أركان النقاش وطق الحنك: إنتاج العقل المعطوب

كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

في روايته التأملية الرائعة (لعبة الكريات الزجاجية) قدم الكاتب هرمان هسه نموذجاً مثالياً للعقل الجمعي المتصاعد من الفكر والتأمل، بعيداً عن الصخب والانفعال. في عالم هسه، يجلس الطلاب في حلقات دائرية يتبادلون الأسئلة ويتأملون المعاني. كل كلمة تُختبر بدقة، وكل نقاش يُقصد به إنتاج الفهم لا إفحام الخصم. فالحوارات التي تدور في الرواية تشبه سيمفونية فكرية تتصاعد ببطء وهدوء حتى تولّد عقلًا جمعياً خلاقا، قادرا على إنتاج المعرفة والرؤية.
غير أن الواقع السوداني قد تأسس على غير ذلك. فقد بنى نفسه على حالة الخطابة واعتمد على اللغة دون التركيز كثيرا في الفكر .. فأنتج في النهاية ما يمكن تسميته بممارسة السياسة عن طريق “طق الحنك” وهي ظاهرة يمكن اعتبارها امتداد لإرث سياسي أقدم ارتبط بعمالقة السياسة السودانية أنفسهم. فمن يطالع تاريخ الديمقراطيات السودانية الأولى، سيجد أن البرلمان كان مسرحا لمبارزات بلاغية حامية، أبرزها تلك السجالات التى دارت بين قامات سياسية مثل الراحلان محمد أحمد محجوب و مبارك زروق. فقد كان الاحتفاء بجزالة اللغة وبراعة الخطابة يُنظر إليه آنذاك كدليل على النبوغ السياسي، حتى وإن افتقر إلى عمق فكري أو برامجي. هكذا ترسّخ نمط من الممارسة السياسية يقدّم الشكل على المضمون، ويرى في البلاغة غاية لا وسيلة، وهو الإرث الذي ورثته الأجيال اللاحقة وأعادته إلى الساحة في صور وأساليب جديدة، كان أبرزها أركان النقاش الجامعية وهي منابر سياسية يتجمع فيها الطلاب ليتناظروا سياسياً.
في هذا المناخ، تشكل العقل الجمعي داخل الجامعات السودانية قوامه القدرات الخطابية، حيث يُقاس النجاح بعلو الصوت وصرخات إستحسان الجمهور و حرارة تصفيقهم لا بعمق الحجة أو متانة المنطق. يتصدر المشهد خطيب ماهر في السخرية من خصومه أكثر من قدرته على تقديم أفكار متماسكة.
في خضم ذلك الواقع، تسيد المشهد مدرستان في أركان النقاش، مثلَّتا – ظاهرياً – طرفي نقيض، لكنهما اتفقتا في المضمون الإبستمولوجي غير العقلاني:
الأولى: مدرسة التهويم: والتي تعتمد على النصوص الدينية القطعية، فتقيم خطابها على اليقين المطلق المستمد من الوحي، مما يحوِّل النقاش إلى صراع عقائدي مغلق، يفتقر إلى مرونة التكيف مع الوقائع المتغيرة.
الثانية: مدرسة الإلهام: والتي تتبنى الشعر والبلاغة مستندة إلى الحدس والإلهام الشعري كما لو كانا بديلاً عن التحليل الممنهج والبرهان العقلاني.
على عموم الأمر، لم تمثل هاتان المدرستان مجرد أساليب في الجدل، بل تكشفان معًا عن البنية العميقة للعقل الجمعي السوداني. فكلتاهما تميل إلى الانفعال والرمزية أكثر من التحليل العقلاني: النص الديني في الأولى يتجه نحو المطلق واليقين المغلق، بينما يتجه الإلهام الشعري في الثانية نحو اللانهائي المفتوح على التأويل. ورغم اختلاف المنبعين – الوحي في مقابل الوجدان – تنتهي النتيجة إلى شيء واحد: إنتاج عقل سياسي هشٍّ تحكمه العاطفة وتغذيه الرمزية، على حساب التفكير النقدي والفهم المسترشد بمناهج العقل.”
لقد عمَّقت هذه البنية الكلاسيكية لكلا المدرستين جذور اللاعقلانية في الفضاء السياسي السوداني، بحيث صار أغلب من يتصدر الساحة اليوم نتاجا مباشرا لهذه “الممارسة”، يحمل أدواتها ويتنفس خطابها. ومن هنا، فإن إنتاج عقل جمعي جديد يضع الفكر في مركز السياسة لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى الحوار أو إدخال مصطلحات جديدة في الخطاب العام، بل يتطلب مراجعة جذرية عميقة وطويلة المدى، شبيهة بعملية التشريح الفكري التي قام بها محمد عابد الجابري في مشروعه حول تكوين العقل العربي.
ولفهم هذه الظاهرة يجدر النظر لرؤيتي كل من إميل دوركهايم ويورغن هابرماس.
فمن منظور دوركهايم: تؤدي هذه الممارسات إلى تفكيك الوعي الجمعي الذي يُفترض أن يكون الإطار الموحد للمجتمع، فتحوّله إلى وعي هش وغير متسق. وبدلاً من أن يعزز التضامن عبر قيم مشتركة، يصبح أداة لتعميق الانقسامات الضيقة — حزبية، قبلية، أيديولوجية — فيفرغ مفهوم المصلحة العامة من محتواه.
ومن منظور هابرماس: يخرق هذا النمط شروط العقل التواصلي الذي يقوم على حوار عقلاني متكافئ، إذ يحلّ الاستعراض الخطابي محل قوة الحجة الموضوعية، وتطغى عقلية “القبيلة” والرغبة في إسكات الخصم على السعي المشترك نحو الفهم والإقناع.
لتطل النتيجة النهائية بما يمكن وصفه بـ”لا-وعي جمعي” مشوش، يصبح فيه الصراع هو القاعدة، ومفارقة الجوهر الفلسفي هو السمة الغالبة. ويتحوّل الفضاء العام إلى ساحة معركة تفتقر إلى الأسس اللازمة لتشكيل إرادة جماعية رشيدة. وهكذا يغدو العقل الجمعي، الذي كان يُفترض أن يكون أداة لتكامل الفكر والمصلحة العامة، مجرد مسرح للتهريج السياسي والانفعالات، حيث تُمنح الأولوية للأداء واللغة على حساب الفهم والمعرفة.
ولم يتوقف الأمر عند الماضي، بل أعادت هذه البنية إنتاج نفسها بوسائل حديثة. فبعد انتصار ثورة ديسمبر 2019، وفي اللحظة التي كان الشارع السوداني يحتفل بإسقاط النظام ويتطلع إلى خريطة طريق واضحة، ألقى أحد قادة الأحزاب خطابا يزف فيه التحول للديمقراطية مستندا إلى بيت شعر. وهكذا تحوّل حدث تأسيسي كان يفترض أن يطلق عقلية سياسية جديدة إلى مجرد استعراض خطابي، كاشفاً أن الثورة لم تستبدل البنية القديمة، بل أعادت تدوير ذهنية “أركان النقاش” في ثوب جديد.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتوسّع هذه الدائرة أكثر وبصورة تتسم بالفوضى واللامعقول. فبعد أن كانت هذه الممارسات حبيسة الجامعات والمنابر التقليدية، بات أي صوت بلا رؤية فكرية قادرا على الوصول إلى آلاف المتابعين- من خلال مقطع صوتي او فيديو – ناشرا خطابات عديمة القيمة تنتشر بسرعة هائلة. قوامها لغة محنطة وأساليب تافهة. وهكذا تعمقت الفوضى الخطابية، وتباعدت المسافة بين الفكر والسياسة، فيما أخذ الأمل في حوار جمعي منتج للمعرفة في التلاشي.
لابد هنا من الاشارة لحالة غريبة وهي أن السياسي الذي يعتمد على الخطابة وحدها يعيش في وهم السيطرة. حيث تمنحه صيحات الجمهور إحساسا زائفاً بالقوة، بينما يبقى فراغه الفكري على حاله. إنه يمارس السياسة كما يُقال في العامية السودانية: “طق الحنك”، أي فن الكلام لا فن إدارة المصالح العامة. فقوته تشبه بالونا منتفخا؛ كلما صفق له الجمهور، ازداد انتفاخا، بينما وزنه الحقيقي ضئيل.
مهما يكن من شئ، يذكر عالم هسه في لعبة الكريات الزجاجية بما يمكن أن تكون عليه السياسة إذا تأسست على حوار هادئ وتأمل جماعي وإنتاج معرفي حقيقي. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة شاملة تعيد النظر في بنية العقل السوداني ذاتها. فبدون هذا الفهم والتشريح، سيبقى الفضاء العام أسير صخب أركان النقاش وفوضى “طق الحنك”، وسيظل المستقبل رهينة عقل معطوب غير قادر على إنتاج بدائل جديدة.
إن الخروج من أسر السياسة كـ”طق حنك” يبدأ بـولادة عقل جمعي ناقد، قادر على التحليل ويرفض الاتكاء على الجاهز، نصاً كان أو إلهاماً شعرياً. والمطلوب هو تحرير السياسة من سطوة الخطابة وبناؤها على الفهم والنقد والمساءلة. هذا المقال لا يقدّم هذا العقل، لكنه يقرع الجرس لينبه إلى عمق المأزق، تاركاً مهمة الخلاص لمسار جماعي يستشعر الأزمة ويعيد وصل السياسة بالعقل.
دمحمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …