العار لن يُخفيه إحراق الجثث

نزار عثمان السمندل
بينما تنام مدن البلاد على رمادها وتستيقظ على صمت موتاها، تُعاد كتابة فصول المأساة السودانية بلحم البشر وعظامهم. فالفاشر ما عادت مدينة منكوبة فحسب، بل تحوّلت إلى مرآة للفظاعة، ودرس في انحلال الضمير الإنساني، حين يتجاسر الموت على القبور، فيحرق الجثث كي يمحو الدليل.
البيان الذي بثّته شبكة أطباء السودان (الأحد)، يكشف عن فصول جديدة من الرعب: مئات الجثث جُمعت من شوارع الفاشر وأحيائها، بعضها وُورِي في مقابر جماعية، وبعضها أُحرق حتى العدم. لم يعد الموت نهاية بل بداية لامتهانٍ جديد، وكأن الحرب تُصرّ على إلغاء كل أثر للحياة، حتى في وجوه الموتى.
ذكرت الشبكة في نبرة موجعة: “إنها ليست حادثة معزولة، بل فصل من إبادة جماعية مكتملة الأركان”.
المدينة تحوّلت إلى اسمٍ آخر للجريمة. إلى جغرافيا تغلي بالعار. تُنتهك فيها الجثث كما تُنتهك القيم، ويُختزل الإنسان إلى أثرٍ في رماد، والعالم يراقب ببلادة من فقد القدرة على الغضب. الصمت الدولي، كما بيّنت شبكة الأطباء، لم يعد حياداً، بل تواطؤاً معلناً يرقى إلى الخيانة الأخلاقية.
وبينما كانت النيران تلتهم أجساد الضحايا في دارفور، كانت شواهد الخطر تمتد جنوباً نحو كردفان. تقارير عن حشود عسكرية لـ «الدعم السريع» تتأهب لاجتياح مدينة الأُبيّض. هناك، تتكثف الرهبة في وجوه الناس، ويستعيد الأهالي صور الفاشر: الجثث، الدخان، النهب، والعنف العاري من كل مبرر.
«نحن متخوفون من الوضع، خصوصاً بعد ما حصل في الفاشر»، تقول إحدى مواطنات الأبيّض، مُجللة بالخوف الذي صار اللغة الوحيدة المفهومة في السودان.
الأُبيّض، عاصمة الرمال، التي تبعد نحو 400 كيلومتر عن الخرطوم، تتقاطع في رمالها خطوط التماس العسكرية مع نوازع الخوف والارتياب. المدينة تقع على طريق الإمداد الرئيسي بين دارفور والعاصمة، فيها مطار ومخازن، ما يجعلها جائزة استراتيجية للمليشيا الساعية لتوسيع قبضتها بعد أن استولت على الفاشر وبارا. الأمم المتحدة حذّرت من «استعدادات واضحة لتكثيف الأعمال العدائية»، فيما تؤكد شهادات السكّان أن المسيّرات بدأت تحلّق فوق رؤوسهم.
مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم، تحدّث من جنيف عن مستشفى في كردفان قُصف في السادس من نوفمبر، فمات ستة بينهم طفل. قال بمرارة: «السلام هو خير علاج». جملة تبدو شاعرية أكثر مما ينبغي في عالمٍ فقد شغفه بالعلاج وفهمه للسلام.
منذ أن سقطت الفاشر في أيدي المليشيا، لم يعد هناك توازن في غرب السودان. المدن تتهاوى واحدة تلو الأخرى، والناجون يفرّون إلى مدنٍ بالكاد تتنفس. أكثر من 80 ألفاً نزحوا من الفاشر ومحيطها، وآلاف وصلوا إلى طويلة وكبكابية ومليط وكتم، يحملون في عيونهم وجعاً أكبر من الكلمات. بعضهم وصل بأطفالٍ لا يعرفهم، أطفال فقدوا ذويهم في الطريق أو تركوا وراءهم في فوضى المذبحة.
المنسقية العامة للنازحين أوضحت أن أكثر من 16 ألف إنسان وصلوا إلى طويلة، يطلبون الماء والغذاء والرعاية الطبية، بينما الجيش السوداني يتحدث عن إسقاط طائرة مسيّرة فوق الأبيّض. أما البرهان، فزار نازحي الفاشر في مدينة الدبّة شمالاً، واحتضن إحدى الناجيات وبكى… متعهداً بالنصر، بينما المدن تتساقط من تحت قدميه.
تبدو البلاد اليوم وكأنها تُقسَّم على مهل، شرقٌ للجيش وغربٌ للدعم السريع، وشعبٌ معلّق بين سلطتين تتنازعان فوق أنقاضه.
المليشيا تحرق الموتى لإخفاء الجريمة في دارفور. وترهب العُزّل استعداداً للجريمة التالية في كردفان. بينما البرهان وجيوشه التي تقاتل معه؛ بلا حول ولا قوة. والعالم: يتفرج على المأساة كما لو كانت فيلماً طويلاً عن وطنٍ يتآكل من الداخل، ويُحاصر فيه الإنسان بين رصاصةٍ في الصدر ونعشٍ يُحرق قبل أن يبرد.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …