إطفاء الحرائق بالرصاص

تتصاعد طبقات الغبار فوق الجغرافيا السودانية كأنها سجادة موت تُمدّد على مهل، فيما يعلن عبد الفتاح البرهان التمسّك بخيار النار، مقدّماً الحرب بوصفها الطريق الوحيد إلى الخلاص.
خطاب يشبه حجراً يُلقى في بئرٍ فارغة؛ صداه أعلى من معناه، وتعنّته يتجاوز كل نداءات الهدنة وكل رجاءات العابرين في الممرات الإنسانية. فالأزمة الإنسانية بلغت مستوى يجعل نصف السكان في انتظار فتات النجاة، ومع ذلك يصرّ قائد الجيش على استمرار القتال حتى آخر جندي وآخر طلقة وآخر نَفَس.
في جنيف، ارتفعت لهجة مجلس حقوق الإنسان إلى مستوى التحذير الأخير. مشروع قرار بالإجماع لتشكيل بعثة مستقلة لتقصّي الحقائق، تحقيق عاجل في “القتل الجماعي” بالفاشر، وتحديد لكل من تحيط به شبهات المسؤولية عن الانتهاكات. سياق ثقيل يذكّر العالم بأن السودان يتدحرج نحو قعر جديد، وأن ما يحدث في الفاشر ليس حادثة معزولة بل انعكاس لحربٍ خرجت عن كل سيطرة.
المندوبون سمعوا صوت فولكر تورك يوبّخ العالم: “كثير من التظاهر، قليل من الفعل”. جملة تختصر التناقض بين هول المأساة وبطء المجتمع الدولي.

على الضفة الأخرى، يرفع البرهان سقف التحدي. يرفض الهدنة، يرفض الوساطات، ويعلن استمرار الحرب حتى إخماد “التمرد”. يطلب من كل قادر على حمل السلاح الالتحاق بالمعركة.
يقول أمام حشد من الأهالي إن السلام لن يأتي إلا إذا وضع مقاتلو الدعم السريع السلاح وجلسوا أرضاً “للتسليم”. خطاب يوحي بأن المعركة خرجت من منطق السياسة ودخلت مدار الثأر الوجودي.
كلمات تُقال أمام الناس لتشدّهم إلى الحرب، لكنها تترك خلفها سؤالاً مريراً: ماذا عن البلاد التي تتآكل من الداخل؟ ماذا عن المدن التي تستضيف التدمير وكأن من تبقّى من شعبها فقد الحق في التنفّس؟

الرباعية كانت قد طرحت هدنة إنسانية تتلوها مسارات تفاوضية. الدعم السريع أعلن قبوله، والجيش أغلق الباب. مراقبون يذهبون إلى أن الجيش يستخدم سقوط الفاشر ذريعة لإعلان طريقٍ واحد؛ طريق الحرب المفتوحة. قرار وُصف بأنه انتحاري، لأن الجبهات تتسع والنيران تقترب من مناطق أكثر هشاشة، خصوصاً في كردفان.

حكومة بورتسودان رحّبت بقرار مجلس حقوق الإنسان الذي دان فظائع الفاشر، لكن الموقف السياسي ظل معلقاً بين الإدانة اللفظية وتبنّي معركة لا يبدو أنها ستتوقف قريباً.
في الجانب المقابل، يعترف حميدتي بحدوث “تجاوزات” من عناصره، ويعد بالتحقيق. اعتراف لم يبدّل شيئاً في المسار العام؛ لأن ما قاله قائد المليشيا لا يعدو أن يكون كلاماً مضللا. فما حدث لم يكن “تجاوزات”، كان فزائع ممنهجة؛ حرب تتغذى على الأخطاء الممنهجة، وتحوّل المدن إلى ينابيع دم، وتزيد السودانيين يقيناً بأن صوت البكاء أعلى من صوت السياسة.

المشهد يتقدم كأنه اختبار أقصى لقدرة العالم على الضغط. الرباعية تنتظر موقفاً يتيح إعادة فتح نافذة تفاوضية. الولايات المتحدة لوّحت بضغوط محتملة إن استمر الرفض. السودانيون ينتظرون ما يشبه المعجزة… أو على الأقل خطوة توقف هدير الطائرات وتمنح الفاشر مساحة لاستعادة إنسانية أهلها.

ووسط هذا الركام، يظل السؤال معلّقاً؛ هل يذهب السودان إلى هدنة تُنقذ ما تبقى من الروح، أم يندفع إلى حرب طويلة لا ينتصر فيها أحد… وتخسر فيها البلاد آخر ما تبقّى من مستقبلها ككيان موحّد؟

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …