الإسلاميون: مِنْ رفضِ كوكا دام واتفاقيةِ الميرغني قرنق إلى قبولِ إعلانِ فرانكفورت وحقِّ تقريرِ المصير (2 – 3)

د. سلمان محمد أحمد سلمان*

1
بدأنا في المقال السابق من هذه السلسلة من المقالات بالشرح والتحليل لرحلة الإسلاميين من مربع الرفض القاطع لإعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق (كما ناقشنا بإسهابٍ في السلسلة السابقة من هذه المقالات) إلى دائرة قبول إعلانِ فرانكفورت وحقِّ تقريرِ المصير لشعب جنوب السودان، دون أيّة اشتراطاتٍ أو تحفّظات. تم ذلك القبول من خلال توقيع حكومة الإنقاذ على إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992 مع فصيل الناصر الذي انشقّ عن الحركة الشعبية الأم في 27 أغسطس عام 1991.
أوضحنا في ذلك المقال أن حكومة الانقلابيين الإسلاميين الجديدة كانت قد قرّرت منذ استلامها السلطة في 30 يونيو عام 1989 أن الحلَّ لقضية الجنوب يكمن في البندقبة. إلا أنها، وبسبب وعيها الكامل بمقدرات الحركة الشعبية العسكرية والسياسبة والدبلوماسية، قرّرت أن تضع الخطة “ب” للحوار والتفاوض مع الحركة الشعبية إذا لم يُكتبْ للبندقية النجاح.
وقد شرحنا كيف لجأت حكومة الإنقاذ الإسلامية إلى دولة إثيوبيا الماركسية وطلبت منها تنظيم لقاءٍ مع الحركة الشعبية. وأوضحنا كيف أن ذلك اللقاء، الذي تم بعد أقل من شهرين من وصولها إلى السلطة في الخرطوم، قد فشل وتحول إلى حوار الطرشان، وكيف انتهى حتى بدون الاتفاق على موعدٍ للقاء القادم.
سنواصل النقاش في هذا المقال في جهود الوسطاء واللقاءات التي تمّت بين حكومة الإسلاميين والحركة الشعبية، والتطوّرات المتسارعة والتي أدّت بعد حوالي العامين والنصف من انقلاب الإسلاميين، إلى التوصّل إلى إعلان فرانكفورت الذي منحت بموجبه حكومة الإسلاميين في الخرطوم شعب جنوب السودان حق تقرير المصير.

2
عاد الوفد الحكومي إلى الخرطوم من لقاء أديس أبابا الذي تمّ في يومي 19 و 20 أغسطس عام 1989 بلا اتفاقٍ مع الحركة الشعبية على أيّة مسألة، بما في ذلك إن كانت اللقاءات بين الجانبين سوف تتواصل، وتاريخ ومكان اللقاء القادم. عليه فقد قرّرت حكومة الإنقاذ مواصلة التصعيد العسكري، وتفعيل قرار التجنيد لعشرات الآلاف من المُستنفرين، للجهاد في جنوب السودان ولحماية الإسلام ونظامه الجديد في الخرطوم.
كان الغرض من ذلك التصعيد العسكري الكبير هو الأمل في إحراز بعض الانتصارات التي قد تُرغِم الحركةَ الشعبية إلى الإذعان لبعض شروط حكومة الخرطوم الجديدة. عليه فقد بدأت الأسماء والشعارات للمعارك القادمة تملأ ساحات الإعلام السودانية، مثل صيف العبور، ومسك الختام، والخريف الماطر، والميل أربعين.
غير أن الحكومة لم تُغلِقْ، رغم هذا التصعيد، باب التواصل مع الحركة الشعبية نهائياً، وقبلت دون شرطٍ مبادرة الرئيس الأمريكي السابق السيد جيمي كارتر للتوسّط بين الطرفين. كان الرئيس الأمريكي السابق قد أنشأ مركزاً للسلام بعد تقاعده من العمل السياسي إثر خسرانه الانتخابات لمنافسه الجمهوري السيد رونالد ريغان في الانتخابات الأمريكية في عام 1980.
كانت الأحوال المعيشية لشعب جنوب السودان قد ساءت كثيراً، وتوسّعت دائرة المجاعة لتشمل مساحاتٍ واسعةٍ من الجنوب بسبب الحرب والقصف العشوائي، ومواصلة عرقلة أعمال الإغاثة الدولية المحدودة لشعب جنوب السودان.
وقد هزّت ضميرَ العالم الصورُ المرعبةُ للمجاعة في جنوب السودان وقادت إلى قرار مركز كارتر التدخّل، وزيارة الرئيس السابق بنفسه للسودان في نهاية أكتوبر عام 1989 لعرض وساطته التي قبلتها حكومة الإسلاميين، كما قبلتها الحركة الشعبية أيضاً. يُلاحظ قبول الإسلاميين وساطة الولايات المتحدة الأمريكية بعد شهورٍ من سعيها وقبولها لوساطة إثيوبيا الشيوعية.

3
تمّ عقد اللقاء الثاني بين الحكومة والحركة الشعبية بوساطة السيد جيمي كارتر.بعد أن وافق الطرفان على مقترحه باللقاء في نيروبي في أول ديسمبر عام 1989.
ترأس الوفد الحكومي العقيد محمد الأمين خليفة، وشمل الدكتور غازي العتباني، وثلاثة عسكريين هم اللواء عبد الخالق إبراهيم، والعميد كمال علي مختار، والعقيد حسن محمد ضحوي. كما شمل ثلاثة قانونيين هم الدكتور عبد الله إدريس، والدكتور عبد السميع عمر، والأستاذ عبد الباسط سبدرات. وشمل الوفد أيضاً أربعةً من أبناء الجنوب هم السادة ماثيو أبور أيانق، وقاجوك أوريانق لوبايا، وأندرو كواج، وأندرو ملوال ليك.
من الجانب الآخر ترأس وفد الحركة الذي تكون من تسعة أعضاء الدكتور لام أكول أجاوين، وشمل القانوني السيد جون لوك وثلاثة شماليين هم الدكتور منصور خالد، والسيدين ياسر عرمان ومحمد سعيد بازرعة.

4
بدأت المفاوضات يوم 2 ديسمبر عام 1989 في نيروبي برعاية الحكومة الكينية، مُمثّلةً بمساعد وزير الخارجية السيد جوزيف موليرو، ورئاسة السيد جيمي كارتر. بعد الكلمات الافتتاحية والتأكيد على ضرورة الحل السلمي وصلت المفاوضات بسرعةٍ إلى نفس نقطة الجدل السابق حول قوانين سبتمبر ومسألة الإلغاء والتجميد.
أعادت الحركة مطالبتها بالبدء من حيث انتهت جولة المفاوضات السابقة وإعلان كوكا دام ومبادرة السلام السودانية (اتفاقية الميرغني قرنق)، وطالبت بإلغاء قوانين سبتمبر كشرطٍ لعقد المؤتمر الدستوري. أثار قانونيو الوفد الحكومي أن تلك الاتفاقيات لم يتم عقدها مع الحكومة، بل كانت مع تنظيماتٍ وأحزاب، وبالتالي فهي ليست ملزمةً للحكومة. وجادل وفدها أن الحركة لا يمكن أن تطالب بإلغاء قوانين سبتمبر لأنها وافقت بموجب مبادرة السلام السودانية على التجميد فقط لتلك القوانين. كما أكّد الوفد الحكومي أن تطبيق قوانين سبتمبر في حقيقة الأمر مجمّدٌ منذ فترة.
تساءل عندها وفد الحركة في حيرةٍ واندهاش: إذا كانت الجبهة القومية الإسلامية الحاكمة تعتقد أن تطبيق قوانين سبتمبر مجمّدٌ منذ فترة فلماذا إذاً عارضت مبادرة السلام السودانية التي انبنت على تجميد قوانين سبتمبر؟

5
دار نقاشٌ مطوّل حول وقف إطلاق النار، ولكن الحركة ربطته بقيام المؤتمر الدستوري، وتواصل النقاش عن تكوين حكومةٍ موسّعة، لكن ثار الخلاف على من يشارك فيها. عليه فقد انتهى لقاء نيروبي في 5 ديسمبر عام 1989، بعد ثلاثة أيامٍ من بدايته، كما انتهى لقاء أديس أبابا في 20 أغسطس، بدون أيِّ اتفاق.
لم يكن الرئيس السابق جيمي كارتر على درايةٍ كاملةٍ بتاريخ وتطوّر النزاع في السودان، ولا بالخلافات الحادة في المواقف بين الوفدين، وكان واضحاً من خطابه الافتتاحي أنه كان متفائلاً. ويبدو أن أحد أسباب تفاؤله، كما ذكر هو بنفسه لاحقاً، هو انخداعه بالطريقة الودّية التي تعامل بها أعضاء الوفدين مع بعضهما البعض في حفل الاستقبال الذي أقامته الحكومة الكينية قبل بدء المفاوضات. فقد عانق كلٌّ من أعضاء الوفدين أعضاء الوفد الآخر بشوقٍ، ودخلوا في جمل سلامٍ سودانيةٍ متواصلة، ثم في “دردشة” طوال حفل الاستقبال.!!
انتهى عام 1989 وبدأ عام 1990 وتصاعدت الحرب في الجنوب.

6
في تلك الأثناء بدأت حكومة الإنقاذ حملة اعتقالاتٍ واسعةٍ لمعارضيها، وشرعت في تنفيذ برنامجٍ متكاملٍ للتعامل القاسي مع المعتقلين، شملت التعذيب، والاعتقالات المطوّلة في ظروفٍ سيئةٍ في ما أطلِق عليه “بيوت الأشباح”. كما شملت تلك الإجراءات الفصل من الخدمة المدنية والجامعات والقضاء لمن قرّر النظام الجديد أنه لا يثق فيهم، والذين تجاوز عددهم السبعين ألفاً (أو مائة ألف حسب تقديراتٍ أخرى). وتمّ إعدام ثمانيةٍ وعشرين ضابطاً بعد فشل محاولتهم الانقلابية، بعد ساعاتٍ فقط من فشل المحاولة، وبعد محاكمةٍ صوريةٍ عاجلة. وأعلنت الحكومة أنه لا صوت يعلو فوق صوت معركة الجهاد في الجنوب، وتطبيق الشريعة في البلاد، أو ما سمّته المشروع الحضاري.
وقد ساهم ذلك البطش وتلك الإجراءات التعسفية القاسية وحملات التجنيد المرعبة وخسائر القوات المسلحة المتوالية في الجنوب في ازدياد تصاعد الرفض الشعبي لنظام الإنقاذ الجديد، وللحرب، والمطالبة بالحل السلمي.
وقد أضافت هذه التطورات المزيد من الضغوط على الحكومة للسير في اتجاه الحلِّ السلمي، لكن بدون أن يكون لديها برنامج تفاوضي أو خارطة طريق واضحة، مما ساهم في سيادة الارتباك التام في سياسات حكومة الإسلاميين تجاه قضية الجنوب.

7
تواصلت خلال عام 1990 محاولاتٌ للتوسّط بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية بعد فشل مبادرة الرئيس الأمريكي السابق كارتر. شملت تلك المحاولات مقترحات الحكومة الامريكية التي حملها السيد هيرمان كوهين مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشئون الأفريقية للخرطوم وللحركة الشعبية في أديس أبابا. وقد تضمّنت تلك المقترحات انسحاب القوات الحكومية شمال خط عرض 13، وتولّي مراقبين دوليين عملية الإشراف على الفصل العسكري الذي يتبعه الحل السياسي. لكن الحكومة السودانية لم تقبل تلك المقترحات.
وكما ذكرنا في سلسلة المقالات السابقة، فقد كان السيد كوهين قد التقى السيد الصادق المهدي وحثّه على قبول إعلان كوكا دام. لكن السيد الصادق المهدي رفض ذلك، وأخبره أن أي حزبٍ سياسيٍ يقبل بهذا المقترح سوف يخسر الانتخابات.
زار السودان أيضا الأمين العام لمنظمة الوحدة الأفريقية وقتها السيد سالم أحمد سالم يحمل مقترحاتٍ لحل النزاع تبدأ بوقف إطلاق النار ومواصلة الحوار. وفعلَ نفس الشيء السيد أوبوسانجو رئيس جمهورية نيجيريا. لكن تلك المقترحات لم تجد القبول من أيٍ من الطرفين.

8
في تلك الأثناء كانت الأحزاب السياسية الشمالية والتنظيمات النقابية، التي تمّ حلّها يوم إعلان الانقلاب العسكري في 30 يونيو عام 1989، قد بدأت محاولة لمّ شملها لمعارضة النظام تحت مظلةٍ تمت تسميتها “التجمّع الوطني الديمقراطي”، وهو تجمّعٌ شبيهٌ بالتجمّع الوطني لإنقاذ الوطن الذي قاد انتفاضة أبريل ولكن لم يُكتب له البقاء طويلاً.
كانت نواة قيام التجمّع الوطني الجديد قد بدأت داخل السودان في 21 أكتوبر عام 1989، وانتقل بعض أفراد التجمّع بعد الهجمات الشرسة على القيادات السياسية والنقابية إلى القاهرة في بداية التسعينيات. وقد تمّ الاتصال بالحركة الشعبية في ذلك الوقت بغرض إقناعها الانضمام إلى التجمّع حال الانتقال إلى القاهرة. وقد وافقت الحركة الشعبية من حيث المبدأ على الانضمام للتجمع، كما سنناقش لاحقاً.

9
غير أن عام 1991 شهد تطوراً خطيراً كانت له تداعياتٌ كبيرة على الحركة الشعبية، وعلى عملية التفاوض بين الحكومة والحركة، وعلى مجمل العلاقات بين شمال وجنوب السودان. كان ذلك التطور هو سقوط نظام منقيستو هايلي ماريام وهروب زعيمه إلى زيمبابوي إثر استيلاء قوات الجبهة الديمقراطية الثورية لشعب إثيوبيا على السلطة في أديس أبابا في 28 من شهر مايو عام 1991.
أحدث سقوط نظام منقيستو دويّاً هائلاً داخل الحركة الشعبية. كانت الحركة قد أنشأت منذ قيامها في مايو عام 1983 تحالفاً وطيداً مع نظام منقيستو هايلي ماريام، قوي واستطال خلال الثمانية أعوام اللاحقة. وقد أصبحت أديس أبابا خلال تلك الفترة مصدراً رئيسياً للعون العسكري والسياسي والدبلوماسي للحركة، وصارت أراضي إثيوبيا المتاخمة للحدود مع ولاية أعالي النيل في جنوب السودان ميداناً للتدريب والاجتماعات للحركة الشعبية ومعسكراً للاجئين. وفتحت إثيوبيا ترسانة أسلحتها الخفيفة والثقيلة بسخاءٍ لمحاربي الحركة الشعبية، وأصبحت الجسر الذي يربط الحركة الشعبية بالمعسكر الاشتراكي، ويوصل عونه للحركة.
كانت إثيوبيا تهدف من وراء ذلك العون الضخم للحركة الشعبية إلى ردِّ الصاع صاعين للسودان في عونه المتكامل لحركات التحرير الإريترية المختلفة. فقد كانت تلك الحركات قد اتخذت من الأراضي السودانية منطلقاً لعملياتها منذ قيامها في الستينيات، ونعمت بالتأييد الرسمي والشعبي غير المحدود في السودان الذي أصبح الدولة الأم الثانية للإريتريين.

10
يعتقد الكثيرون أن شعار السودان الجديد المُوحّد الذي تبنّته الحركة الشعبية عند قيامها عام 1983، وعكسته بوضوحٍ في ميثاقها، قد ساهمت فيه علاقتها الوطيدة مع نظام منقيستو هايلي ماريام. إذ لا يُعقل أن تتوقّعَ الحركةُ الشعبية عوناً متكاملاً من إثيوبيا التي كانت تحارب الحركات الإريترية المنادية بالانفصال، إذا كانت الحركة نفسها تطالب بالانفصال، أو حتى حقّ تقرير المصير.
ويبدو أن شعار السودان الجديد الموحّد كان حافزاً وعاملاً مساعداً لإثيوبيا لاستضافة وإعانة الحركة الوليدة التي لم تكن قد وقفت على رجليها بعد. ويبدو أيضاً أن الحركة قد قررت الاستفادة من ذلك الوضع، وحاولت تطوعيه وتوظيفه لخدمة أغراضها السياسية، ولإبراز نفسها كحركة تحررٍ وطنيةٍ يهمّها أمر السودان ككل، وليس الجنوب فقط.
وقد استطاعت الحركة بسبب جاذبية ذلك الشعار “السودان الجديد” استقطاب أعدادٍ كبيرة من السودانيين الشماليين (أو ما عُرِفوا فيما بعد بـــ “شماليي الحركة الشعبية”) إلى صفوفها، خصوصاً الشماليين في مناطق جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق التي يلتقي سكانها في الهوية العرقية والثقافية مع سكان جنوب السودان.

11
عليه فقد نتج عن سقوط نظام منقيستو هايلي ماريام في 28 مايو عام 1991 دويٌّ هائلٌ داخل الحركة الشعبية. كان من أوائل القرارات التي اتخذتها الحكومة الجديدة في أديس أبابا هو إخطار الحركة الشعبية لتحرير السودان بإغلاق مكاتبها ومعسكراتها في إثيوبيا ونقل أفرادها وعتادها من داخل إثيوبيا.
فجأةً توقفت الإمدادات العسكرية والمادية الضخمة، وصار لزاماً على الحركة بين ليلةٍ وضحاها الانصياع لهذا القرار والبحث عن حلفاء جدد لن تتوفرَ في أيٍّ منهم الميزات الإثيوبية المتكاملة.
من الجانب الآخر سعدت الخرطوم كثيراً للتغيير في أديس أبابا (والذي ذكرت وكرّرت أنها قد ساهمت فيه). وفتح هذا التغيير فصلاً جديداً للعلاقات بين الحكومة الإثيوبية الجديدة وحكومة الإسلاميين في الخرطوم، وأحدث ربكةً كبيرةً داخل الحركة الشعبية.

12
كانت أولى تداعيات سقوط نظام منقيستو هايلي ماريام بروز جدلٍ حاد داخل الحركة الشعبية حول استراتيجية الحركة في ذلك الاعتماد الكبير على نظام منقيستو. وامتد الجدل ليشمل طريقة اتخاذ القرارات داخل الحركة، وحتى مبدأ السودان الجديد الموحّد الذي ظلّت الحركة تنادي به منذ قيامها وطيلة الأعوام الثمانية التي سبقت انهيار نظام منقيستو هايلي ماريام.
نتج عن ذلك الجدل انشقاقٌ كبير داخل الحركة نفسها. ففي 27 أغسطس عام 1991، أي بعد ثلاثة أشهرٍ فقط من سقوط نظام منقيستو، أعلن الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول أجاوين عن انقلابٍ عسكريٍ زعما أنهما أطاحا من خلاله بالدكتور جون قرنق. غير أن الانقلاب لم ينجح في هدفه الأساسي، وانتهى الأمر بحدوث انقسامٍ كبيرٍ داخل الحركة الشعبية وبروز فصيل الناصر (أو الفصيل المتّحد) من الحركة الشعبية بقيادة الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول أجاوين.
وقد تبنّى هذا الفصيل شعاراتٍ عدّة منها تقرير المصير والانفصال في مواجهة شعار السودان الجديد الموحّد الذي كان يدعو له مانيفستو الحركة الشعبية الأم. وقد وجّهت الحركة الشعبية الأم الاتهام إلى الخرطوم بدعم فصيل الناصر عسكرياً ومادياً قبل وبعد الانقسام. وقد برز المؤشر القبلي في هذا النزاع بوضوح، وحدثت عدّة معارك قبليّة قُتِل فيها الآلاف من قبيلتي الدينكا والنوير.

13
في السادس من شهر سبتمبر عام 1991، أي بعد أقل من أسبوعين من الانقسام، عقدت الحركة الشعبية الأم اجتماعاً لمكتبها السياسي بمدينة توريت التي كانت تحت سيطرتها. أوضح الاجتماع فشل الانقلاب، وقد أدانته المجموعة التي ظلّت على ولائها للدكتور جون قرنق، والتي وضح استمرار سيطرتها على مقاليد الأمور في معظم المناطق التي كانت تحت سيطرة الحركة الشعبية في جنوب السودان قبل الانقلاب.
أصدرت الحركة عدّة قراراتٍ كان في صدارتها قرار يتعلّق بكيفية التعامل مع الوضع الجديد في إثيوبيا. فقد تضمّن القرار رقم (2) تصميم الحركة الشعبية على تحسين علاقتها مع الحكومة الإثيوبية الجديدة، وأنها ستطلب من الدول الصديقة مساعدتها في ذلك المنحى. كما أوضح القرار سعي الحركة الشعبية لإقامة علاقات خاصة مع السكان والسلطات في إقليم قامبيلا كجزءٍ من مسعى تحسين العلاقات مع إثيوبيا. أكّد هذا القرار نهاية العلاقة الوطيدة التي ربطت الحركة الشعبية بنظام منقيستو هايلي ماريام. فالوضع قد تغيّر بصورةٍ أصبحت الحركة مضطرّةً للاستعانة بطرفٍ ثالث لتحسين علاقتها بإثيوبيا.

14
غير أن القرار رقم (3) كان أكثرَ القرارات خطورةً. فقد أشارت الفقرة الأولى من ذلك القرار إلى محاولات الحركة الشعبية حلّ النزاع في السودان عن طريق الحوار، وعدّدت محاولاتها في هذا المجال بدءاً بإعلان كوكا دام عام 1986، ومروراً بمبادرة السلام السودانية في عام 1988 (اتفاقية الميرغني وقرنق)، وانتهاءً بجولتي المفاوضات مع حكومة الإنقاذ في أديس أبابا ونيروبي في أغسطس وديسمبر عام 1989. وقد اختتمت الفقرة الأولى من القرار بالقول “وبهذه الروح فإن الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان سوف يواصلان بهمّةٍ البحث عن حلٍ سلمي للنزاع مع حكومة اليوم بالخرطوم ومع القوى السياسية الأخرى.”

15
كان واضحاً أن الغرض من هذه الفقرة هو إعداد القارئ للفقرة التي تليها والتي تضمّنت أخطر القرارات التي اتخذتها الحركة منذ قيامها، ومنذ تبنّيها قرار السودان الجديد عام 1983. فقد نصّت الفقرة الثانية من القرار رقم (3) على الآتي:
“النظام المركزي للحكم في السودان والذي يستند على دعائم العروبة والإسلام مع إتاحة الحق بإقامة نظمٍ لحكمٍ محليٍ ذاتيٍ أو دولٍ فيدرالية في الجنوب (أو أيّ أقاليم أخرى) قد تمتّ تجربته ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، لذلك تأرجح السودان بين الحرب والسلام منذ الاستقلال، وأخذت الحرب 25 عاماً من هذه الفترة التي امتدت لمدة 36 عاماً. في أيّة مبادرةٍ أو محادثاتٍ للسلام مستقبلاً سيكون موقف الحركة الشعبية من نظام الحكم هو وقف الحرب باعتماد نظامٍ موحّدٍ وعلمانيٍ وديمقراطي، أو نظامٍ كونفيدرالي، أو تجمعٍ لدولٍ ذات سيادة، أو تقرير المصير.”

16
وهكذا بين ليلةٍ وضحاها انتقلت الحركة الشعبية لتحرير السودان من شعار السودان الجديد الموحّد إلى المطالبة بنظامٍ كونفيدرالي، أو تجمعٍ لدولٍ ذات سيادة، أو تقرير المصير. كان هذا هو أول شرخٍ لمبدأ السودان الجديد ابن الثمانية أعوام، وهو دون أدنى شكٍّ شرخٌ كبيرٌ، وقنبلةٌ سُمِعَ دويها الهائل في كل الإقليم.
كان واضحاً أن الحركة الشعبية الأم قد تعرّضت لابتزازٍ من فصيل الناصر الذي رفع شعاري الانفصال وتقرير المصير بعد أن أحسّ أن موانع رفع تلك المطالب قد زالت بانهيار نظام منقيستو هايلي ماريام. ورأت الحركة ضرورة سحب البساط من تحت أرجل فصيل الناصر، فكان أن ردّت عليه بتبنّي حق تقرير المصير والكونفيدرالية، مع إبقاء الحديث عن السودان الجديد لإرضاء شماليي الحركة الذين كثر عددهم، وأيضاً لتظل الحركة مخلصةً ووفيّةً لميثاقها الذي كان قد أطال وأفاض في مسألة السودان الجديد الموحّد. بل وفي حقيقة الأمر، فقد انبنى الميثاق على مبدأ السودان الجديد.

17
لقد كان سقوط نظام منقيستو هايلي ماريام دون شكٍ هو عود الكبريت الذي فجّر قنبلة الخلاف داخل الحركة الشعبية، وقاد إلى بروز جناح الناصر ببرنامجه الانفصالي، وبدعوته لتقرير المصير في جنوب السودان. وأدّى هذان التطوران معاً إلى تبنّي الحركة الشعبية الأم لمبدأ حقّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وإلى البدء في تآكل شعار السودان الجديد الموحّد الذي كان المكوّن الأساسي لبرنامج الحركة الشعبية منذ عام 1983.

18
ولكي تخفّف الحركة الشعبية من وقع هذه القنبلة على حلفائها الجدد في التجمّع الوطني الديمقراطي عندما يعلمون بوقائع ذلك الاجتماع، فقد أشار القرار رقم (4) إلى أن الحركة الشعبية سوف تستمر في عضوية التجمّع الوطني الديمقراطي، وسوف تبحث عن الوسائل والسبل لتقوية التجمّع لكي يتمكّن من القيام بدوره في تحقيق السلام في نطاق سودانٍ ديمقراطيٍ مُوحّدٍ علماني.
إن القراءة الهادئة والمتأنّية لهاتين الفقرتين لا بد أن تثير عدداً من التساؤلات. هل افترضت الحركة الشعبية أو تخوّفت أن يُفهم أن حديثها الجديد عن حق تقرير المصير سوف يلغي عضويتها أو وجودها في التجمّع الوطني الديمقراطي فاستخدمت جملة “أن الحركة سوف تستمر في عضوية التجمّع؟” وكيف يمكن أن يُفسّر الحديث عن تقرير المصير والكونفيدرالية في القرار الثالث بينما يتحدث القرار الرابع فقط عن السودان الديمقراطي الموحد العلماني؟

19
سوف نواصل في المقال القادم (وهو الثالث والأخير من هذه السلسلة من المقالات) السرد والنقاش لهذه التطوّرات المعقّدة المثيرة، ونوضّح كيف عبّدت هذه التطورات الطريق وقادت، بعد أربعة أشهرٍ فقط، إلى إعلان فراكفورت الذي وقّعته حكومة الإسلاميين في الخرطوم مع فصيل الناصر المنشقِّ من الحركة الشعبية.
وقد تبنّى إعلان فرانكفورت لأولِّ مرّةٍ في تاريخ السودان مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، صراحةً ودون أيّةِ اشتراطاتٍ أو تحفّظات. وأتى الإعلان من مجموعة الإسلاميين التي رفضت بشدّة، قبل حوالي العامين فقط، إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق التي لم تنادي بأكثر من تجميد قوانين سبتمبر حتى انعقاد المؤتمر الدستوري، كما ناقشنا بالتفصيل في سلسلة المقالات السابقة.


*محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.

Salmanmasalman@gmail.com

عن د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شاهد أيضاً

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (9)

قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)د. سلمان محمد أحمد سلمان*1تابعنا في المقالات الثمانية …