في مدينة الصباح

خيط النور
كان يوماً غائماً ناعمًا في رفقه، وتصاحبه ضحكات وتلعثم، فما بين حي عابدين والسويس مسافة وجع وشهقة تساؤل، هي رحلة تعبر بين ضفتين من القلب.
غادرتُ القاهرة، وانفاسي ترسم طريقنا إلى مجهول حلم، بخطواتٍ مترددة، تتناوبها رهبة التغيير ودفقة الشوق لبداية جديدة.
الطريق يطول عندما يداعب أبنائي النعاس، ويقصر تحت وطأة ضجيجهم. كلما مرت البنايات، من أمامي، بدا الاسفلت، يبتلع خوفي شيئًا فشيئًا، وكلّما لامس بصري اتساع الصحراء، غفت المدن خلفي واحدة تلو الأخرى.
كانت السماء تنقشع بين لحظةٍ وأخرى، تومض بشمسها ثم تخفي وهجها خلف سحابٍ عذب، كأنها تتريّث لتبارك الرحلة. وتتنفس الريح فتداعب وجه صغيرتي بنعومة من يعرف أننا مسافرون نحو قدرٍ جديد.
حين اقتربنا من المدينة، بدت معالمها أنيقة هادئة، في أول وهلةٍ، رأيت جامعة السويس، أحسست أني أتنفّس بحب خالص، منذ زمن. فالهواء هنا يختلف، فيه شيء من الصفاء الذي نُزعت منه المدن الكبرى. في الفندق الذي نزلنا فيه، استقبلنا موظفو الاستقبال بابتساماتٍ لا تُشبه المجاملة، بل كأنهم يحيّون قادمين من سفرٍ طويل.
قال أحدهم وهو يساعدنا في حمل الحقائب:
“السويس مدينة بسيطة، لكن أهلها طيبون”
قلت له بهدوء “طيبون كالماء.”
تلك الجملة علقت في ذهني طويلاً.
ربما لهذا السبب، حين انتقلنا بعد أيام إلى حيّ الصباح، شعرت بأن الاسم وحده كافٍ ليقول لي: “هنا مكانك.”
وفي مدينة الصباح، يعلو الآذان فوق هامة الجدران، صوت رخيم حنين يتلو ببطء، يهمس في قلبي، يتسرب رويداً، ثم تعلو تكبيرة تليها تسبيحة والسلام عليكم. وعلى القرب أيضا، تبدأ الترانيم بمحبة، تساير الجموع الوافدة الى الكنيسة في الأمل أصوات رقيقة ثم صمت، تفتح البوابات ويخرج الجميع، هو الصباح في مدينة السويس!
الحياة هنا بطعم جغرافيا جديد، مدينة الصباح تستيقظ بعد الغروب، رائحة التوابل تبشر بموعد الغداء، الصباحات هادئة الكل في العمل، المساءات صاخبة جداً.
الحياة نقية كهواء مدينتها، على طول الطريق الممتد بين اول السويس واخرها تنحني المباني تعانق المارة على طريق الاسفلت، هناك في حي الاربعين او السويس القديمة كما يقول اهلها تتشكل بنايات حديثة وأخرى عتيقة، السوق تفوح منه رائحة الحياة طعم الفرحة والغبطة، الجميع يبتسم، والكل يقدم المساعدة، ايقاعهم سريع وحديثهم طيب، الكل يعمل! وعلى شرفتي، أطل على أبراج السحاب بعلوها المميز، الجبال أمامي والضباب في الصباحات المبكرة يُدخن سحباً من البرد اللذيذ. هنا على كرسي أرى إبنى وإبنتي يعدوان خلف ظل طائرة ورقية، وبين نعيق الغربان تغرد العصافير وياتي جرس سائق الدراجة لنصحو بضحكات متتالية.
وفي الطريق إلى المدرسة، تعلو أصوات التلاميذ تنشد النشيد الوطني، وحركة الحافلات الصغيرة وهي تلتقط أطفالها من الأزقة. كل شيء حيّ هنا، حتى العصافير في نوافذ البيوت. بائعة الخضار عند ناصية الشارع صارت تعرفني. كل صباح تلوّح بيدها وتقول: “أهلاً أم سامر!”
وعلى الكورنيش، الحياة تنبض بإيقاعٍ لا يُشبه أي مدينة أخرى. صوت باعة الترمس والحمص والدقة، وطعم الشاي الكشري والخمسينة والقهوة السادة والمظبوط! يحيل الحنين إلى مياة تختلط بالبحر، ومن على البعد نرى السفن ترسو بهدوءٍ، لتستريح بعد تعب السفر، والأضواء تتناثر فوق الماء كقلوبٍ صغيرة تضيء وتخبو.
الأطفال يركضون على الرصيف، والدراجات تمرّ بجرسها المعدني الصافي، وصوت الحنطور من بعيد يعلن حضوره كذكرياتٍ لا تشيخ.
وفي مساء الخميس يوم نزهتنا، يصبح البحر مرآةً للنجوم، وأجلس هناك أحتسي النسكافية وأتأمل وجه الحياة من جديد. وبين سامر حين يسابق احلامه على الدراجة وراندي وهي تجاهد لتقف تبدو الحياة اهدأ. لم تعد الوحدة تخيفني كما في البداية. تلاشى ضجرها شيئًا فشيئًا، وامتلأت أيامي بعاديّاتٍ جميلة: تحضير الإفطار، تبادل الحديث مع الجيران، ومراقبة الغروب من الشرفة، وتذوق حلوى المولد بنكهه مصرية خالصة الدسم. كل يوم يمرّ هنا، يعلّمني أن الغربة لا تُمحى، لكنها تهدأ حين تجد دفء الناس حولها. وأن الله يفتح لنا أبوابًا جديدة حين تُغلق الأخرى، تمامًا كما تفتح الشمس نوافذها كل صباح، لتقول: ابدئي من هنا… فالحياة لا تزال ممكنة.

د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد …