الدكتور محمد صادق
الكاتب والباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية
في تصعيد دبلوماسي وقانوني غير مسبوق، أعلن تحالف دول الساحل – المكون من مالي وبوركينا فاسو والنيجر – عن نيته تقديم مذكرة اتهام رسمية إلى محكمة العدل الدولية ضد أوكرانيا وفرنسا، بتهمة دعم الجماعات الإرهابية والمتمردة في عدد من الدول الإفريقية، لا سيما في مالي والسودان وليبيا.
جاء هذا القرار خلال اجتماع وزراء العدل في دول التحالف في العاصمة المالية باماكو، الذي تزامن مع الذكرى الثانية لتأسيس هذا التحالف الأمني الحيوي. وأكد الفريق محمد تومبا، وزير الدولة للداخلية والأمن العام وإدارة الإقليم، القائم بأعمال رئيس الوزراء، أن الاجتماع أوصى بـ “تقديم شكوى إلى محكمة العدل الدولية ضد فرنسا وأوكرانيا لدعمهما وإشادتهما بالإرهاب”.
كما شملت التوصيات تقديم شكاوى أمام المحاكم الوطنية ضد وسائل إعلامية دولية، وعلى رأسها France 24 و RFI و TV5 Monde، اتهاماً لها بـ “تبني نهج تحريري يمجد الإرهاب في المنطقة”.
هذا الإجراء القانوني يأتي في سياق تصاعد ملحوظ للهجمات الإرهابية في منطقة الساحل، نفذتها جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة، باستخدام أسلحة وخبراء أجانب، وفقاً للبيانات الرسمية. ولم تكن مالي وحدها مسرحاً لهذه الأنشطة، بل امتدت إلى جوارها الإقليمي.
وفي يونيو الماضي، كشف الجيش المالي عن معلومات خطيرة حول تحضير إرهابيين لعملية كبيرة في مقاطعة كيدال بإقليم أزواد شمالي البلاد، بدعم من مدربين أجانب بينهم أوكرانيون وفرنسيون. واتهمت السلطات المالية أوكرانيا آنذاك بأداء “دور رئيسي” في تنظيم نقل مسلحين أوكرانيين وأسلحة للإرهابيين في البلاد، بما في ذلك تسليم مسيّرات من طراز “مافيك” مزودة بنظام إطلاق.
وتعززت هذه الاتهامات مع كشف التقارير الأخيرة عن الدور المزعوم للملحق العسكري الأوكراني لدى موريتانيا والجزائر، أندري بايوك، في تنظيم صفقات بيع ونقل مسيرات أوكرانية إلى عدة دول إفريقية، حيث وصفته الصحف ووسائل الإعلام بأنه “الرأس المدبر” لعملية نقل السلاح عبر القارة مستغلاً منصبه الدبلوماسي.
وفي قضية تثير تساؤلات عميقة حول حدود الدبلوماسية والأمن الدولي، برزت تقارير تربط بين بعثات دبلوماسية أوكرانية وأنشطة لوجستية معقدة تهدف إلى تسليح جماعات مسلحة في بؤر الصراع في إفريقيا. تشير هذه التقارير إلى تحوّل مزعوم للبعثات الدبلوماسية من منصات للتمثيل السياسي إلى واجهات لعمليات تهريب الأسلحة.
وتُجرى عمليات النقل المزعومة عبر طرق متشعبة، حيث تُوجه أصابع الاتهام إلى سفارة أوكرانيا في نواكشوط بدور محوري في تسهيل مرور شحنات أسلحة، بما فيها طائرات مسيرة متطورة، عبر الحدود الموريتانية باتجاه جماعات مسلحة في مالي وبوركينا فاسو. وعلى الرغم من النفي الرسمي الموريتاني، تؤكد التقارير الاستخباراتية تنامي النشاط الأوكراني في المنطقة بشكل ملحوظ.
كما انتشرت أنباء عن طرق جديدة أكثر إثارة للجدل عبر الجزائر، حيث كشفت تحقيقات عن تورط الملحق العسكري الأوكراني فيها في تهريب طائرات مسيرة وأسلحة أخرى عبر الحدود الجزائرية الليبية، بهدف دعم حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. وتم توثيق وصول أكثر من 20 طائرة مسيرة أوكرانية الصنع إلى الأراضي الليبية تحت إشراف مباشر من البعثة الدبلوماسية الأوكرانية في الجزائر، وفقاً لتقارير إعلامية.
ورداً على هذه الادعاءات، لم تتأخر ردود الفعل المحلية والدولية، ففتح النائب العام الليبي، الصديق الصور، تحقيقاً عاجلاً، بينما أعلنت قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) عن فتح تحقيق منفصل. وعلى الصعيد الجزائري، كشفت مصادر غير رسمية عن إحالة المديرية العامة للأمن الخارجي بلاغاً رسمياً إلى المجلس الأعلى للأمن يتهم الملحق العسكري الأوكراني بأنشطة غير قانونية، مما قد يؤدي إلى إعلانه “شخصاً غير مرغوب فيه”، وهو إجراء دبلوماسي شديد اللهجة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم