الحرب كساحةٍ للمعنى والعدم

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

(بين شكسبير وود تكتوك والسياسي السوداني): الحرب كساحةٍ للمعنى والعدم

المشهد الأول: مسرح الخراب
وسط الخراب ينتصب مسرح بلا خشب ولا ستائر، مؤلَّفٌ من بيوت طالها العبث، ومصانع محروقة، وجثث متناثرة، وساحات مكفهرة، ومدن سكنت عمائرها القطط، نبوءات كاذبة وأحلام خائبة، وعزائم خائرة… هذا هو السودان اليوم. حيث تفرض الحرب نفسها كواقع يتأمله أهل البصائر والاعتبار. ويمر عليه أصحاب الرؤية فلا يولونه الأدبار، بل يتأملونه كفضاء فلسفي تتقاطع فيه أسئلة الوجود والمصير. في هذا الركام يقف ثلاثة ممثلين، كل واحد يحمل منظوره الفلسفي الخاص، كل صوت يمثل موقفاً من المشهد المحتشد بالأحداث:
1. شكسبير — يصرخ على لسان مكبث
شكسبير على لسان يقف في العتمة، صوته يرتجف كما لو كان يهمس من وراء قرون الزمن: “إنها حكاية يرويها أحمق، مليئة بالضجيج والغضب، ولا تعني شيئاً.”
هنا عدمية شكسبير ليست مجرد فلسفة نظرية، بل صرخة لحظية تأتي من الحرمان والفقد، شعور بالعبث الذي يظهر عندما يحاصر الإنسان الموت والدمار. صرخة شبه مهرطقة لأنها تقرّ بالفراغ المطلق للعالم، لكنها مبررة فلسفياً، لأنها تدفع العقل إلى التساؤل عن مآلات الوجود والعدم، وعن السلطة القاهرة التي تصنع الحدث ثم تتبرأ منه. هذه العدمية تعلّم المشاهد أن التفكير في مصائر الأحداث، والاستبصار في مآلاتها، هو السبيل الوحيد لمعانقة المعنى وسط الفوضى، وليس مجرد استسلام لليأس.

2. ود تكتوك — الزهد كإعادة لترتيب الأولويات
ود تكتوك يبتسم ابتسامة بوجهه الوضيء ولحيته المستديرة يطل على المشهد ضارباً كفا بكف. تغطي على نبرته حكمة عميقة، وحنان آسر ويقول: “خربانة أم بناياً قش.”
عبارة لا تسلم بالخراب كما تبدو من أول وهلة ، لكنها تفتح عيني الإنسان على الجوهر الذي يبقى رغم الخراب. عندما يحترق “بناء القش” — أي الدنيا، السلطة، والممتلكات الزائلة — يتبقى الجوهر الذي لا يحترق: الإنسان نفسه وعلاقاته. زهده ليس سلبية محضة، بل هو دعوة للتركيز على ما هو باقٍ وأصيل. لكن هذا الموقف يحمل وجهين: فبينما يكفكف الدموع ويربت على الكتف، قد يأخذ الإنسان إلى حالة من الإنتظار، حيث يؤجل الحاضر بكل صراعاته وضراعاته إلى يوم مرجأ للعدالة الإلهية. هنا يكمن المأزق: الأمل قائم، لكنه قد يصبح أملاً بلا فعل مباشر.

3. السياسي السوداني — رجاء خائب
السياسي السوداني يتلفع بثوب رجاء خائب، محمي بدرع “سبب الحرب” الذي يلقيه على خصمه. أسئلته تبدو عقلانية ومنطقية:
“من أشعل الحرب؟ ومن يتحمل المسؤولية؟”
لكنه، سؤال يبحث عمن فتح القمقم لا عن الشيطان الذي خرج منه. خلف هذا الظاهر، يدير المسرحية السياسية بمهارة: يحوّل الخراب إلى ساحة للإتهامات المتبادلة، محصّناً نفسه ضد أي تأمل وجودي. هذه اللغة السياسية العافية بالمماحكة تجد صدى لأنها تلامس حاجة الناس للبحث عن مذنب، عن شرير.. لكنها في الحقيقة أداة تخدير للعقل الجمعي. بتقديمها إجابات سهلة (السبب هو فلان)، تمنع المجتمع من التفكير في الجذور العميقة للأزمة، وتساهم في حالة “الخدر الجماعي” التي تجعل الخراب مجرد خلفية للحياة اليومية، لا دافعا للتغيير الجذري… أو محولاً الفضاء العام لقائمة لا نهائية من الإتهام والإتهام المضاد. ليستمر العبث على كومة الخراب.
المشهد الثاني: خيارات الوعي بعد الحرب
وسط هذه الأصوات المتصارعة، يتوزع وعي السودانيين في مسارات رئيسية:
أولها ارتداد ديني وزهد طارئ: ملاذ مؤقت في الغيبيات للتخفيف من فوضى الواقع.
ثانيها الخدر الجماعي: الخراب يصبح خلفية للحياة اليومية، ويتوقف التفكير العميق تحت وطأة التكيف مع ضرورات البقاء، وهو خدرٌ تغذيه لغة السياسي السطحية.
ثالثها فلسفة عملية للنجاة: رفض للعدمية والانتظار السلبي، واتجاه نحو الفعل المشترك: نصب التكايا بتوزيع الطعام، إعادة بناء المدارس، ابتكار لغة جديدة للتضامن. هذا هو زهد “ود تكتوك” في وجهه العملي، حيث يُعاد بناء ما هو جوهري.
و رابعها فكرٌ وجودي سوداني: قلة تجرأ على طرح أسئلة كبرى قوامها المعنى والعدم من داخل التجربة، لتؤسس فلسفة تنبع من رحم الخراب نفسه، وتتجاوز لغة السياسي ولغة الانتظار.
نحو لغة رابعة
الحرب لم تدمر الحجر فقط، بل هزت الوعي السوداني حتى الأعماق. أمام هذا الانهيار، يقف الناس أمام ثلاث لغات:

لغة شكسبير مواجهة قسوة العبث بلا أقنعة، وتأمل مآلات الوجود والسلطة.
لغة ود تكتوك: السلام الداخلي عبر الزهد في الفاني، مع خطر الانزلاق إلى الانتظار.
لغة السياسي: سطحية ولعبة اتهامات، تخدّر العقل ولا تفتح أفقا للفكر.
المستقبل لا يتوقف على اختيار لغة واحدة، بل على صياغة لغة رابعة تولّف بينها. هذه اللغة هي “الوجودية العملية”: وعي يرى عبثية الحرب (مثل شكسبير)، ويزهد في مكاسبها الفانية (مثل ود تكتوك)، لكنه يرفض سلبية الانتظار ولعبة السياسيين، ليقوم بفعل واعٍ ومسؤول في قلب الحاضر.
هذه اللغة الجديدة لا تسأل فقط “من أشعل الحرب؟”، بل تسأل: “ماذا سنبني الآن من هذا الرماد؟”. إنها لغة المبادرات المجتمعية، والفن الذي يولد من الألم، والبحث عن المعنى ليس في السماء أو في انتظار عدالة مؤجلة، بل في الفعل الإنساني المشترك على الأرض.
الحرب، على قسوتها، قد تكون هي المخاض المؤلم لولادة هذا الوعي الجديد. فالتحدي الآن هو سحب المعنى من قلب العدم عبر الفعل المشترك، لتصبح الحرب — كما قال شكسبير — حكاية نرويها بأيدينا، وتعني شيئاً.. دروس وعبر تُستخلص منها المعاني لحياة تليق بإنسان يتخلق في رحم الغيب.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …