هناك رجالٌ تكتبهم التضحيات والدماء، فتغدو سيرتهم ناراً تحفظها الشعوب في وجدانها. وهناك رجالٌ تكتبهم المناصب والصفقات المشبوهة، فتغدو أسماؤهم بقعاً داكنة على جدار التاريخ. مبارك أردول من الفئة الثانية: شخصٌ عرفَته ميادين الكفاح يوماً؛ وهو يرفع شعارات الثورة، ثم رأيناه ينحدر درجة بعد أخرى في سلم الخيانة، حتى صار صوتاً باهتاً يسبّح بحمد العَسكر، يبرّر موت من شاركوه الحلم ويصفق لمن قتلوا رفاقه.
في حواره الأخير مع أحمد طه على شاشة الجزيرة، بدا أردول كمن يقرأ نصاً كتبه له آخرون، ممثلٌ مرتبك في مسرحية رديئة. قال إن الطروحات تتغيّر مع تغيّر الأوضاع، وكأن المبادئ مجرد معاطف تُبدَّل عند أبواب الفصول. تحدّث عن الجيش ويده العليا، كأنه يقرأ بيان النصر في جنازة الوطن. اعترف بأن ثمانين في المئة من وزراء الحكومة كيزان، ثم حاول أن يبدو شجاعاً وهو يتبرّأ، ناسياً أنه نفسه كان شريكاً في فتح أبواب الجحيم.
الرجل لا يريد أن يتوب، يريد فقط أن ينجو. رأى معسكر الكيزان يتصدّع، وسمع وقع أقدام الضغوط الأميركية، فارتجف خوفاً لا على الوطن، بل على ما خبّأه في البنوك البعيدة: ذهبٌ منهوب وصفقاتٌ مريبة وأرصدةٌ في شركاتٍ عابرة للحدود. لم يخشَ دماء الشهداء ولا خراب السودان، لكنه خشي تجميد حساباته. لذلك أطل بوجهٍ جديد، يهاجم الكيزان الذين كان بالأمس حليفهم، ويغازل معسكر الثورة الذي طعنه بخنجر الغدر يوم “اعتصام الموز”.
ذلك الاعتصام لم يكن سوى مسرحية هزلية، صُنعت بمال الكيزان وأديرت بأيديهم، وهناك كان أردول شاهداً وشريكاً. من هتفوا “الليلة ما بنرجع إلا البيان يطلع” لم يكونوا ثواراً، بل وسطاء بين العسكر والخيانة. خرج البيان، وخرج معه الانقلاب. وخرج أسوأ كابوس في تاريخ البلد: حربٌ أطاحت بالعاصمة، وشرّدت الملايين، وفتحت أبواب الجحيم على مصاريعها.
لكن أردول له خصوصية. إنه يتقن التشظي. يعيش على الهامش بين المواقف. يتقافز بين الضفاف كما يتقافز المرتزقة بين جبهات القتال. يبيع صوته عند أبواب العسكر، ثم يتسوّل موقعاً على أرصفة الثورة. يبحث عن قبولٍ لن يجده، وعن مكانةٍ لا تمنح إلا لمن حفظوا العهد مع دماء الشهداء.
هو ليس زعيماً يلتف الناس حول رايته، ولا قائداً يُحسب له حساب في معادلات الحرب والسياسة، ولا رمزاً تستيقظ الجماهير على اسمه. مجرد ظلٍّ هارب من نفسه، شبحٌ باهت يتلاشى عند أول امتحان. رجلٌ فقد القدرة على أن يكون في صفٍّ أو موقع، فلا هو بين الحلفاء مقبول، ولا عند الخصوم موثوق. هشٌّ إلى حدّ أن الريح تسقطه، وموهومٌ حدّ ظنّه أن اللعب بالكلمات سيمنحه غفراناً من شعبٍ يعرف تماماً من الذي خان.
يحاول إعادة التموضع بعد أن احترقت أوراقه. يتصوّر أن الناس تنسى، وأنه قادر على خداعهم بتصريحات عن “كيزان في الحكومة”، بينما يعرف الجميع أنه كان جزءاً من آلة الخراب نفسها. يريد أن يعود إلى الصف الوطني بلا اعتراف ولا اعتذار، يريد أن يقف على منصات الثورة متناسياً أنه كان أحد أسباب انكسارها.
لكن الثورة ليست مطيّة. ودماء ديسمبر ليست ماءً يغسل به وجهه. من أراد مغادرة مركب الكيزان فعليه أولاً أن يواجه المرآة، أن يعترف بخيانته، أن ينحني للشهداء، أن يطلب الغفران من هذا الشعب المصلوب على الجوع والرصاص.
أردول وأمثاله لا يحق لهم أن يتحدثوا باسم المستقبل. لا عفو بلا محاسبة. لا عودة بلا مساءلة. فالثورة لم تُصنع ولا دفع الشهداء مهرها الغالي؛ لتكون جسراً يعبر عليه الانتهازيون، بل لتكون شاهداً خالداً على أن الشعوب، مهما ذُبحت، تحفظ ذاكرتها.
أردول لم يقفز من المركب الغارق، بل يحاول أن يعيد طلاؤه ليطفو فوق دماء الأبرياء. يحسب أنه قادر على تضليل التاريخ. لكن التاريخ، حين يستيقظ، لا يرحم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم