من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
تمهيد
مقالنا اليوم عن عاده سودانيه وقد كنت احد متبعيها في وقت كانت سائده نسعد بها ببساطة اهل الريف السوداني وقد نقلها منبر بنيان
لبطون الكتب التي تقول
للثقافات الشعبية في السودان بُعد عميق يتجاوز الممارسات اليومية ليعكس فلسفة مجتمعية متكاملة. ومن أبرز تلك العادات التي سادت حتى ستينيات القرن الماضي، عادة تناول الطعام في قدح واحد، يتحلّق حوله أفراد الأسرة. كانت هذه الممارسة تمثل رمزاً للوحدة والألفة، إلى جانب أبعادها الاقتصادية والنفسية.
تفاصيل العادة
عندما يُفرغ القدح من الطعام، يقوم الأفراد بلعق أطرافه حتى يلمع كأنه قد غُسل، ثم يلحسون أصابعهم بعناية. بهذا السلوك يتحقق هدفان:
- الاستفادة الكاملة من الطعام دون هدر أي جزء منه.
- تيسير عملية الغسل لاحقاً، حيث لا يُستهلك الكثير من الصابون أو الماء.
هذه التفاصيل الصغيرة، على بساطتها، كانت تعبّر عن اقتصاد منزلي رشيد، يوازن بين متعة الأكل وتقليل التكاليف.
الأثر النفسي والاجتماعي
من الناحية النفسية، كان لعق القدح والأصابع يعكس اللذة القصوى في تناول الطعام، وهو إحساس يُعتقد أنه يساعد على تحسين عملية الهضم ويمنح شعوراً بالرضا. أما اجتماعياً، فالمشاركة الجماعية في الطعام عززت قيم المساواة والاندماج بين الأفراد، حيث لا تمييز بين صغير وكبير، غني أو فقير.
الأبعاد الاقتصادية
هذه العادة كانت بمثابة تطبيق عملي لفكرة الاقتصاد المنزلي المستدام. تقليل الهدر في الطعام ومواد الغسيل ينسجم مع ما تدعو إليه منظمات عالمية اليوم مثل الفاو في مكافحة الفاقد الغذائي. بمعنى أن الموروث الشعبي سبق في ممارساته البسيطة ما صار لاحقاً توصية دولية لتحقيق التنمية المستدامة.
عادات مشابهة في ثقافات أخرى
لم تكن هذه العادة مقتصرة على السودان. ففي مجتمعات آسيوية وإفريقية عديدة، نجد مشاركة الوجبة في وعاء واحد، ولعق الأصابع كرمز للتقدير للنعمة. كما أن بعض الكتب الأنثروبولوجية توثق لممارسات مشابهة تربط الطعام بالمقدّس والبركة.
البركة كإطار روحي
أُضيف لهذه العادة بعدٌ ديني وروحي، حيث يُنظر إلى الطعام المشترك على أنه “مبارك”، ولعق الأصابع يُعدّ اقتداءً بحديث النبي ﷺ: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان». فالعادة إذن لم تكن فقط سلوكاً اقتصادياً، بل إطاراً يُضفي معنى على تفاصيل الحياة اليومية.
خاتمة
تظهر هذه الممارسات أن الشعوب لا تعيش فقط بعاداتها، بل تضع من خلالها أسساً فلسفية واقتصادية واجتماعية عميقة. إن تناول الطعام في قدح واحد ثم لعقه ولعق الأصابع لم يكن مجرد سلوك عابر، بل كان رمزاً لوحدة الأسرة، واحترام النعمة، والاقتصاد الرشيد، والبحث عن بركة الحياة. وربما نجد في العودة إلى جوهر هذه العادات القديمة ما يساعدنا على مواجهة تحديات اليوم من هدر وفردانية وتباعد اجتماعي.
مراجع مختارة
- إبراهيم الحردلو – العادات والتقاليد في السودان، دار جامعة الخرطوم للنشر، 1982.
- فرانسيس دينق – ديناميات الثقافة السودانية، مطبعة أكسفورد، 1995.
- كلود ليفي-ستروس – الأنثروبولوجيا البنيوية، 1977.
- جاك غودي – الطعام والشرعية والسلطة: أسس الثقافة الغذائية، 1982.
- منظمة الأغذية والزراعة (FAO) – تقرير: الهدر الغذائي وأثره على الاقتصاد العالمي، 2011.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم