الانْتِقَالُ المًعَلّقُ: الاقْتِصَادُ السوداني بَيْنَ الأمَلِ والإحْبَاطِ (2019-2021)

الانْتِقَالُ المًعَلّقُ: الاقْتِصَادُ السوداني بَيْنَ الأمَلِ والإحْبَاطِ  (2019-2021)

The Suspended Transition: Sudan Economy Between Hope and Disillusion (2019–2021)

بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

تستوجب هذه السلسلة من المقالات الاقتصادية الثمانية التَدَبٌّر المُبَكِّر رغم أن الخطاب العام في السودان والمجتمع الدولي  ينشغل إلى حدٍّ كبير بالبحث عن وقفٍ لإطلاق النار وسبل إسكات البنادق. غير أن إخماد صوت السلاح، على ضرورته القصوى، لن يكون كافياً لبناء سلامٍ مستدام ما لم يُقترَن بقدرة البلاد على إعادة تأسيس اقتصادٍ مدني فاعل ودولةٍ اجتماعية قادرة على تحقيق العدالة وتوفير سبل العيش والأمل للمواطنين. وفي هذا الأفق الأوسع، تأتي هذه السلسلة من المقالات الاقتصادية لتقدِّم إسهاماً فكرياً مرتباً زمنياً ليأخذ حيّزاً جوهريّاً في الحوار المدني الموازي للتفاوض العسكري الذي ينبغي أن يواكب، بل يوجّه، المسار العسكري والسياسي الجاري حالياً.

وتنطلق هذه السلسلة من المقالات التي تغطي تجربة جميع الحقب السياسية مع برامج التكيف الهيكلي من حقيقة أن خيارات السودان الاقتصادية في المرحلة الانتقالية القادمة لا يجوز أن تُختزَل في شعاراتٍ تبسيطية من نوع ”الاعتماد على الذات“، وهي شعارات تضاعف فقدان موثوقيتها بعد الدمار الشامل الذي ألحقته حرب أبريل 2023 ببنية الدولة والاقتصاد معاً. فـ”الذات“ التي يُزعَم الاعتماد عليها قد استُنزِفت تماماً بفعل الخراب وفقدان رأس المال الإنتاجي والمؤسسي. الأمر الذي يجعل من إعادة الانخراط الاستراتيجي مع المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، خياراً عقلانياً لا تعبيراً عن تبعية، بل عن إرادة بقاء جماعية ورغبة في إعادة البناء.

ومن هذا المُنطلَق، تتجاوز أهمية هذه المقالات الثمانية البُعد الاقتصادي البحت، لتسهم في تأسيس حوار مدني فكري حول إعادة الإعمار والتنمية، يُعيد تعريف علاقة السودان بالمؤسسات الدولية على أساس الشراكة السيادية لا العزلة ولا التبعية. وتتمثل رسالتها الجوهرية في أن طريق التعافي لن يُشقّ عبر ساحات القتال ولا شاشات الفضائيات، بل عبر عقدٍ اجتماعي واقتصادي جديد يزاوج بين الواقعية المالية والعدالة الاجتماعية، ويحوّل التعاون الدولي إلى أداةٍ لبناء الدولة لا إلى وسيلةٍ للوصاية عليها. وعليه فإنه لمن غير اللائق بعد الحرب المدمرة اجترار الجدل القديم الذي لازم المؤتمر الاقتصادي الأول في سبتمبر 2020 وأضاع عاماً كاملاً عطّل التوافق على نهج واقعي لإدارة الاقتصاد السوداني.

1. إرثٌ ثقيل وأملٌ كبير

كانت ثورة ديسمبر 2018 لحظةً فارقة في التاريخ السوداني الحديث، ليس فقط لأنها أطاحت بأطول نظامٍ سلطوي في البلاد، بل لأنها أعادت الاعتبار لروح الشعب في مواجهة منظومة الفساد والاستبداد التي حكمت السودان لثلاثة عقود. غير أنَّ الأمل الكبير الذي رافق ميلاد الحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك في أغسطس 2019، اصطدم بواقعٍ اقتصاديٍّ أكثر تعقيداً من أي وقتٍ مضى.

ورثت الحكومة الانتقالية دولةً مثقلة بالديون (أكثر من 60 مليار دولار)، ومؤسساتٍ مالية منهارة، واقتصاداً ريعيَّاً فاقداً للإنتاجية بعد أن تآكلت البنية الزراعية والصناعية تحت وطأة سياسة الإنقاذ النيوليبرالية التمكينية. ورغم ذلك، رفعت الحكومة الانتقالية شعار إصلاح الاقتصاد لبناء السلام والديمقراطية، معتبرة أن النجاح الاقتصادي هو الشرط الأول لاستقرار الانتقال السياسي.

كان المزاج الشعبي مفعماً بالأمل، وكان المجتمع الدولي متحمساً لدعم تجربة السودان بوصفها نموذجاً مدنياً واعداً في المنطقة. لكن الطريق إلى الإصلاح لم يكن مفروشاً بالورود، فكل خطوة اقتصادية كانت تصطدم بموروثٍ مؤسسيٍّ عميق، وبشبكة مصالحٍ عسكريةٍ واقتصاديةٍ مترسخة مستمدة من الدولة العميقة للنظام السابق.

2. برنامج الإصلاح تحت الرقابة الدولية

اعتمدت الحكومة الانتقالية برنامجاً إصلاحياً طموحاً بعد مخاض عسير بسبب معارضة حاضنتها السياسية تحت إشراف فني من صندوق النقد الدولي فيما عُرف بـ البرنامج المراقَب (SMP)، وتضمن خمس ركائز رئيسة:

  1. تحرير سعر الصرف؛
  2. رفع الدعم تدريجياٍ عن الوقود والقمح والكهرباء؛
  3. إصلاح النظام الضريبي والجمارك؛
  4. تعزيز استقلال البنك المركزي؛
  5. إطلاق برنامج “ثمرات” للدعم النقدي المباشر للأسر الفقيرة.

وقد حظي البرنامج بدعمٍ واسعٍ من المؤسسات الدولية، وأعلن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي استعدادهما لتقديم منحٍ سخية.
لكن التنفيذ واجه عراقيل سياسية داخلية، أبرزها ازدواج السلطة بين المكوّنين المدني والعسكري، وغياب الانسجام في مؤسسات الحكم الانتقالي.

3. الشارع بين الإصلاح والمعاناة

كانت إجراءات رفع الدعم وتحرير سعر الصرف ضرورية اقتصادياً لكنها مؤلمة اجتماعياً. فقد ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى مستوياتٍ قياسية، وتدهورت القوة الشرائية للطبقة الوسطى، وتزايدت معدلات الفقر. وتحوّل الأمل في التغيير إلى إحباط شعبي متصاعد، استغلته قوى الثورة المضادة بزعامة الإسلاميين لزعزعة الثقة في الحكومة المدنية.

وفي المقابل، كان الدكتور حمدوك يردد أن “الإصلاح طريقٌ شاق لكنه لا بديل عنه”، مشدداً على ضرورة الصبر لبناء مؤسسات دولة حديثة. غير أنَّ الأزمة المعيشية كانت أسرع من أي خطابٍ سياسي، فاهتزت الشرعية الشعبية للحكومة رغم صدق نواياها الإصلاحية.

4. الانقلاب على الأمل

في أكتوبر 2021، أطاح المكوّن العسكري بالحكومة المدنية في انقلابٍ أنهى عملياً تجربة الانتقال الأولى. وكانت النتيجة مأساوية: تجميد المساعدات الدولية، انسحاب البنك الدولي وصندوق النقد من البرامج الجارية، وتوقف عملية إعفاء الديون في إطار مبادرة  HIPCوانهار الجنيه السوداني مجدداً، وارتفع التضخم فوق 300%، وفقد السودان ما تبقى من الثقة الدولية التي بناها خلال عامين فقط.

وبذلك، تحولت تجربة الانتقال من قصة أملٍ إلى درسٍ مؤلم في هشاشة التحول المدني حين يفتقر إلى وحدةٍ مؤسسيةٍ ورؤيةٍ اقتصاديةٍ مشتركة، تسعى هذه المقالات الاقتصادية الثمانية لتحقيقها.

5. دروس الانتقال المُعلّق

تُظهر تجربة الانتقال السابق أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن فصله عن الإصلاح السياسي. فغياب العقد الاجتماعي جعل المجتمع يرى الإصلاح كعبءٍ لا كفرصة. كما أن الشراكة المدنية–العسكرية، دون مساءلةٍ واضحة، جعلت من الدولة ساحة تنازعٍ لا تعاون.

الدروس الكبرى من تلك المرحلة يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:

  • أن الشرعية السياسية شرطٌ سابقٌ للنجاح الاقتصادي؛
  • وأن العدالة الاجتماعية ليست ترفًا بل ضمانةٌ للاستقرار؛
  • وأن التحول المؤسسي هو وحده القادر على صون ثمار الإصلاح الاقتصادي من الانتكاس.

الخاتمة التحليلية: نحو عقد اجتماعي جديد

ما بين أغسطس 2019 وأكتوبر 2021، عاش السودان لحظةً نادرة من الوضوح الوطني، حيث التقت طموحات الشعب مع وعود المجتمع الدولي. لكن غياب الرؤية المشتركة جعل هذا الالتقاء مؤقتاً. واليوم، وبعد حربٍ مدمّرة بدأت في أبريل 2023، تزداد الحاجة إلى إحياء روح تلك الفترة الانتقالية الأولى،  لا لاستعادتها كما كانت، بل لتأسيس انتقالٍ جديدٍ قائمٍ على عقدٍ اجتماعيٍ واقتصاديٍ أكثر عدالة ومرونة.

إن دروس الانتقال المعلّق تذكّرنا أن الإصلاح الاقتصادي لا يُقاس بالأرقام، بل بالثقة التي تمنحها الشعوب لحكوماتها حين ترى أن الإصلاح يُبنى لأجلها، لا يُفرض عليها.

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor