مشهد افتتاحي: مطاعنة الكِربِشين وشاي الجِمِر:
المكان: إحدى الأنادي القديمة في أطراف المدينة، تختلط فيها أصوات الضحك بإيقاعات الدلوكة، وتعبق أجواؤها برائحة المريسة وشواء اللحم. كانت الأنداية فضاءً مفتوحًا للصراع الرمزي بين الشيخات؛ لكلٍّ منهن زبائنها وأنصارها، ولكلٍّ طريقتها في تثبيت المكانة. وفي تلك الليالي، كانت المنافسة بين بت كوراك وبت أب عُوَة قد بلغت أشدّها، حتى غدت حديث الناس. تُدار المطاعنات بينهما بالفكاهة والرمز والإشارة، على طريقة “إياكِ أعني واسمعي يا جارة”.
خرجت بت كوراك تتمشى مع كلباتها، تنادي عليهن بأسماء جديدة وُضعت بعناية للغمز واللمز:
“فارغات! ممغوسات! هايفات! جحمانة!!”
ثم ترفع صوتها لتسمعها غريمتها والحي بأسره، وهي توبّخ إحداهن قائلة:
“يا دي الكلبة، الله يضرك، شوفي الكلبة الما عندها حياء دي! جر يا كلبة، يا الشايعة يا المايعة!”
وهكذا تتحوّل النزهة إلى إعلان حربٍ رمزية، تشعل ألسنة الحيّ قبل أن تخمد المريسة في الكؤوس. وبالطبع، لم تلبث بت أب عُوَة أن ردّت عليها، فازدادت نيران الصراع اشتعالًا.
ولأن لكل شيخة مستأجرًا من أهل التخصص والحنكة في الردحي، فقد استجلبت بت كوراك في ليلة لاحقة الكِربِشين، رجل أملس الملامح، يميل في جلسته وهيئته إلى طرائق النساء، وعُرف في الأندايات بجرأته وسرعة لسانه. وفي المقابل، استدعت بت أب عُوَة شاي الجِمِر، وهو من طينة سابقه، ممن يجيدون السخرية وفنون المغارز، ويحوّلون العيب إلى نكتة.
يرفع الكِربِشين صوته قائلًا: “هاي هاي!”
(يتبعها بضحكة فاجرة يسمعها كل روّاد الأنداية، ثم يُطأطئ رأسه للخلف وتَزْوَرُّ حاجباه وتَبيضُّ عيناه)
“شَطّار يا بت أمي! عاد من الليلة بت كوراك فنشت، وأنا قبيل الجمِيص والرخيص!”
فينتصب شاي الجِمِر من الجهة الأخرى، وقد لزمه العُرف أن يردّ، فالمسألة مسألة كرامة لا تُترك بلا جواب:
“عاد أنا ما شايل نَضِر (نذر) تاني! بت أب عُوَة ما تَفْتَح خشِمها مع الحنيش والدَّردِيس!”
الكِربِشين: “مع منو يا شاي الجِمِر؟”
شاي الجِمِر: “مع الطلطميس والدِّردِيس، مع قرع ود العباس، العشرة بقرش، أجي أجي!”
الكِربِشين: “أجي يا يالديك صَدَر عُرْيان! بعلم الله أنا كايس لليوم المتل دا!”
شاي الجِمِر: “عندك يا صايع يا مايع، يا تَرِن تَرِن العِنْد القَيْف حُرَنْ!”
الكِربِشين: “يا عربي الصقيعة، ويا رعاوي القيعة!”
وهكذا تتوالى المغارز كطلقاتٍ كلامية مشحونةٍ بالفخر والإهانة، في مشهدٍ يُكثّف عالم الأنداية بكل طبقاته اللغوية والاجتماعية؛ حيث تتحول الكلمة إلى سلاح، والضحكة إلى إعلان نصرٍ مؤقت. وهكذا تتجلّى الأنداية كمسرحٍ رمزيٍّ يتواجه فيه اللسان بدل السيف، وتُقاس فيه الهيبة بقدرة المتكلّم على تحويل الإهانة إلى فخر، والانهزام إلى طقسٍ روحي يُعيد إنتاج المعنى لا فقدانه.
الأنداية والمغارز — النشأة والمكان والوظيفة الاجتماعية:
الأنداية في الذاكرة الجمعية ليست مجرد مكانٍ لشرب الخمور البلدية، بل مؤسسة اجتماعية تركت أثرًا بالغًا في تشكيل جوانب من الثقافة الشعبية. فهي فضاءٌ اجتماعي مفتوح تتقاطع فيه تناقضات المجتمع: قاعُه بقمّته، والرجال بالنساء، والرغبةُ بالسلطة، فيها تتكوّن مفردات جديدة، وتُصاغ أمثال وتولد أغان، وتُختبر فيها قيم الرجولة والأنوثة في مجتمعٍ تتجاور فيه الجرأة والمرح مع الخطر والوصمة.
تُدير الأنداية امرأة تُعرف بـ الشيخة، وهي المالكة والمضيفة في آنٍ واحد، يعاونها نساء أخريات في إعداد المريسة وخدمة الزبائن وتنظيم العلاقات الاجتماعية داخل المكان. وبين الشيخات تنشأ منافسة شرسة على المكانة وعدد الرواد وسمعة الأنداية، إذ يُقاس النجاح بقدرة الشيخة على جذب الرجال، وبسط جوٍّ من اللهو والكرم والغناء.
وهنا تظهر المغارز والردحي كأداة رمزية لتصفية الحسابات وإعلان السيطرة. فالمطاعنات الكلامية تمثل نوعًا من المبارزة اللفظية، حيث تتواجه الشخصيات بالكلمة، ويستعرض كل طرفٍ قدرته على الفصاحة والتهكم واستحضار الأمثال والصور الساخرة من الحياة اليومية. إنها تشبه “المحاورة” في الثقافة العربية، لكنها أكثر فوضوية وشعبية، تستمد قوتها من الارتجال والإيقاع واللغة العامية المشبعة بالسخرية.
المغارز في الأنداية ليست مجرد إساءة أو شتيمة، بل أداءٌ فنيّ اجتماعي له جمهوره وقواعده الخاصة.
لكل مطاعنةٍ افتتاحيتها — صيحة أو ضحكة مستفزة — ثم جولة من الردود المتبادلة، ويُعدّ العجز عن الرد مهانةً علنية، لأن الردحي ليس شتيمةً عابرة، بل امتحان في الكرامة والبداهة والقدرة على التلاعب باللغة.
ومن اللافت أن ثقافة الأنداية وجدت حتى في طقس الظّار مخرجًا رمزيًا للهزيمة. فحين تعجز إحدى الشيخات أو أحد أتباعها عن الرد في ذروة السجال، قد تدّعي أن “الظّار” تلبّسها، فتحوّل عجزها من ساحة السجال والكلام إلى ساحة الغيب. وهكذا يتداخل الطقس بالشعوذة، والمعتقد بالخطاب، في عملية دفاعٍ رمزية تحمي الذات من انكسارٍ علني. فالزار هنا ليس مجرد ممارسة روحية، بل آلية ثقافية لحفظ الكرامة في مجتمعٍ لا يرحم من يسكت في ساحة الكلام.
وقد سجّل الطيب محمد الطيب في كتابه الأنداية – والذي نقلت منه بتصرف المشهد الافتتاحي في هذا المقال – نماذج حيّة لهذه الحوارات، تُعد وثائق لغوية واجتماعية تكشف عن عقل المجتمع في نخبته وطبقاته الشعبية معًا، وعن كيفية تحوّل الكلمة إلى سلطةٍ رمزية تمنح المتحدث مكانة، أو تنزله من عليائه في لحظة واحدة.
من الأنداية إلى القونة: تحوّل المغارز إلى ظاهرة بذاءة واستهلاك معاصر:
عندما غابت الأنداية كفضاء مادي، لم تختفِ ثقافة المغارز تمامًا، بل تحوّلت وتقمّصت أشكالًا جديدة في الحياة السودانية. تراجعت الأنداية، لكن الردحي بقي حيًا، وانتقل من بيوت المريسة إلى المنصات الرقمية والحفلات العامة.
ظهرت القونة بوصفها الوريثة الجديدة للشيخة، تُعيد إنتاج سحر الحضور الأنثوي وتهيمن على جمهورها في حفلات الغناء ومقاطع التواصل الاجتماعي. لكنّ مغارز اليوم تختلف جذريًا عن تلك التي كانت تُقال في الأنداية؛ فالمغارز القديمة لم تكن تُرافقها آلات موسيقية، بل كانت تُلقى شفاهيًا في أجواء احتشاد وارتجال، تعتمد على حدة اللسان وسرعة البديهة أكثر مما تعتمد على الإيقاع أو الأداء الصوتي.
أما اليوم، فقد انتقلت المغارز إلى فضاء مختلف تمامًا، حيث تُبثّ عبر تسجيلات فيديو على فيسبوك وتيك توك، مشحونة بالشتائم والإساءات المباشرة، يشارك فيها جمهور المتابعين بالتعليق والتداول، لتتحوّل من فعل محلي محدود إلى فرجة رقمية جماعية.
وفي المشهد الغنائي أيضًا، لم تعد المغارز حكرًا على النساء؛ فقد برز فنانون رجال يمكن عدّهم من “قونات الغناء”، يؤدّون هذا اللون بأسلوب يجمع بين المغارز اللفظية والموسيقى الهابطة، في مزيج يُعيد إلى الأذهان شخصيات مثل الكِربِشين وشاي الجِمِر، لكن على نحوٍ محدثٍ بفعل الكاميرا والإيقاع. وهكذا أصبح الردحي والمغارز جزءًا من عروض الغناء في مجتمع القاع، يثير الجدل ويصنع الشهرة، لكنه في جوهره يعبّر عن تحوّل الذائقة من البلاغة الشعبية إلى الفحش.
غير أن المفارقة تتجلّى في تسرب هذا الأسلوب إلى الخطاب السياسي نفسه؛ إذ عُرف عن عمر البشير، رئيس النظام السابق، ميله للردحي والمغارز بأسلوب فج لم يكن مألوفًا في خطابات من يتنسمون القيادة في الدولة..
ترافقت في نفس الفترة عبارة قيادي أخر إبان النظام السابق الشهيرة: «ألْحَس كُوعَك»، لتصبح لحظة فاصلة نقلت لغة الأنداية إلى منبر الدولة، واستُخدمت كأداة لمغازلة الجمهور أو استفزازه بأسلوب مباشر وساخر. ثم تكرّر الأمر في خطاب لرأس هرم الدولة قبل فترة قريبة، عندما قال في خطاب مبثوث في مجلس عزاء:
“وهذا الكلام يغيظ البعض، ولكني أقوله لأغيظهم”.
وهكذا يتجلّى التحوّل الرمزي للمغارز والردحي من فضاء الأنداية الشعبي إلى القونة الرقمية والغنائية، ومن ثم إلى مستوى الخطاب السياسي الرسمي، ليصبح الأسلوب ذاته، الذي كان أداة للهو والفكاهة والفخر في المجتمع الشعبي، عنصرًا من عناصر التأثير والإثارة في الفضاء العام.
المغارز كلغة رمزية – من البلاغة الشعبية إلى تفكك الخطاب العام:
في جوهرها، المغارز ليست مجرد ألفاظ هجائية، بل لغة رمزية نشأت في فضاء اجتماعي مضاد، خارج سلطة القانون والدين والاعتبارات الرسمية. إنها بلاغة قاع المجتمع، ووسيلة لتقويض السلطة الرمزية لمن يحتكر الكلام الراقي. في الأنداية كانت الكلمة أداة دفاع عن الكرامة، تُستعمل كما يُستعمل السيف: من لا يُجيد الرد يُهزم، ومن يُحسن اللعب بالألفاظ يكتسب احترامًا ومكانة.
لكن حين نتابع تطوّر المغارز من الأنداية إلى القونات الرقمية والغنائية، ثم إلى الخطاب السياسي، نرى تحوّلًا جذريًا في المعنى والوظيفة. فما كان في الأصل لغة مقاومة من أسفل، أصبح أحيانًا لغة سلطة من أعلى، أو أسلوبًا للإقصاء والاستفزاز، يستخدمه من هم في موقع القوة ضد خصومهم.
لقد فقدت الكلمة التقليدية — التي كانت ترفع راية الأدب والحياء والفروسية — جانبًا من وقارها، لتحلّ محلّها بلاغة هجائية فجّة تتجلّى في مقاطع الفيديو على «فيسبوك» و«تيك توك»، وفي حفلات الغناء حيث يؤدي بعض الفنانين الرجال مغارز بأسلوبٍ يحاكي الأداء الشعبي للشيخات، لكن مع حضور الموسيقى وحدّة الإساءة المباشرة.
ورغم ما تنطوي عليه هذه الظاهرة من فوضى لغوية وجمالية، فإنها تكشف عن طاقةٍ تعبيريةٍ مكبوتةٍ تحاول أن تجد منفذًا عبر الكلمة، حتى وإن عُدّت مستهجنة
من الأنداية إلى المنبر — تحوّلات المغارز في الوعي السوداني:
تُظهر رحلة المغارز والردحي كيف يمكن للغة أن تعبر طبقات المجتمع، من قاعه إلى قمته، وأن تتحوّل من وسيلة تعبير عفوية إلى خطاب علني يُشكّل المزاج العام.
فما بدأ في الأنداية ـ أداءً لغويًا ساخرًا بين الشيخات ـ تحوّل مع الزمن إلى أسلوب رمزي للتحدي في فضاءات الفن الرقمي والغناء العام، ثم إلى خطاب سياسي رسمي.
لكن جوهر المغارز لم يتبدّل: إنها لغة من لا يملك سوى الكلمة، يُشهرها سلاحًا حين تنعدم أدوات السلطة والمنبر.
غير أنّ ما يجب التأكيد عليه هو أن هذه الثقافة، رغم طرافتها الشعبية وطابعها المحلي، تصبح مستهجنة ومؤذية حين تُستعمل من قبل رجال الدولة والسياسيين. فقد وُلدت في فضاءات قاع المجتمع، حيث كانت المطاعنة وسيلة رمزية لإثبات الذات، لا أداة لإدارة الدولة.
حين تتسلّل هذه اللغة إلى منابر الحكم، فإنها تفقد طابعها الشعبي، وتتحوّل إلى لغة إقصاء واستفزاز، علامة على انحدار الذوق العام وتراجع الخطاب الراقي. إن الحاكم حين يردح، لا يثير الضحك، بل الاشمئزاز، ولا يؤكد قوّته، بل يُفصح عن ضعف حجته.
في النهاية، تُذكّرنا ثقافة المغارز بقوة الكلمة وخطرها معًا: فهي مرآة للوجدان الشعبي، لكنها أيضًا جرس إنذار لتراجع المعايير الأخلاقية حين تتحوّل إلى لسان السلطة.
وبين الأنداية والمنبر تتقاصر مسافة الوعي:
• في الأولى كانت المغارز صرخة من أجل الوجود،
• وفي الثانية أصبحت صدى لفراغ الخطاب العام.
صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
salahabusarah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم