العقل التنموي في جنوب السودان يجب ان يتغير!

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

في عام 2009 كنت برفقة مستشار فني من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو) في زيارة ميدانية إلى إحدى القرى في منطقة أبيي. كان هدفنا فهم كيفية استخدام الثيران في حراثة الأرض ومعرفة الوسائل الممكنة لزيادة الإنتاج الزراعي وضمان الأمن الغذائي. كانت الرحلة تجربة إنسانية قبل أن تكون دراسة فنية، فقد كشفت لي الفجوة الحقيقية بين ما نريده كدول نامية وما نستطيع تحقيقه فعلاً. حين وصلنا إلى القرية، استقبلنا أحد المزارعين أمام منزله المتواضع، الذي تحيط به مزرعة صغيرة وعدد من الأغنام وأربع قطاطي تقف شاهدة على بساطة الحياة في الريف. وبعد التحية، بدأ المستشار الألماني حديثه مع الرجل، وسأله بلغة علمية بسيطة عن إمكانية استخدام الثيران في الزراعة كوسيلة لزيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي. فجأة، نظر المزارع إليه باستغراب وسأله: “من أين أتيت؟” قال المستشار: “من ألمانيا.” فرد الرجل مبتسمًا: “أتيت من ألمانيا لتحدثنا عن الزراعة بالثيران؟ كنا نظن أنك ستجلب لنا التراكتورات والآلات الحديثة. نحن لا نحتاج إلى الثيران، بل نحتاج إلى التراكتورات.” لكن المستشار لم ينفعل، بل رد عليه بابتسامة هادئة قائلاً: “الآلات الحديثة تحتاج إلى وقود وقطع غيار وزيوت وصيانة دورية، وكل ذلك مكلف جدًا. فإن كنت تملك المال لتوفير هذه المتطلبات، فالأولى أن تحسّن بيتك أولاً، وإن لم تملك المال، فالثيران هي الوسيلة الأنسب لك الآن، لأنها أقل تكلفة وأكثر استدامة في ظروفك الحالية.” تلك المحادثة القصيرة كشفت لي معنى عميقًا لطالما غاب عن وعينا التنموي: أن التنمية ليست في امتلاك الأشياء الحديثة، بل في استخدام ما نملكه بأفضل شكل ممكن. إن تجربة هذا المزارع تمثل نموذجًا مصغرًا لمشكلة أوسع في جنوب السودان — مشكلة العقل التنموي. فالكثير من الناس ينظرون إلى التنمية بوصفها شكلاً من مظاهر التقدم المادي: الطرق المعبدة، السيارات الفخمة، والمباني العالية. لكن التنمية الحقيقية تبدأ من العقل الذي يدير الموارد، لا من الموارد نفسها. في جنوب السودان، تتوفر مقومات طبيعية هائلة: الأراضي الخصبة، المياه، الثروة السمكية، الثروة الحيوانية، وحتى التنوع الثقافي الذي يمكن أن يكون رافعة اجتماعية. ومع ذلك، ما زال الواقع التنموي هشًّا، لأن الوعي بإدارة التنمية لم يواكب الحلم بالاستقلال السياسي الهشة. ما زال البعض يعتقد أن التنمية تأتي عبر المساعدات الخارجية أو القروض، بينما الحقيقة أن التنمية تنطلق من الإنسان قبل أن تصل إلى الأرض. إن التنمية ليست مشروعًا حكوميًا مؤقتًا، بل هي ثقافة وسلوك يومي. فعندما يدرك المزارع أن الثور الذي يملكه يمكن أن يحرث له أرضه، بدلاً من انتظار جرار لن يأتي، يكون قد بدأ أول خطوة في طريق الوعي التنموي. وعندما تدرك الأسرة أن تحسين سلوكها الغذائي والصحي جزء من التنمية، وعندما يفهم الشاب أن التعليم المهني ليس أقل شأنًا من الوظائف الرسمية، عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نتنفس وعيًا تنمويًا حقيقيًا. إن مشكلة جنوب السودان ليست في قلة الإمكانيات، بل في غياب التخطيط التنموي المبني على الواقع. فالموارد موجودة، لكن طريقة التفكير ما زالت رهينة النموذج الغربي للتنمية، وكأننا لا نستطيع أن نكون متقدمين إلا إذا نسخنا ما فعله الآخرون. بينما التنمية الحقيقية هي أن نصنع نموذجنا الخاص، وأن نبني مستقبلنا انطلاقًا من بيئتنا وثقافتنا واحتياجاتنا الواقعية. إن المطلوب اليوم ليس فقط بناء الطرق والمدارس والمستشفيات، بل بناء عقل تنموي واعٍ قادر على إدارة تلك المنشآت بكفاءة. فكم من مشروع تم افتتاحه باحتفال رسمي كبير، لكنه توقف بعد أشهر بسبب غياب الوقود أو انعدام الصيانة أو سوء الإدارة. التنمية ليست إعلانًا في نشرة الأخبار، بل عملية متواصلة تحتاج إلى صبر ومعرفة ومسؤولية. لقد علمتني تلك الحادثة في احدي قري منطقة أبيي أن التنمية تبدأ من السؤال البسيط: ماذا نملك الآن، وكيف نستخدمه؟ وليست من السؤال: ماذا يملك الآخرون، وكيف نقلده؟ فالمجتمعات التي نجحت لم تفعل ذلك لأنها أغنى منا، بل لأنها استخدمت ما لديها من موارد بذكاء وحكمة. إن بناء جنوب السودان الجديد لا يحتاج إلى ثروات إضافية بقدر ما يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير. فالثور الذي يُحرث به الأرض اليوم، أفضل من الجرار الذي يقف بلا وقود غدًا. والمزارع الذي يفهم واقعه ويتعامل معه بوعي، أكثر تقدمًا من المسؤول الذي ينتظر المعونات ليبدأ العمل. وهكذا، يبقى جوهر التنمية في جنوب السودان هو تحرير العقل من وهم الاعتماد على الخارج، وبناء ثقافة الاكتفاء الذاتي والمعرفة المحلية. فعندما يتحرر الإنسان من عقدة النقص، ويؤمن بأن البساطة ليست تخلفًا بل وسيلة للانطلاق، حينها فقط سنرى التنمية تتحرك من القرية إلى المدينة، ومن الحلم

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

مأساة أبيمنم… حين يصبح المدنيون وقوداً لصراع لا ينتهي

بقلم: لوال كوال لوال ليست المأساة التي شهدتها مقاطعة أبيمنم حادثة عابرة يمكن طيّ صفحتها …