بين الحرية و العدالة فكلما إزدادت مستويات الحرية كلما قلت مستويات العدالة و كلما زادت مستويات العدالة قلت مستويات الحرية و لهذا ننبه النخب السودانية بأن مفهوم العدالة عند علماء الإجتماع هو الذي يجسد روح المجتمع المعاصر أي مجتمع الحريات و ليس مفهوم أغلب النخب السودانية عن مفهوم العدالة كما هي في نظر القانوني التقليدي السوداني.

نرجع لعنوان المقال و ما تبقى منه بعد حديثنا عن توكفيل و جون إستيورت ميل و سبب إضافة كل من الدكتور ابراهيم البدوي كإقتصادي و عبد الله علي ابراهيم كمؤرخ تقليدي هو ظهور مقاليهما في يوم واحد في سودانيال مقال دكتور ابراهيم البدوي بعنوان العقد الإجتماعي من منظور” التأصيل التقدمي” للإمام الصادق المهدي و مقال الدكتور عبد الله علي ابراهيم بعنوان عصر ما بعد الليبرالية:المتغطي بالعالم عريان.

لا أشك لحظة واحدة في أن دكتور ابراهيم البدوي يفهم مفهوم الميل الحدي للحرية كمقابل لمفهوم الميل الطبيعي للحرية عند توكفيل و مفهوم الميل الحدي عند الإقتصاديين من أهم أركان أدب الفكر الإقتصادي و لكن ما لم أستطع فهمه إعتقاد الدكتور ابراهيم البدوي في فكر الصادق المهدي و هو فكر رجل دين أبعد ما يكون عن مفهوم السياسي المعاصر.

و بالتالي لم يخرج الدكتور ابراهيم البدوي من كساد النخب السودانية الفكري رغم أن علم الإقتصاد كان من المفترض أن يكون له رافعة ترفعه من وحل الفكر الديني إلا أنه في حديثه عن العقد الإجتماعي عند الصادق المهدي قد أكد بأن ابراهيم البدوي لم يفارق دائرة النخب السودانية في إجادتها للترقيع و لكي يأمّن موقفة فقد جعل من فكر الصادق المهدي الديني درع واقي بل كان يرى في كل من ينادي بالفكر الغربي فهو مستلب ثقافيا و هنا يتضح لنا أن ابراهيم البدوي لم يصل بعد الى مستوى السياسي المدرك لفكرة الشرط الأنساني و إلا لما تحدث في مقاله السابق لمقاله الذي أتحدث عنه الآن عن العقد الإجتماعي عند هوبز و جون لوك و روسو و شتان ما بين الصادق المهدي و فكره و فكر جون لوك و روسو و هوبز.

و بعد كل هذا هل تستغرب في فشل ثورة ديسمبر و حكومتها الإنتقالية و فيها ابراهيم البدوي وزير إقتصاد بظلال فكر عقد الصادق المهدي الإجتماعي؟ ما أبعد الفرقة بين نهرو و ابراهيم البدوي نهرو قد أختار للهند الديمقراطية و العلمانية و التقنية الحديثة فهل كان مستلب ثقافيا للثقافة الغربية؟

بالمناسبة كان ابراهيم البدوي إضافة لإرتكازه على فكر الصادق المهدي فهو أيضا متغطي بكساد فكر النخب السودانية ففي إشادته بعقد الصادق المهدي لا يختلف فكره عن فكر عبد الخالق محجوب و هو يبحث عن دور للدين في السياسة و لا يختلف فكر ابراهيم البدوي عن فكر محمد ابراهيم نقد في حوار حول الدولة المدنية و في خروجه بعلمانية محابية للأديان و هي لا تختلف عن إنكسار ابراهيم البدوي أمام عقد الإمام الصادق المهدي.

أضف الى رصيد ابراهيم البدوي الذي يجعله يسرف في محاباته للعقد الإجتماعي للصادق المهدي فهل إختلف ابراهيم البدوي في إشادته بعقد الصادق المهدي عن فكر الدكتور النور حمد في لقاء نيروبي و حديثه عن المؤالفة بين العلمانية و الدين؟ و يمكنك أن تضيف المساومة التاريخية بين يسار سوداني رث و يمين غارق في وحل الفكر الديني.

و من هنا نقول للدكتور ابراهيم البدوي الأكيد بأنه لا يوجد إستلاب ثقافي لدي من يقف في وجه عقد الصادق المهدي الذي لا يريد أن يقتنع بأننا في زمن الحداثة التي قد قضت على جلالة السلطة و قداسة المقدس و إذا أكدها الصادق المهدي فلم يبقى له مجد لذلك نقول لابراهيم البدوي ذكرك لعقد الصادق المهدي لا يخرجك من دائرة هل غادر الشعراء من متردم.

على أي حال لا يوجد إستلاب ثقافي كما يقول داريوش شايغان لأن الحداثة واحدة و لا توجد غير الحضارة الغربية التي قد أحرجت الحضارات التقليدية و الحضارة العربية الإسلامية التقليدية من ضمن الحضارات التقليدية و لم تحضر أعراس الحداثة أما مقال عبد الله علي ابراهيم عصر ما بعد الليبرالية فهو يدل على أن الرجل لم يفهم معنى الميل الحدي للحرية عند الفرد و منه يتحدد مفهوم العقلانية و الأخلاق في ظل إنسانية تاريخية قد توج تاريخها بالتاريخ المفتوح على اللا نهاية.

taheromer86@yahoo.com

عن طاهر عمر

طاهر عمر

شاهد أيضاً

الصراع بين المهدي و العلماء الدكتور عبد الله علي ابراهيم و اللا مفكر فيه

طاهر عمرtaheromer86@yahoo.com كتاب عبد الله علي ابراهيم الصراع بين المهدي و العلماء كتاب يجد إحتفاء …