أم قرون .. الحرب على أجساد النساء

النساء يهبن الحياة، والرجال يصنعون الحروب التي تتعدى ميدان المعركة إلى أجساد النساء. هكذا يمكن للمتابع عبر التاريخ أن يرى سبي النساء وانتهاك أجسادهن كإعلان للنصر أو عقوبة للمهزوم.
في أرياف كردفان ودارفور وهي مساحات جغرافية شاسعة تعادل مساحتها دولا بحالها، تعمد النساء الى جدل شعورهن في شكل ضفيرتين كبيرتين، ضمن طقوس العناية اليومية بالشعر الذي يروى بالدهن الحيواني مثل الودك أو زبدة الحليب الطازجة. والامر لا يخص حصرا المرأة السودانية ويمكن ملاحظة ذلك في بلدان أخرى مثل منطقة الامازون والسكان الأصليين لأمريكا الشمالية وأجزاء كبيرة من الهند ومنطقة القوقاز. ما يجمع بينها انها مناطق ريفية تتطلب الحياة فيها الكثير من جهد المرأة بحيث لا يتبقى لها وقت كاف لتزيين شعرها. هذه العناية البسيطة لها مفعول السحر في إطالة الشعر وتقوية جذوره لدرجة أن النسوة يتفاخرن بطول قرون الشعر التي يمتلكنها. من هنا ولد مفهوم القرون في تغني الرجال بالفتيات وجمالهن في هذه المناطق.
ولكن كيف تحول مظهر ملايين النساء من مختلف المجموعات القبلية في مساحة جغرافية متناهية الامتداد، الى رمز للحرب والعنف. وكيف تم ترميز ذلك المظهر ليعبر عن مجموعة اثنية محددة، ليس ذلك فحسب بل متورطة حصرا في نشاط قتالي يجري الآن؟
تخيل أن ينعت احدهم حواء السودانية مجملا بما لا يليق ذكره من الفاظ، وهو تعميم يخلو من أي معقولية، أمر يجعل المرء يشك سلامة الشخص العقلية وبوصلته الاخلاقية. ولكن جنون الحرب الحالية يجعل مثل هذه الأفعال امرا ممكنا ومقبولا.
فاضت منابر التواصل الاجتماعي بتداول السخرية من أم قرون وكيل السباب لها، والسخرية منها في أخف الحالات من قبل شرائح واسعة من المتعلمين وحاملي لواء التقدم حتى في دائرة أصدقائي المقربين. المحصلة النهائية لهذه الحملات ليست توجيه الإساءة للقوات التي تقاتل الجيش ومنسوبيه، ولكن لملايين السودانيين الذين يرون في أم قرون رمزا يمثل امهاتهم وعماتهم وخالاتهم واخواتهم.
هل فات الامر على من قادوا هذه الحملة؟ لا أعتقد. ما أعتقده أن الأمر لا يهمهم، وأخذ المقيم بالظاعن هو المحرك الذي يدفعهم. ومثل هذه الحملات لا يتم التواطؤ عليها من قبل قلة محدودة ولكن تحركها عقلية جمعية تدفعها محركات عملية.
يقول علماء النفس أن الكلمات تؤذي وتجرح وأن مفعولها قد يمتد لفترة أطول من الجرح الحقيقي الذي سرعان ما يلتئم. بهذه الصفة فهي تدخل مباشرة تحت مسمى وتعريف العنف. العنف النفسي والعاطفي، او العنف اللفظي الذي يسعى للحط من قيمة الآخر ودفعه للإحساس بالمهانة والحقارة. قوانين بلدان كثيرة اخذت مثل هذا النهج في السخرية وممارسة العنف في حسابها وجرمته.
عالم الاجتماع “بيير بورديو” يمسيه العنف الرمزي، في كراسته الصادرة بعنوان الرمز والسلطة. هيئة الشخص وملبسه وما يحمل من متعلقات، امر لا يخضع للصدفة بل هي أدوات للسطلة الرمزية التي تعمل على هندسة الاخضاع وخلق تراتبيات القوة والنفوذ من خلال أدوات الاستخدام اليومي (سيارة بورش أو فيراري مثلا) مثل هذا الاستعراض يعمل على مبدأين هما الاغراء والتهديد. صاحب مثل هذه السيارة يمكن أن يكافئك ان خدمته في لحظة ما، ويمكن ان يخسف بك الأرض ان ساورتك نفسك بإيذائه.
كذلك طريقة ترتيب الشعر وقصه تقف رمزا على المنحدر الاجتماعي والموقع داخل خارطة السلطة. وهو الامر الذي يجعل من السخرية امرا ممكنا ويجعل مفعولها اعظم. الكلمات قد لا تكسر العظم ولكنها تكسر النفس ويبقى مفعولها لأمد كبير. ولكن بعكس العنف الجسدي يستهين المجتمع بالعنف اللفظي والرمزي باعتبار انه مجرد كلمات مما يخفف من مفعول أي وازع في تداوله تحت باب الفكاهة.
قد يتساءل المرء اين ظلت أم قرون طوال 70 عاما على الأقل من تاريخ السودان السياسي الحديث وتاريخ السلطة الوطنية بعد الاستقلال؟ اين هي من كاميرات الصحافة ووسائل التلفزة والاعلام الأخرى؟ شيء طبيعي ان ترى امرأة بالثوب التقليدي في الوسط أو بقطعتين من الثياب في مناطق جبال النوبة مثلا، أو باللاو الذي ترتديه نساء جنوب السودان قبل استقلاله أو امرأة بالحزامة وقطعة أخرى تغطي الصدر في بوادي كردفان ودارفور. ولكن مثل هذه الصور لا ترد الا عابرة في شكل استعراض فولكلوري الامر الذي يكشف أيضا درجة من درجات العنف الرمزي والبنيوي معا لفئات تعاني من الفقر والتهميش الاجتماعي وأيضا تعاني من حواجز اللغة السائدة في الوسط واختلافات الثقافة المحلية.
تم تناول ظاهرة العنف والعنف الرمزي من قبل الكثير من الدارسين والفلاسفة ولكن في نظري اهم اثنين بحثا في هذا المجال الفيلسوفة الألمانية الامريكية “حنا أرندت” والفيلسوف السلوفيني “سلافوي جيجيك” وهو ما زال على قيد الحياة وما زال ينتج ويعطي.
الفرق بين نظرة الاثنين، حنا أرندت تتناول العنف من خلال تعارضه مع القوة، القوة تنبع من التوافق الجماعي، أي قدرة الناس على العمل معًا لتحقيق هدف مشترك، وأن العنف يتم استخدامه عندما تفشل محالات التوافق والقدرة على العمل المشترك. العنف وسيلة أدواتيه/آلية (instrumental) – يُستخدم كأداة عندما تفشل القوة السياسية. وترى بالتالي أن العنف لا ينتج سلطة شرعية، بل قد يُدمّرها.
أما سلافوي جيجيك فنظرته للعنف اكثر تعقيدا بحيث يميز العنف المباشر عن العنف البنيوي (Structural Violence): العنف الكامن في الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية (الفقر، التهميش، العنصرية). وأيضا العنف الرمزي (Symbolic Violence): الكامن في اللغة، الإيديولوجيا، والثقافة.
الأكثر اثارة للاهتمام فهو يرى أن العنف المباشر مثل القتل والحرق والتدمير هي مظاهر لاحقة لعنف طويل ومتواصل حادث أصلا في المجتمع وانا مشاهد العنف الفيزيائي المباشر هو مجرد اثار جانبية، وشبه الامر بقصة الشخص الذي كان يملأ الاوعية بالرمل حتى يخرج من بوابة التفتيش، رجل الامن كان يركز على محتوى الرمل في حين ان الشخص كان يسرق الاوعية.. وهكذا فان الدماء والحرائق والجثث تمثل الرمل الذي داخل الاوعية، اما العنف الحقيقي فهي الاوعية ذاتها.
لهذا يمكن النظر للحرب الحالية والعنف المصاحب لها الذي فاق كل تصور، بما في ذلك العنف الرمزي واللفظي الموجه نحو رمزية أم قرون. ننبه الى أن هذا العنف يأخذ الطابع الاداتي كوسيلة لكسر معنويات العدو والحاق العار به بالتمثيل بأهم رمز يخصه وهو رمز الأم والأخت والزوجة، المرأة مجملا. الملاحظة الثانية ان هذه الرسائل والخطاب الوسيع المصاحب لها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي لا يوجه للمحاربين الذين يحملون السلاح حصرا لكسر معنوياتهم، فطابع التعميم الذي يطبع صياغته يتجاوز ذلك لينال من قطاعات عريضة من اهل الريف والبوادي الذين لا علاقة مباشرة لهم بالحرب، وتوجيه مثل هذه الاساءات يساهم في عملية الاصطفاف التي ظلت تحدث لصالح هذا الطرف أو ذاك طوال الحرب بسبب طبيعة العنف البنيوي الكامن التي ساهمت الحرب في الكشف عن وجهها.
في العادة تثور المجموعات النسوية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بقضايا النوع الاجتماع لاستخدام مثل هذا الترميز القبيح الذي يحط من قدر ملايين النساء في الريف والبوادي بشكل معمم. ولكن ذلك لم يحدث ولم تظهر أي بوادر احتجاج ترد الاعتبار للمرأة الريفية أم قرون، وهذا يعود لطبيعة هذه الحرب والاصطفاف الذي نجم عنها. شرائح كبيرة من الوسط والشمال تنظر الى افراد الدعم السريع كغزاة خارجيين، وليس كمواطنين سودانيين حملوا السلاح ضد السلطة المركزية بسبب تصرف هذه السلطة وجيشها. وبالتالي تنكشف عزلة ام قرون وسقوط حقها الأصلي في نيل الحماية والدفاع عنها كطرف ضعيف ظل يأخذ موقع الضحية مثلها مثل ملايين السودانيات اللواتي يتعرضن لعسف السلطة الذكورية ويعانين من وطأة الحرب باعتبارهن الشريحة الأضعف.
من كل ما تقدم يمكن الوصول الى خلاصة تركيبة السلطة في الدولة المركزية للعقود الماضية ونوعية العنف المؤسسي الذي ظل يمارس على الشرائح التي ظلت خارج نطاق السلطة بكامل منظومتها الأيديولوجية واللغوية والثقافية التي حرصت الأنظمة المتعاقبة على توارثها وصيانتها من خلال المؤسسات الإعلامية والثقافية التي ظلت الدولة تحتكرها في ظل عدم وجود أي منافذ إعلامية أخرى حرة. وحتى مؤسسات الاعلام الإقليمية التي أنشأت ظلت تتبني حساسية وثقافة السلطة السائدة وتخدم أهدافها.
اذن نخلص الى انه وفي ظل الحديث عن الحرب يجب عدم الانجرار للأخيلة والصور الفظيعة للأشلاء المقطعة والاجساد المحروقة ولكن يجب علينا البحث عن أسباب ذلك في تركيبة العنف التي تطبع كل مجتمع والتي لا مفر منها، لأن العنف ليس مجرد أداة بل جزء من البنية اليومية. وحدوث حروب كبيرة ومفتوحة مثل التي نشهدها يعتبر أحيانا ضروريا لكسر العنف البنيوي الخفي الأكبر كما يقول سلافوي جيجيك.

إبراهيم حمودة
ناقد – صحفي
لاهاي 18 سبتمبر 2025

hamoudaj72@gmail.com

عن إبراهيم حمودة

إبراهيم حمودة

شاهد أيضاً

سياسات الهوية والباب المفضي للحرب الأهلية الشاملة .. بقلم: إبراهيم حمودة

الحرب التي بدأت بين جنرالين يتناطحان على السلطة وصلت الآن وبعد زمن وجيز قياسا بتاريخ …