السودان بين تعقيدات السياسة ومآلات النزاعات

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
تمرّ السودان بمنعطف حرج في تاريخه السياسي والاجتماعي، حيث تعكس الأحداث الراهنة تداخلًا معقدًا بين الأبعاد العرقية والسياسية والاقتصادية. القبائل العربية الرعوية، التي كانت تاريخيًا لاعبًا رئيسيًا في الديناميات السياسية والاجتماعية السودانية، تواجه اليوم تحديات كبرى نتيجة تراكمات تاريخية وسياسات مستمرة على مدى عقود. لفهم الوضع الحالي، يجب التوقف عند مسارات تلك القبائل وتقييم التغيرات السياسية التي شهدها السودان. القبائل العربية الرعوية: من النفوذ إلى المواجهة في دور تاريخي معقد: منذ العهد التركي المصري وحتى استقلال السودان، كانت القبائل العربية الرعوية تستغل غياب الدولة المنظمة لتعزيز نفوذها وتمارس البطش والتنكيل بجيرانها وهذه الممارسات شملت تجارة الرقيق وعمليات خطف النساء والأطفال، ما عزز من قوتها الاقتصادية والاجتماعية. في عهد المهدية، شكّلت القبائل العربية الرعوية القوة الرئيسية في جيش المهدية، مما منحها نفوذًا عسكريًا واسعًا ،لكن مع السيطرة البريطانية، تراجعت أنشطتها تحت ضغط فرض القانون وهيبة الدولة. إعادة التمكين في حقبة ما بعد الاستقلال: بعد الاستقلال، أصبحت القبائل الرعوية أداة في يد الأحزاب السياسية الكبري لتحقيق أهدافها عبر سياسات “فرق تسد”. تسليح القبائل الرعوية لخوض حروب بالوكالة ضد القبائل الزرق ساهم في تعميق الانقسامات العرقية. ظهور قوات المراحيل، التي تطورت لاحقًا إلى قوات الدفاع الشعبي، مثّل تحولًا كبيرًا في قدرة القبائل العربية الرعوية على ممارسة نفوذ عسكري مستغلين الدعم الحكومي. الدور السياسي والعسكري: بين الاستغلال والاستقلال ودور الحكومات المتعاقبة والرهان على القبائل العربية الرعوية: مع صعود التيار الإسلامي بزعامة عمر البشير، تم استغلال القبائل العربية الرعوية لتعزيز خطاب “الجهاد” في الجنوب ودارفور. هذا الدعم شمل التسليح والتدريب، مما جعلها أداة مركزية في الصراعات الداخلية. رغم النفوذ الذي حصلت عليه تلك القبائل، فإنها كانت دائمًا في خدمة مصالح النخب السياسية، ما جعلها تتورط في صراعات لم تحقق لها استقلالية حقيقية. ما بعد البشير: انقلاب الطاولة سقوط نظام البشير أحدث فراغًا سياسيًا وعسكريًا، ووضع القبائل الرعوية في مواجهة مباشرة مع الجيش السوداني الذي كان يومًا حليفًا لها. أصبحت قوات الدعم السريع، التي تمثل امتدادًا للقوة العسكرية للقبائل العربيه الرعوية، في قلب الصراع الحالي. لكنها تواجه اليوم رفضًا شعبيًا وسياسيًا واسعًا، خاصة من قبل النخب النيلية التي تحاول تهميشها وإقصاءها وتجريمها بجريمة التي لم تصنعها انما تمت استغلالها لأنفذها نيابة عن الجيش السوداني والنخبة الشمالي النيلي والان اصبحت تتحمل تبعات نتائجها وتبرأت منها الجيش السوداني والنخبة الشمالي النيلي. تحديات الراهن وآفاق المستقبل واستحقاقات الاعتراف بالماضي: من الضروري أن تدرك القبائل العربية الرعوية أن استمرار نهجها الحالي قد يؤدي إلى تهميشها بشكل كامل في النظام السياسي والاجتماعي الجديد. الاعتراف بالأخطاء التاريخية، خصوصًا تجاه القبائل الزرق في دارفور وكردفان، قد يكون خطوة حاسمة نحو بناء علاقات جديدة قائمة على المصالحة. تفكيك خطاب العداوة: محاولات النخب السياسية تصوير القبائل الرعوية كأداة للاستعمار الداخلي أو كقوة غير سودانية (عرب الشتات) تستدعي استجابة واعية من تلك القبائل. بناء خطاب جديد يعكس انتماءها للسودان وتاريخها المشترك مع بقية مكونات المجتمع السوداني سيكون ضروريًا لتجنب العزل والتهميش. إعادة النظر في التحالفات السياسية: مع تغير موازين القوى، على القبائل العربيه الرعوية أن تعيد تقييم تحالفاتها السياسية والعسكرية. بدلاً من الاعتماد على النخب العسكرية والسياسية التي استغلتها لعقود، يمكنها السعي نحو اندماج أعمق مع المجتمعات المحلية الأخرى. السياسات الوطنية: بين الماضي والحاضر إرث سياسات فرق تسد: مارست الحكومات السودانية سياسات فرق تسد لعقود، مما أدى إلى تعميق العداوات بين المجموعات العرقية. القبائل الرعوية استفادت من هذه السياسات لفترة، لكنها اليوم تجد نفسها ضحية نفس النهج الذي دعمته في السابق واصبحت حواضن الدعم السريع الاجتماعية والسياسية هدفا استراتيجيا يقذفها الجيش السوداني بالطائرات مستخدما نفس البراميل المتفجرة التي قمصت ظهر القبائل الزنجية كأنها رسالة مفادها أن كل من يعارض النخبة الحاكمة النيلية مصيرها الدمار السياسي والهلاك بدون رحمة. أهمية بناء دولة المواطنة: الأحداث الحالية تظهر أن السودان بحاجة ماسة إلى إعادة بناء دولته على أساس المواطنة المتساوية واحترام التنوع الثقافي والعرقي. الاستمرار في استغلال القبائل لتحقيق مصالح النخب لن يؤدي إلا إلى مزيد من التفكك. مصير في مفترق طرق القبائل العربية الرعوية، التي كانت جزءًا لا يتجزأ من المشهد السوداني، تواجه اليوم تحديات مصيرية تتطلب منها إعادة النظر في دورها ومكانتها داخل الدولة. التحدي الأساسي يكمن في تجاوز إرث الماضي وبناء علاقة جديدة مع بقية مكونات المجتمع السوداني. هذا لن يتحقق إلا من خلال الاعتذار عن الأخطاء السابقة والعمل على تحقيق مصالحة وطنية حقيقية، بعيدًا عن الأدوار التقليدية التي كرّست الصراعات وزعزعت الاستقرار. السودان، الذي عانى طويلًا من سياسات التهميش والاستغلال، لن ينهض إلا إذا تحولت مكوناته الاجتماعية والسياسية إلى شركاء حقيقيين في بناء مستقبل مشترك يقوم على العدل والمساواة.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

مأساة أبيمنم… حين يصبح المدنيون وقوداً لصراع لا ينتهي

بقلم: لوال كوال لوال ليست المأساة التي شهدتها مقاطعة أبيمنم حادثة عابرة يمكن طيّ صفحتها …