رؤية أولية لتخطيط وتنمية عمرانية عادلة ومستدامة في سودان ما بعد الحرب

د. مريم محمد عبدالله وقيع الله
(البحث تحت اشراف بروفيسور سبيلا سيش و بروفيسور بيترا هيرشلر، جامعة فيينا للتكنولوجيا وتم النشر في ResearchGate )

الملخص
تطرح هذه الورقة رؤية اولية مقترحة للتنمية المكانية العادلة والمستدامة في السودان ما بعد الحرب، انطلاقًا من قراءة نقدية للتاريخ السياسي والاجتماعي للدولة السودانية وتداعيات النزاع المسلح الراهن. وتؤكد الورقة أن إعادة الإعمار تستلزم صياغة إطار استراتيجي يقوم على ثلاثة محاور مترابطة: تشريعات عادلة ولامركزية، مؤسسات فعّالة وشفافة، وخطة وطنية للتنمية المكانية طويلة المدى. كما تستعرض الإطار المفاهيمي للتنمية المكانية بالاستناد إلى الأدبيات النظرية حول إنتاج الفضاء والعدالة المكانية، مع إبراز دور التخطيط المراعي للنوع الاجتماعي، وتعزيز اقتصاد محلي مرن يجمع بين المعرفة المحلية والقطاعات الحديثة. وتقدّم الورقة مرتكزات عملية لرؤية اولية، تشمل مستويات التنمية القومية والإقليمية والحضرية، وحماية البيئة، وآليات تمويل مرنة. وتخلص الورقة إلى أن مرحلة ما بعد الحرب تمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي وبناء نموذج تنموي قائم على الحرية والسلام والعدالة، بما يضع السودان على مسار أكثر عدلاً واستدامة ومرونة.

الكلمات المفتاحية: السودان ما بعد الحرب؛ المشاركة الشاملة؛ العدالة المكانية؛ الاستدامة البيئية؛الاقتصاد المحلي المرن

  1. مقدمة
    اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل/نيسان 2023 مثّل لحظة انفجار كبرى للأزمات التاريخية المتراكمة؛ إذ أدّى إلى تشريد الملايين وتعميق الانقسامات الاجتماعية، فضلًا عن إنهاك الاقتصاد الوطني وتدمير البنية التحتية، وامتدت تداعياته لتطال بنية الدولة ذاتها عبر تفكك مؤسساتها المركزية وانهيار هياكلها السياسية. ويعود هذا الانهيار إلى مسار تاريخي طويل اتسم بهيمنة أنماط حكم استبدادية متعاقبة، سواء في الحقبة الاستعمارية أو في مرحلة الدولة القومية ما بعد الاستعمار. فقد كرّست هذه الأنماط إعادة إنتاج الهيمنة عبر سياسات التهميش الممنهج، والسيطرة غير المتكافئة على الموارد، وغياب العدالة في توزيع الأراضي، وهو ما عمّق التفاوتات الهيكلية ورسّخ أنماط العنف البنيوي. وأسهمت هذه البُنى غير العادلة في تفاقم معدلات الفقر واستدامة النزاعات المسلحة عبر العقود، لتجد مآلها الكارثي في الحرب الراهنة.
    ومع ذلك، فإن هذه الأزمة التاريخية تمثل في جوهرها منعطفًا فارقًا، إذ تتيح فرصة نادرة لإعادة تخيّل الدولة السودانية على أسس عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمساواة والاستدامة، إذا ما حُصّنت برؤية وطنية جامعة تستند إلى كتلة تاريخية من قوى التغيير. ومن هذا المنطلق، تبرز إمكانية الشروع في تأسيس سودان جديد يقوم على قيم الإنصاف، والمرونة، والعيش المشترك.
    استجابةً لهذه اللحظة التحولية التاريخية وما تفرضه من تحديات وفرص، تبلورت فكرة مشروع بحث بعنوان: ‘إطار استراتيجي مقترح لإعادة الإعمار والتنمية المكانية العادلة والمستدامة في السودان ما بعد الحرب’. ويهدف هذا المشروع إلى تقديم مقاربة علمية ومنهجية لإعادة البناء، تستلهم قيم “الحرية، والسلام، والعدالة” التي رفعتها ثورة ديسمبر 2018، وترتكز على مبادئ العدالة المكانية والاستدامة، وتستند إلى مشاركة فاعلة لمختلف أصحاب المصلحة. ويُنَفَّذ المشروع بمبادرة من رابطة دانوب–نيل للتنوع والتنمية المستدامة (دانيا)، وبالتعاون مع معهد التخطيط المكاني – وحدة أبحاث التخطيط الإقليمي والتنمية الإقليمية بجامعة فيينا للتكنولوجيا (Prof. Sibylla Zech and Prof. Petra Hirschler).
    وترتكز منهجية البحث على توظيف أدوات المشاركة الرقمية الشاملة لإسماع أصوات الفئات المهمشة تاريخيًا، ولا سيما النساء والشباب، في صياغة سياسات التنمية وإعادة الإعمار. ومن خلال إعطاء الأولوية لمبدأي الإنصاف والشمول، يسعى المشروع البحثي إلى معالجة التفاوتات البنيوية المتجذرة وضمان عدم استبعاد أي فرد على أساس النوع الاجتماعي أو العمر أو العِرق أو الانتماء الجغرافي أو الوضع الاجتماعي–الاقتصادي. كما يتبنى رؤية لإعادة هيكلة جذرية للمؤسسات، والمستوطنات البشرية، والأنظمة الاقتصادية، بما يمهّد لبناء مجتمعات أكثر عدلًا ومرونة واستدامة.
    وقد أسفرت هذه الجهود عن صياغة رؤية أولية لسودان ما بعد الحرب، جرى اعتمادها كوثيقة مرجعية خلال ورشة عمل ضمن كورس “مقاربات للمخططين من دول الجنوب” في الفترة الصيفية لعام 2024، بمعهد التخطيط المكاني بجامعة فيينا للتكنولوجيا. وقد عكست هذه الرؤية حصيلة نقاشات جماعية، وأكدت على الإمكانات التحويلية للتنمية المكانية الشاملة، القائمة على العدالة والإنصاف، في إعادة بناء السودان.
  2. الإطار المفاهيمي للتنمية المكانية العادلة و المستدامة ما بعد الحرب

يتبنى هذا البحث منظورًا لا ينظر إلى التخطيط المكاني كممارسة تقنية أو إجرائية بحتة، بل كعملية بناءة تهدف إلى تشكيل مساحات تعكس الأولويات والتطلعات الجماعية. لذا، ينبغي فهم الفضاء كمنشأة اجتماعية تُجسّد علاقات القوة وتُجسّد الأبعاد الاقتصادية والسياسية والثقافية المتشابكة للمجتمع. وكما يُؤكد هنري ليفبفر (1991)، “الفضاء ليس مجرد حاوية محايدة؛ بل هو نتاج اجتماعي”، مُؤكدًا أن العدالة الاجتماعية تتطلب إدارة الفضاء من خلال المشاركة المستمرة لمختلف أصحاب المصلحة بمصالحهم المتعددة والمتنوعة، والتي قد تكون متضاربة أحيانًا(1).
وانطلاقًا من هذا الفهم، يقوم مفهوم العدالة المكانية على توسيع نطاق المساواة بحيث لا يقتصر على إعادة توزيع الخدمات والموارد، بل يشمل أيضًا إعادة تنظيم العلاقات المكانية بما يضمن حق جميع الأفراد في النفاذ المتكافئ إلى موارد المدينة وإمكاناتها. وفي هذا السياق، يوضح ديفيد هارفي أن العدالة المكانية تتجسّد في “إعادة تنظيم العلاقات المكانية لتزويد الجميع بحق متساوٍ في المدينة ومواردها”(2).
ويمثل التخطيط المراعي للنوع الاجتماعي ركيزة أساسية في هذا التصور. فالمدن الشاملة ينبغي أن تستجيب لاحتياجات مختلف الفئات السكانية—نساءً ورجالًا، صغارًا وكبارًا، ومن خلفيات عرقية واجتماعية واقتصادية متعددة، وبقدرات متباينة (3). وتتحقق شمولية المدن عبر ضمان تنقل آمن وميسور الكلفة، ومساحات عامة متاحة، ومساكن قابلة للتكيّف مع أنماط أسرية متنوعة، إضافة إلى خدمات صحية وتعليمية ورعاية وترفيه كافية وشاملة (4). وتؤكد الأجندة الحضرية الجديدة هذا المبدأ بوضوح، من خلال الدعوة إلى مستوطنات بشرية آمنة، صحية، ميسورة، مرنة، ومستدامة، يتمكن جميع السكان من العيش فيها والمساهمة في تطويرها دون تمييز(5).
أما البعد الاقتصادي، فيقتضي إعلاء الاعتبارات المرتبطة بالاستدامة والمرونة. ففي حين تميل نماذج التنمية المستوردة إلى إغفال الخصوصيات المحلية، فإن المقاربات القائمة على المعرفة المجتمعية واقتصادات الكفاف تبرز قيمة الاعتماد على الذات والتوازن البيئي(6). وبالنسبة للسودان، يتطلب ذلك تعزيز مكانة الزراعة والرعي والإنتاج الحرفي إلى جانب القطاعات الحديثة، بما يدعم السيادة الغذائية، ويحدّ من الارتهان للأسواق المتقلبة، ويعزز القدرة المجتمعية على الصمود(7).
وفي ضوء ما سبق، تتضح أن إعادة بناء السودان تتجاوز مجرد البعد المادي، لتشمل إعادة تصوّر شامل للقانون والمؤسسات والفضاء والعلاقات الجندرية والأنظمة الاقتصادية، وفق نهج تشاركي عادل ومستدام بيئيًا.

  1. المرتكزات الاساسية لاستراتيجية التنمية المكانية في سودان ما بعد الحرب

إن إعادة إعمار سودان ما بعد الحرب، بما يُجسّد مبادئ الحرية والسلام والعدالة، يتطلب إرساء أساس متين يُحدّد أولويات العمل بتسلسل واضح ومنطقي. ويرتكز هذا الأساس على ثلاثة محاور مترابطة: التشريعات والقوانين التنظيمية، وإنشاء مؤسسات جديدة، ووضع خطة استراتيجية للتنمية المكانية.

أولًا: التشريعات والقوانين التنظيمية
التشريعات والقوانين التنظيمية تُعدّ المرجعية العليا التي تُنظّم الحقوق والواجبات، وتضمن سيادة القانون والمساواة، وتوفّر إطارًا لإدارة الموارد وتحديد العلاقات بين الدولة والمجتمع. ولا ينبغي أن تقتصر هذه التشريعات على المستوى الوطني، بل يجب أن تُصاغ بما يضمن التوزيع العادل للسلطات والموارد بين المستويات المركزية والولائية والمحلية. كما أن ترسيخ مبدأ اللامركزية التشريعية يتيح للمجتمعات المحلية المشاركة الفاعلة في صنع القرار، ويُمكّنها من سنّ قوانين ولوائح تُراعي خصوصيات كل منطقة، ضمن الإطار الدستوري الأشمل للدولة(8)
وانطلاقًا من هذا المنظور، تُصبح التشريعات أداةً محورية لتحقيق العدالة المكانية وتكافؤ الفرص بين مختلف مناطق السودان. وتبرز هنا أهمية ملكية الأراضي والموارد بوصفها مسألة جوهرية؛ إذ يجب أن تؤكد القوانين على حق جميع السودانيين—بغضّ النظر عن العرق أو النوع الاجتماعي أو الخلفية الاجتماعية—في التمتّع بحقوق متساوية في الأرض ومواردها الزراعية والرعوية والمعدنية والنفطية (9). كما ينبغي أن يخضع استغلال هذه الموارد لآليات تشاركية ومخططة تَحول دون الاحتكار، وتضمن توزيعًا عادلًا ومستدامًا لعائداتها(10).

ثانيًا: إعادة هيكلة وبناء مؤسسات جديدة
تمثل المؤسسات الأداة العملية لترجمة القوانين إلى واقع. ولا يمكن أن تكون فعّالة إلا إذا أُعيد بناؤها على أسس من الشفافية والكفاءة والاستقلالية، بعيدًا عن التسييس والمحاصصة (11). وينبغي أن تنطلق عملية بناء المؤسسات من القاعدة اي المستويات المحلية والولائية—ثم تمتد إلى المستوى الوطني. إن منح المجالس المحلية صلاحيات واضحة في مجالات مثل التخطيط العمراني، وإدارة الموارد الطبيعية، وتوفير الخدمات الأساسية، يعزّز ثقة المواطنين في الدولة ويعمّق شعورهم بالانتماء إليها (12).
وكما تؤكد إلينور أوستروم، “تمتلك المجتمعات المحلية القدرة على وضع قواعد ومؤسسات تسمح بالإدارة المستدامة لمواردها” (13). ومن هذا المنطلق، فإن لامركزية السلطة تمثل أداة جوهرية لكسر حلقة المركزية المزمنة التي كبّلت السودان لعقود، مع إمكانية الاستفادة من الإرث التاريخي للبلاد في أنماط الحوكمة المجتمعية (14). ويسمح هذا النهج الهجين بتطوير نموذج للحَوْكَمة التشاركية، يعزّز المشاركة الشعبية، ويقوّي القدرة على الصمود، ويضمن أن تبقى المؤسسات متجذّرة في الواقع المحلي، ضمن الأطر الوطنية الأوسع.

ثالثًا: خطة التنمية المكانية الاستراتيجية
بعد إرساء الأطر القانونية والمؤسسية، يصبح من الضروري صياغة خطة استراتيجية وطنية شاملة تُحدد أولويات واضحة للتنمية والعدالة والاستدامة. وينبغي أن ترتكز هذه الخطة على رؤية بعيدة المدى، وتُترجم إلى برامج تنفيذ ملموسة ذات أهداف قابلة للقياس، وتدعمها آليات فعّالة للرصد والتقييم المستمرين(15). ويشكل دمج رؤية متماسكة مع آليات تنفيذ فعّالة ضمانةً أساسيةً لنجاح إعادة الإعمار وتحقيق تحول اجتماعي-مكاني هادف(16).
ويمثل تطوير هذه الرؤية المحور الأساسي لهذه الورقة، وسيتم تفصيله في القسم التالي. وكما أُشير سابقًا، يجب أن تكون عملية صياغة الرؤية تشاركية، تُشرك المجتمعات المحلية – وخاصة الشباب والنساء – من خلال آليات شاملة. ويوفر استخدام تقنيات المجتمع الرقمية وسيلةً مبتكرةً لتعزيز المشاركة، وإضفاء الطابع الديمقراطي على عمليات التخطيط، وضمان أن تعكس النتائج واقع السكان وتطلعاتهم المعيشية(17).

  1. المرتكزات الاستراتيجية للرؤية المقترحة للتنمية المكانية العادلة والمستدامة

تقوم الرؤية المقترحة للتنمية المكانية العادلة والمستدامة في السودان على إرساء أسس متوازنة تضمن تحسين جودة الحياة لجميع المواطنين دون تمييز، مع الحفاظ على الموارد الطبيعية وتعزيز قدرات المجتمعات المحلية في مختلف المستويات القومية والإقليمية والحضرية. وهي رؤية شاملة تسعى إلى معالجة جذور التفاوت التنموي الناتج عن المركزية، وإلى بناء منظومة أكثر عدلاً واستدامة، ترتكز على تنويع الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية، وحماية البيئة واستعادة مواردها، فضلاً عن ابتكار آليات تمويل مرنة تتيح تنفيذ المشاريع بكفاءة وشفافية. ومن هذا المنطلق، تتوزع مرتكزات الرؤية على خمسة محاور مترابطة تشكّل الإطار الاستراتيجي لتحقيق تنمية مكانية عادلة ومستدامة في السودان.

1.3. التنمية المكانية العادلة والمستدامة على المستوى القومي
يُعَدّ المستوى القومي للتخطيط المكاني بمثابة الإطار المرجعي الذي يضمن وحدة البلاد وتكامل جهود التنمية، حيث تتم معالجة الاختلالات التاريخية في توزيع الموارد والخدمات. والهدف هو تحسين نوعية الحياة لكل سكان السودان بطريقة عادلة ومستدامة، بحيث يتم توزيع فرص التنمية بشكل متوازن ويجري الاستثمار في الموارد القومية لصالح الأجيال الحالية والمستقبلية. ولتحقيق ذلك، يتطلب الأمر:
• معالجة مشكلة المركزية المزمنة من خلال تعزيز التنمية الريفية والحضرية المتوازنة في جميع أنحاء السودان.
• اعتماد نموذج اقتصاد الاكتفاء لضمان الاستدامة والمرونة، مستفيدًا من تاريخ السودان الغني بوفرة الموارد والاعتماد على الذات قبل التدخل الاستعماري(18).
• توفير البنية التحتية القومية خاصة في مجال المواصلات مثل السكك الحديدية والطرق القومية(19).
• ضمان حصول الجميع على السكن اللائق، والبنية التحتية، والتعليم العام، والرعاية الصحية، وفرص كسب الرزق (20).

2.3. التنمية المكانية العادلة والمستدامة على المستويين الإقليمي والمحلي
يمثل النهج اللامركزي للتنمية خطوة أساسية نحو معالجة الخلل الهيكلي المتمثل في هيمنة الخرطوم على موارد وفرص البلاد. فقد أدت الحرب الأخيرة إلى موجات نزوح ضخمة، حيث غادرت أعداد كبيرة من السكان العاصمة وبعض المدن المتضررة إلى أقاليمهم الأصلية وقراهم، مما أحدث ضغطًا غير مسبوق على الخدمات والبنية التحتية المحلية، التي هي في الأصل ضعيفة نتيجة عقود من التهميش والإهمال التنموي. ومع ذلك، فإن هذا التحول السكاني يُعَدّ أيضًا فرصة تاريخية لخلق تنمية متوازنة تنهي هيمنة الخرطوم، وتعيد توزيع النشاط الاقتصادي والخدمات على مختلف الولايات والمناطق بصورة أكثر عدلاً واستدامة. ومن أجل ذلك، تشمل التدابير الرئيسية ما يلي:
• إنشاء مناطق مكتفية ذاتيًا داخل كل ولاية اتحادية، بما يضمن الوصول إلى الأنشطة الاقتصادية وفرص العمل والخدمات الأساسية(21).
• تنويع الاقتصادات المحلية من خلال الزراعة والصناعة والتجارة، وتحقيق لامركزية الصناعة (قبل الحرب، كان 80% من الصناعات تقع في الخرطوم)، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق المحلية(22).
• توسيع البنية التحتية لتزويد جميع المستوطنات بالخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والكهرباء والصرف الصحي والنقل المستدام (23).
• تحسين المرافق التعليمية والصحية على مستوى المحليات لضمان سهولة الوصول لجميع المواطنين.
• تطوير نظام تنقل مستدام لربط جميع المناطق بكفاءة، مما يقلل من انبعاثات الكربون ويعزز التكامل الاقتصادي(24).
• تعزيز جودة السكن من خلال تطوير مواد البناء المحلية الحساسة للمناخ والموفرة للطاقة (25).

4.3. تنمية حضرية عادلة و مستدامة
تعرّضت العاصمة وعدد من المدن السودانية خلال الحرب الأخيرة لتدمير واسع النطاق شمل البنية التحتية والمساكن والمرافق العامة، كما تحولت بعض المدن الأخرى إلى وجهات رئيسية للنازحين داخليًا، مما أدى إلى تضخم سكاني مفاجئ وضغوط كبيرة على الموارد والخدمات الأساسية. هذا الواقع يضاعف من التحديات الحضرية ويجعل من التخطيط العادل والمستدام ضرورة قصوى، ليس فقط لإعادة الإعمار، بل أيضًا لبناء مدن أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات المستقبلية، وأكثر عدلاً في توزيع الفرص والخدمات. ويتطلب هذا التوجه الاتي:
• اعتماد نموذج تخطيط حضري متعدد الاستخدامات ومتوسط الكثافة للحد من التوسع الحضري والحفاظ على الأراضي الطبيعية وخفض تكاليف البنية التحتية وأطوالها وتقصير مسافات التنقل اليومية(26).
• خلق فرص عمل داخل المناطق السكنية وتقليل مسافات التنقل، مما يعود بالنفع على النساء اللواتي يوازنّ بين أدوار متعددة في المجتمع(27).
• تعزيز النقل الحضري المستدام،(28) وإعطاء الأولوية للمشي وركوب الدراجات ووسائل النقل العام مثل الحافلات والترام والمترو(29).
• تحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن من خلال الدعم المالي، وتوفير مواد بناء منخفضة التكلفة، والمبادرات المجتمعية(30).
• ضمان توفير الخدمات الأساسية، بما في ذلك الوصول إلى مياه الشرب النظيفة، وإمدادات الكهرباء الموثوقة مع التركيز على مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فضلاً عن الإدارة الفعالة للنفايات(31).
• تنفيذ أنظمة مستدامة لتصريف مياه الأمطار وحصادها للحد من الفيضانات، وزيادة المساحات الخضراء، ودعم الزراعة الحضرية(32).
• توسيع المساحات الخضراء والحدائق العامة لتعزيز التعافي النفسي والتماسك الاجتماعي، وتحسين جودة الهواء، وخلق فرص اقتصادية(33).

4.3. حماية البيئة واستعادتها
تُعد حماية البيئة واستعادة النظم البيئية المتدهورة في السودان ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، إذ يعتمد الاقتصاد الوطني بدرجة كبيرة على الموارد الطبيعية. إن ضمان استدامة هذه الموارد يعني تأمين سبل العيش للسكان، ومكافحة آثار التغير المناخي، والحفاظ على التنوع البيولوجي للأجيال المقبلة. وتشمل المبادرات الرئيسية:
• استعادة ممارسات الزراعة العضوية التقليدية (34) والزراعة الحراجية لتحسين صحة التربة، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم الاقتصادات المحلية(35).
• حماية النظم البيئية النهرية من خلال منع البناء في المناطق النهرية والقضاء على التلوث الصناعي(36).
• إعادة إحياء المراعي المتضررة من الجفاف والتصحر، ودمج السودان في مشروع “الجدار الأخضر العظيم” التابع للاتحاد الأفريقي(37).
• الحفاظ على المتنزهات الوطنية والتنوع البيولوجي في السودان، بما في ذلك الحياة البحرية في البحر الأحمر، من خلال تطبيق تدابير صارمة لحماية البيئة(38).
• تنظيم أنشطة تعدين الذهب لمنع التلوث بالزئبق والسيانيد، وضمان استفادة المجتمعات المحلية بشكل مستدام من الثروة المعدنية(39).
• تعزيز حلول الطاقة الخضراء للحد من انبعاثات الكربون وتلوث الهواء(40).
• الحفاظ على مواقع التراث الثقافي ودمج المعارف التقليدية في جهود حماية البيئة (41).

5.3. تمويل مرن لمشاريع التنمية
إن تحويل هذه الرؤية إلى واقع يتطلب وجود آليات تمويلية مرنة وشفافة تضمن استدامة المشاريع وتزيد من ثقة المواطنين والمستثمرين المحليين والدوليين. فالتمويل المستدام هو العمود الفقري الذي يدعم تنفيذ الخطط التنموية على مختلف المستويات، ويعزز الشراكات المجتمعية والدولية. وتشمل الآليات المقترحة:
• المبادرات التعاونية والمجتمعية: دعم وتوسيع الهياكل التعاونية المحلية، وتمكين المجتمعات من إدارة مشروعاتها التنموية ذاتيًا، مع الاستفادة من تحويلات المغتربين في تمويل المبادرات الشعبية وتعزيز القدرة المحلية على الصمود(42).
• إصلاح القطاع المصرفي: تحديث النظام المالي وإضفاء الطابع الديمقراطي عليه بما يوسّع نطاق الوصول إلى الائتمان، ولا سيما للشركات الصغيرة والمتوسطة، مع التركيز على خدمة المناطق الريفية والمهمشة لتحفيز النمو الاقتصادي الشامل(43).
• الشراكات بين القطاعين العام والخاص: تطوير شراكات شفافة وعادلة لتمويل البنية التحتية الحيوية—مثل النقل والطاقة والمياه—بما يضمن التوزيع المنصف للتكاليف والفوائد بين مختلف المناطق والفئات السكانية(44).
• حشد الموارد الوطنية: تعبئة الموارد الوطنية من خلال إصلاح نظام الإيرادات وضمان التوزيع العادل لإيرادات الموارد الطبيعية لدعم التنمية الإقليمية المتوازنة (45).
• الصناديق السيادية الوطنية: إنشاء صناديق سيادية مستقلة ذات إدارة شفافة وصلاحيات واضحة، تتولى إدارة إيرادات الموارد الطبيعية وتخصيصها لتمويل التنمية المستدامة طويلة الأجل، مع آليات رقابية ومشاركة مجتمعية فعّالة(46).
• التمويل الدولي العادل: توطيد التعاون مع الجهات المانحة والمؤسسات الدولية وفق شروط تراعي سيادة السودان وأولوياته التنموية، مع الالتزام بمبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة والمساءلة المتبادلة(47).
• أدوات الاقتصاد الأخضر: دمج أدوات مبتكرة مثل السندات الخضراء وتمويل المناخ، بهدف جذب الاستثمارات العالمية في مجالات الطاقة المتجددة، وحماية البيئة، وتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ(48).

  1. الخلاصة
    تسعى هذه الرؤية التمهيدية إلى بلورة إطار استراتيجي متكامل للتنمية المكانية في سودان ما بعد الحرب، قائم على مبادئ العدالة الاجتماعية، والتوزيع المنصف للموارد، والتنمية الإقليمية المتوازنة، مع الالتزام بالاستدامة البيئية وتعزيز الاستقلال الاقتصادي. وتشمل ركائزها دمج منظور النوع الاجتماعي في سياسات التخطيط الحضري لبناء مدن أكثر عدلاً واستدامة، والاستفادة من الأدوات الرقمية لتوسيع المشاركة المجتمعية وتطوير سياسات شاملة وفعّالة. وانطلاقًا من أهداف الثورة، تضع هذه الرؤية الأسس لتعزيز الحريات، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وبناء سلام مستدام، وضمان استقرار طويل الأمد. ويمثل هذا الإطار خطوة استراتيجية نحو صياغة خطة وطنية للتنمية المكانية العادلة والمستدامة، تضع السودان على مسار أكثر وضوحًا نحو العدالة والمرونة والازدهار.

المراجع

  1. Lefebvre, H. (1991). The Production of Space. Blackwell.
  2. Harvey, D. (2008). The Right to the City. New Left Review, 53, 23–40.
  3. Fainstein, S and Servon, L. (2005). Gender and Planning: A Reader. New Brunswick, New Jersey. and London: Rutgers university press.
  4. Chant and McIlwaine (2016). Cities, Slums and Gender in the Global South: Towards a Feminised Urban Future. New York: Routledge.
  5. UN-HABITAT (2017a). The NEW Urban Agenda, UN-HABITAT III. Quito: United Nations. Retrieved 11, 15, 2018, from http://habitat3.org/wp-content/uploads/NUA-English-With-Index-1.pdf.
  6. Bennhold-Thomsen, et al. (2001). There is an alternative: subsistence and worldwide resistance to corporate globalization, , . London. New York: Spinifex Press, Zed Books.
  7. Enayati, M., Lukambagire, I., Manianga, A. et al. (2024). Navigating sustainability and resilience: a collective case study of four Indian communities. Environ Dev Sustain https://doi.org/10.1007/s10668-024-05445-0
  8. Harvey, D. (2008). The Right to the City. New Left Review, 53, 23–40.
  9. Deininger, K., & Feder, G. (2009). Land Registration, Governance, and Development: Evidence and Implications for Policy. The World Bank Research Observer, 24(2), 233–266., https://documents1.worldbank.org/curated/en/869031468150595587/pdf/767960JRN0WBRO00Box374387B00PUBLIC0.pdf (4)
  10. UN-Habitat (2012). Handling Land: Innovative Tools for Land Governance and Secure Tenure. Nairobi: UN-Habitat.
  11. Brinkerhoff, D. W. (2005). Rebuilding governance in failed states and post-conflict societies: Core concepts and cross-cutting themes. Public Administration and Development, 25(1), 3–14.
  12. Soja, E. W. (2010). Seeking Spatial Justice. University of Minnesota Press.
  13. Ostrom, E. (1990). Governing the Commons: The Evolution of Institutions for Collective Action. Cambridge University Press
  14. Hyden, G. (2010). African Politics in Comparative Perspective (2nd ed.). Cambridge University Press.
  15. UN-Habitat. (2015). International Guidelines on Urban and Territorial Planning. Nairobi: United Nations Human Settlements Programme.
  16. Healey, P. (1997). Collaborative Planning: Shaping Places in Fragmented Societies. Vancouver: UBC Press.
  17. UNDP. (2021). Digital Transformation and the Future of Governance in Africa. New York: United Nations Development Programme.
  18. Bennhold-Thomsen, et al. (2001). There is an alternative: subsistence and worldwide resistance to corporate globalization. London. New York: Spinifex Press, Zed Books.
  19. Briceno-Garmendia (2011) Sudan’s Infrastructure: A Continental Perspective https://www.researchgate.net/publication/228304297_Sudan’s_Infrastructure_A_Continental_Perspective
  20. UN-HABITAT. (2009b). The Right to Adequate Housing, Fact Sheet No. 21/Rev.1. Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights. Retrieved 2 6, 2014, from https://www.ohchr.org/Documents/Publications/FS21_rev_1_Housing_en.pdf
  21. Barca, F., McCann, P., & Rodríguez-Pose, A. (2012). The Case for Regional Development Intervention: Place-Based versus Place-Neutral Approaches. Journal of Regional Science
  22. Rodríguez-Pose, A., & Hardy, D. (2015). Addressing poverty and inequality in the rural economy from a global perspective, Applied Geography, Volume 61, July 2015, Pages 11-23; Scott, A. J., & Storper, M. (2003). Regions, globalization, development. Regional Studies, https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/0034340032000108697a
  23. UN-Habitat (2020). World Cities Report: The Value of Sustainable Urbanization; Bahl, R., Linn, J., & Wetzel, D. (2013). Governing and Financing Cities in the Developing World,
  24. UNDP. (2021). What is sustainable transport and what role does it play in tackling climate change? UNDP Climate Promise. Retrieved from https://climatepromise.undp.org/news-and-stories/what-sustainable-transport-and-what-role-does-it-play-tackling-climate-change
  25. Morel, J. et, al (2001) Building houses with local materials: Means to drastically reduce the environmental impact of construction, available at: https://www.researchgate.net/publication/223275169_Building_houses_with_local_materials_Means_to_drastically_reduce_the_environmental_impact_of_construction/references
  26. Jenks and Burgess. (2000). Compact Cities: Sustainable Urban Forms for Developing Countries. London, New York: Spon Press.; Gehl, J. (2010). Cities for people. London: Island Press
  27. Jenks, M. and Jones, C. (2010). Dimension of the sustainable city. London and New York: Springer
  28. Banister, D. (2008) The sustainable mobility paradigm, https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0967070X07000820?via%3Dihub
  29. Pucher, J. & Buehler, R. (2010) Walking and Cycling for Healthy Cities, Built Environment, Volume 36, pp. 391-414(24)
  30. Schlyter, A. (1996). A place to live, Gender Research on Housing in Africa. (A. Schlyter, Ed.) Stockholm: Nordiska Afrikainstitutet. Retrieved 3 15, 2017, from https://www.diva portal.org/smash/get/diva2:277422/FULLTEXT01.pdf
  31. Hoornweg, D. & Bhada-Tata, P. (2012) What a waste: a global review of solid waste management, https://www.researchgate.net/publication/306201760_What_a_waste_a_global_review_of_solid_waste_management
  32. Drake, J. (2015). An innovative new way for cities to recycle rainwater. Retrieved 2, 9, 2018, from Word Economic Forum: https://www.weforum.org/agenda/2015/05/an-innovative-new-way-for-cities-to-recycle-rainwater/
  33. Maas, J., Verheij, R. A., Groenewegen, P. P., De Vries, S., & Spreeuwenberg, P. (2006) Green space, urbanity, and health: how strong is the relation? https://jech.bmj.com/content/jech/60/7/587.full.pdf
  34. Altieri, M. A. (2018) The Science Of Sustainable Agriculture, Second Edition, Boca Raton, CRC Press
  35. Gliessman, S. R. (2015) The ecology of sustainable food systems, Boca Raton, CRC Press
  36. Postel, S., & Richter, B. (2003) Rivers for life: Managing water for people and nature, Washington, D.C., Island Press
  37. UNCCD (United Nations Convention to Combat Desertification). (2020). The Great Green Wall Implementation Status and Way Ahead to 2030, https://www.unccd.int/resources/publications/great-green-wall-implementation-status-and-way-ahead-2030
  38. IUCN (2021) Protected Areas and Other Effective Area-Based Conservation Measures (OECMs)
  39. UNEP (2013) Minamata Convention on Mercury, https://minamataconvention.org/sites/default/files/2021-06/Minamata-Convention-booklet-Sep2019-EN.pdf
  40. Karekezi, S. & Kithyoma , W. (2003) Renewable Energy in Africa: Prospects and Limits, United Nations
  41. UNESCO (2021). “Culture: The Key to Sustainable Development
  42. Ostrom, E. (1990). Governing the Commons: The Evolution of Institutions for Collective Action, Cambridge University Press; Chambo, S. A. (2009). Agricultural Cooperatives: Role in Food Security and Rural Development, https://www.un.org/esa/socdev/egms/docs/2009/cooperatives/Chambo.pdf
  43. Beck, T., Demirgüç-Kunt, A., & Levine, R. (2007) Finance, inequality and the poor. Journal of Economic Growth
  44. Grimsey, D., & Lewis, M. K. (2004). Public Private Partnerships: The Worldwide Revolution in Infrastructure Provision and Project Finance
  45. Brautigam, D. (2008). Introduction: Taxation and state-building in developing countries. Cambridge University Press; Moore, M. (2015). Tax and the governance dividend. World Development
  46. Clark, G. L., Monk, A. H., & Dixon, A. D. (2013). Sovereign Wealth Funds: Legitimacy, Governance, and Global Power
  47. Whitfield, L. (2009). The Politics of Aid: African Strategies for Dealing with Donors; Birdsall, N., & Savedoff, W. D. (2010). Cash on Delivery: A New Approach to Foreign Aid
  48. UNEP (2011). Towards a Green Economy: Pathways to Sustainable Development and Poverty Eradication; Flammer, C. (2021). Corporate green bonds. Journal of Financial Economics

marfa_1998@hotmail.com

عن مريم محمد عبدالله وقيع الله

مريم محمد عبدالله وقيع الله

شاهد أيضاً

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف (3)

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف:علاقات الأرض والإنسان والدولة في السودان من إرث الاستعمار إلى …