الخُرْطُوْمُ ونِيَالَا أمْ حَلَايِبٌ وَشَلَاتِيْن: القَلْبُ وَالأحْشَاءُ أمْ الشَعْرُ والأظَافِرُ؟
Khartoum and Niyala or Halayeb and Shalateen:
Heart and Entrails or Hair and Nails?
بروفيسور/ مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
البطولة الانفعالية الزائفة
السودان اليوم في مفترق طرق وجودي، حيث لا مجال فيه للترف الفكري ولا للمزايدات العاطفية، ولا الشعارات الانفعالية. ما يحتاجه الوطن هو أصحاب رأي يفكرون بعقل بارد وحكمة صلبة تُدرك أن معالجة القضايا الوطنية المعقدة تتطلب التدرج والتسلسل، لا القفز فوق الأولويات. فالسودان الآن لا يملك ترف الانشغال بالهامشي والثانوي، بينما قلبه وأحشاؤه تتعرض للافتراس. إن إثارة الكراهية والعاطفة الشعبوية تجاه مصر قد تحوز على علامة الإعجاب في الوسائط الاجتماعية لحظةً، لكنها تُسقط الوطن دهراً. هذه ليست حَمِيَّة وطنية، بل بطولة زائفة. أما الحنكة السياسية والفكر المتزن فهما ما يمكن أن يُنقذ السودان من سيناريو “صفر دولة” الذي يلوح في الأفق إذا واصلنا التوهان في معارك جانبية.
السودان أم حلايب؟
بينما يُذبح السودان من قلبه وأحشائه في الخرطوم وكردفان ودارفور في حرب استئصالية استمرت أكثر من عامين، يخرج من يرفعون شعارات استعادة شعره وأظافره في حلايب وشلاتين من مصر! فهل يليق بمن يفقد قلبه الآن أن يطالب بما قصّه الحلاق من شعر قبل أكثر من نصف قرن؟ إن هذه الأصوات ليست إلا تشتيتاً للوعي الوطني وانصرافاً عن المعركة الحقيقية لإغاثة السودان نفسه من الانهيار الكامل. بيد أنه لابد من توضيح واجب: إن الدعوة لتأجيل الحديث عن القضايا الحدودية لا يعني التنازل عنها. فالحقوق الوطنية تُصان وتُستعاد في الوقت المناسب وبالأسلوب الملائم وفي الوقت المواتي، لا وسط أتون حربٍ تُهدد السودان كله بالزوال.
مفارقة البديل المدني – المَسْكُوتُ عنه والمُجَاهَرُ به
المفارقة المؤلمة أن كثيراً ممن يرفعون اليوم شعار استعادة حلايب وشلاتين أثناء الحرب المستعرة، ويعملون على هدم أي مسار للتعاون المشترك مع مصر لوقف الحرب، هم أنفسهم من يطرحون أنفسهم بديلاً مدنياً ديمقراطياً للنظام العسكري. لكنهم يجهلون أن هذه التعبئة العاطفية العدائية دفعت القاهرة، من باب حسابات المصالح، إلى ربط أمنها ومصالحها بالحكم العسكري في السودان، رغم ما فيه من تناقضات ومحاذير، أقلها ارتباطه المشهود بالإسلاميين. وتجدرالإشارة هنا إلى أن إبراز هذه المفارقة ضروري لإظهار البُعْد السياسي التحليلي ولكشف التناقض في خطاب هذه القوى المدنية السلبية، ولتبيان أن كسب مصر لا يكون عبر العداء، بل عبر إقناعها بأن التحول المدني الديمقراطي هو الضامن المستدام لمصالحها ومصالح شركائها بنقل الحوار مع القاهرة من الانفعال الشعبوي إلى معادلة المصالح الاستراتيجية المشروعة.
والحقيقة أن الحنكة السياسية، لا الصراخ التعبوي، وحدها القادرة على إقناع مصر بأن مصالحها الاستراتيجية لا تتحقق عبر الانحياز لقيادة عسكرية مثقلة بالنفوذ الإسلامي الذي يتعارض مع أمنها القومي أولاً، ومع مصالح حلفائها الإقليميين كالإمارات والسعودية، والدوليين كالولايات المتحدة وأوروبا ثانياً. إنما تتحقق تلك المصالح المشروعة عبر دعم خيار الشعب السوداني في التحول المدني الديمقراطي، بما يفتح أمام القاهرة أفق شراكة مستقرة ومصالح متبادلة على المدى الطويل.
صدى “الفيتو العكسي” وإرث “الحكم الثنائي”
مصر اليوم ليست مجرد جارٍ يتقاسم معه السودانيون التاريخ والجغرافيا، أو يختلفوا معه فيهما. بل لاعبٌ إقليمي يمارس ما يمكن وصفه بـ الفيتو العكسي: فهي بالطبع لا تملك وحدها مفتاح الحل لحرب السودان، لكنها قادرة على تعطيله كما حدث في دورها في إفشال مؤتمري لندن وواشنطن، إذا جرى تجاهل مصالحها أو التعامل معها بخفة أو ارتياب، أو التعامل معها كعدو أبدي كما يروج البعض. هذه حقيقة جيوسياسية قد لا تعجب هؤلاء، لكنها واقع لا يمكن تجاوزه. فأي محاولة الآن لتقزيم دور مصر أو تحييده بالهتافات والشعارات، أو الجهر بالمسكوت عنه، لا تصب إلا في مصلحة أمراء الحرب الذين يراهنون على إطالة أمد الصراع.
وهذه ليست رغبة في ابتلاع الماضي الاستعماري المنسوب لمصر، بل دعوة لفهمه الصحيح. فما يُعرف بـ “الحكم الثنائي” لم يكن ثنائياً لغويّاً ولا اصطلاحاً، بل كان في واقع الأمر استعماراً أحادياً بريطانياً صرفاً. فما يُسمَّى فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري في السودان البالغة 57 سنة (1898-1955)، كانت مصر نفسها قبلها وأثناؤها مستعمرة بريطانية لفترة 74 سنة (1889-1955)، أي أن فترة استعمار بريطانيا لمصر أطول من فترة استعمارها المتزامن للسودان بنحو 17 سنة. وتجب الإشارة هنا إلى أنه قد تناوب على منصب الحاكم العام قي السودان خلال فترة يُعرف بـ “الحكم الثنائي” تسعة حكام عامُّون جميعهم بريطانيون بدءاً بفرانسيس وينجت الأسكتلندي المولود في جلاسجو، وانتهاءً بأليكساندر هيلم الإسكتلندي المولود في درمافيس. ولم يشغل منصب الحاكم العام في السودان طيلة الفترة (1898-1955) مصريٌ واحدٌ. فلماذا نُصرّ على قراءة الحاضر بعدسات مشوهة من الماضي؟
وحتى الثورة المهدية في السودان (1881–1898) والثورة العرابية في مصر (1881–1882) تكشفان أن المصير كان مشتركاً: كلا الشعبين ثارا ضد الاستعمار الأجنبي، وكلاهما دفع ثمناً غالياً. عرابي نُفي إلى سيلان بعد خيانة ضباطه وتآمر الخديوي توفيق، بينما انتهت المهدية بنكسة كرري بأم درمان، رغم بسالة ووفاء ضباط وجنود الخليفة عبد الله التعايشي، وما نتج عن النكسة من عودة الاحتلال البريطاني. فلماذا يحوّلون جراحاً مشتركة إلى ذرائع للانقسام بدل اعتبارها دروساً ومسوغاً للشراكة الاستراتيجية؟
لا حدود بلا دولة… أنقذوا السودان قبل أن تطالبوا بحلايب
الحرب الدائرة لم تترك مدينة إلا وطالتها النيران بشكل مباشر، أو غير مباشر تبعات النازحين من ويلاتها، ولم تُبْقِ على مؤسسات الدولة. فالخرطوم، والجزيرة، ودارفور، وكردفان تنهار تباعاً، والملايين يواجهون الجوع والنزوح. ومع ذلك، ينشغل البعض بقضايا جانبية على الأطراف الحدودية. هذه ليست حميَّة وطنية، بل حماقة قاتلة.
دروس من أمريكا
وفي المقابل، انظروا إلى الولايات المتحدة. فقد تعرضت لثلاثة قرون من الاستعمار الأوروبي المُرَكَّب (إسبانيا، بريطانيا، فرنسا، البرتغال، هولندا)، قُتل السكان الأصليون، وهُجّروا، ونُهبت ثرواتهم. ومع ذلك، لم يقضِ الأمريكيون قروناً في البكاء على اللبن المسكوب. بل انتظموا في ثورة شاملة (1775–1783)، وهزموا المستعمرين جميعاً، وأسسوا اتحادهم الفدرالي الذي صار أعظم دولة في العالم. والمفارقة أن الولايات المتحدة نفسها قدمت، عبر خطة مارشال (1947)، 13 مليار دولار لإعمار أوروبا التي استعبدت شعوبها لفترة 300 سنة. والعبرة هنا واضحة: الأمم التي تريد أن تنهض لا تُقيّد نفسها بأغلال الماضي، بل تركز على بناء حاضرها ومستقبلها.
السودان أولاً… وما عداه أخِيرَاً
إذاً، الأولوية القصوى للسودانيين اليوم ليست حلايب ولا شلاتين ولا ذكريات “الحكم الثنائي”. الأولوية هي: إغاثة السودان نفسه من الانهيار الكامل. الأسبقية ن نتوقف عن الهروب إلى معارك الأطراف الحدودية ونلتفت إلى قلب الوطن الذي يتفتت. أن ندرك أن مصر والسعودية ليستا خصمين بالضرورة، بل بوابتان ضروريتان لأي حل سياسي أو إنساني. وأن نتحرك بواقعية على المستويين الإقليمي والدولي لتعبئة الدعم من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين.
إن استمرار الجدل حول النزاعات الحدودية في هذا التوقيت أشبه بمن يقف في غرفة يحترق ما بداخلها وهو يتحسر على لون طلائها! أو بمن يتعرض قلبه وأحشاؤه للافتراس وهو يصرخ مطالباً بحقه في استعادة خصلة شعر قصَّها الحلاق قبل أكثر من نصف قرن.
ماذا عن ملايين السودانيين في مصر؟
إن الهجوم السافر على مصر ليس خطراً سياسياً فقط، بل خطل إنساني أيضاً. فهناك ملايين السودانيين لجأوا إلى مصر هرباً من الحرب. فكيف نؤازر هؤلاء في محنتهم بإشعال خطاب عدائي ضد البلد الذي يحتضنهم؟ فبدلاً عن تحصين أوضاعهم وتأمين مستقبلهم، نضعهم في قلب معركة إعلامية عبر الوسائط الاجتماعية لا ذنب لهم فيها. هذا سوء تقدير للمصلحة الوطنية قبل أن يكون سوء تقدير في السلوك السياسي.
لا للكراهية… في الداخل وفي الجوار
إن خطاب الكراهية الذي مزق السودان من الداخل هو نفسه الذي يطل اليوم بوجه إقليمي. فإذا كان خطاب الكراهية الإثني والجهوي قد قادنا إلى الحرب الراهنة، فإن خطاب الكراهية ضد الجوار سيقودنا إلى عزلة إقليمية خانقة، ويقضي على أي فرصة لبناء تحالفات من أجل السلام وإعادة البناء. فعلى هؤلاء أن يعلموا: الكراهية لا تبني دولة، بل تُسرّع دفنها.
مسؤولية مصر تجاه المدنيين
وكما تُوَجَّه الدعوة للسودانيين إلى التعامل مع مصر بواقعية سياسية، فإن على القاهرة أيضاً أن تُثبت للشعب السوداني أن مصالحها الاستراتيجية لا تتعارض مع آماله في السلام والتحول المدني الديمقراطي. كما أن انحياز مصر الصريح لحماية المدنيين ودعم مسار سياسي غير خاضع لأمراء الحرب، وتقديم المعاملة الكريمة والدعم الإنساني لملايين السودانيين الذين لجأوا إلى مصر سيُعيد بناء الثقة الشعبية بين البلدين ويُثبت أن المصالح المشتركة لا يمكن أن تُبنى إلا على أساس إغاثة الإنسان السوداني أولاً.
الأولوية لتعافي القلب والأحشاء – إن ضاع القلب، فما فائدة الأظافر؟
القضية الآن ليست استعادة أوراق شهادة البحث لأرض حدودية متنازع عليها، بل وقاية وطن من الزوال من خارطة العالم. ولن يتأتَّى ذلك إلا بوقف نزيف الحرب والانفتاح بواقعية على مصر والسعودية والمجتمع الدولي. وأي تأجيل لتعافي القلب والأحشاء بالانشغال بالشعر والأظافر هو تضييع للبلاد بأكملها. ما يحتاجه السودان الآن ليس شعارات جوفاء ولا معارك جانبية حدودية، بل صحوة وطنية شاملة. تستهدف التلاقي على مشروع وطني جامع، والانفتاح على شركائنا في الجوار والإقليم بواقعية، والتواصل مع المجتمع الدولي بلغة المصلحة المشتركة المشروعة. فلنُوقف نزيف القلب قبل أن نطالب بالشعر والأظافر.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم