ساسةُ السودان وعسكرُه … والسقوطُ الوطنيُّ المُدوّي

عبد القادر محمد أحمد/ المُحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

التناقضات في مواقف وتصريحات بعض المسؤولين الحكوميين أوالسياسيين أوالتحالفات في المشهد السوداني المأزوم، تكشف أن دافعهم ليس مبدئيًا أو أخلاقيًا، بل صراعٌ محموم على السلطة يفسّر عجزهم عن إجراء أي حوار وطني جاد لحل الأزمة.

ومن باب التذكير، سأستعرضُ بعضها بقسوةٍ متعمّدة، ملتزمًا بالحقائق كما أراها، في محاولةٍ لإيقاظِ من لا يزال يحملُ ذرةَ إحساسٍ بالمسؤولية تجاه وطنٍ ينزف.

▪️▪️تناقضاتُ مسؤولين حكوميين:
يسعى التحالف الحاكم لترسيخ سلطانه وإجهاض أمل الدولة المدنية بإطالة الحرب وصناعة طبقة من المنتفعين المطبلين بالمناصب والمال العام، فدخل قادته في تناقضات فادحة تنسف مصداقيتهم، ونرصد بعضا منها:

الفريق البرهان:
1- يقول: «نحن ذاتنا ما طمعانين وما في زول عايز حاجة»، ثم يناقض نفسه برسالته المفتوحة للرئيس الأمريكي بأن يبارك تنصيبه رئيسًا شرعيًا للسودان، ويعينه في القضاء على قوات الدعم السريع و«مرتزقتها» و«حلفائهم»، مقابلَ دورٍ مميزٍ في إعادة الإعمار والاستثمار!
2- لا يمانع البرهان التفاوضَ مع الدعم السريع ثم يشترطُ أن يسلموا أسلحتهم ويتجمعوا في أماكنَ معينة، وهو يعلم أنه شرطٌ تعجيزيٌّ بالنظر لواقع سير المعارك.
3- لا يمانع البرهان مشاركةَ صمود في المفاوضات، ثم يقول لا مكان لصمود («مرتزقة» و«حلفاء» الدعم السريع) في مستقبل السودان!
4- يحذر البرهان الإسلاميين من اختطاف انتصاراتِ الجيش لصالح أهدافهم السياسية، ثم يتراجع ويجعلهم الأولى بالمناصب بعد الحرب، ثم ينكر وجودهم أصلًا!
هذا تناقض مشين في حق رأس الدولة.

الفريق ياسر العطا:
يدافع عن مهنية الجيش، وينفي وجودَ إسلاميين، ويسيئ للمهنية بتبنيه مواقفهم، ويصف القوى المدنية بـ«سجم الرماد». ويهدد بالانقلاب عليهم حال فوزهم في الانتخابات! لا تعليق!

▪️▪️تناقضاتُ الاسلاميين:
يتعللون برفض الحوار بحجة التدخلات الخارجية، بينما يجرون اتصالات مع الخارج بحثًا عن حل يخدم مصالحهم. وبغير ذلك، فإن الحرب في حساباتهم، يجب أن تستمر إلى أن تحقق نتائج تحمي مكاسبهم وتجنبهم المحاسبة. والتناقضات أدناه تؤكد أن لا شيء يشغلهم سوى السلطة:

علي كرتي:
ينفي علاقته بالجيش والحرب، ثم يناقض نفسه ببيانٍ يخاطبُ الجيش قائلًا: «العهدُ معكم ماضٍ، والبيعةُ لنصرة الحق في أعناقنا باقية»، مؤكدًا «ثباتًا وثقةً ويقينًا لا يتزحزح» في دعمهم. ثم حرصا علي ثمار الحرب وتسيد المشهد السياسي، يقول بأن حركته تريد «توحيد الصف» و«جمع الكلمة» من أجل «الإعمار والتنمية والاستقرار» و«تمكين الشباب وحراسة القيم»! .

الحاج آدم:
يقول: نحن ندعم القوات المسلحة ضد المليشيات، لكن ليس لخلق نفوذٍ داخل الجيش. ثم يناقض نفسه ويقول: نحن ضد وقف إطلاق النار ولسنا ملزمين برأي البرهان إذا قرر وقف الحرب. بمعنى أن دعمهم للجيش مشروطٌ باستمرار الحرب، خدمةً لمشروعهم.

الدرديري:
يقول إن بيان الرباعية مرفوض لأنه يعيد الدعم السريع للمشهد السياسي، مع أن البيان نصَّ صراحةً على إبعاد الجيش والدعم السريع عن المشهد السياسي. والمطلوب فقط أن يكون الحوار بينهما حول الترتيبات الفنية لوقف وإنهاء الحرب. لكن الحقيقة انهم يرفضون أبعاد الجيش عن السياسية. وهذا ما عبر عنه الدرديري صراحة بأن يتسيد الجيش، الواقع تحت سيطرتهم، المرحلة الانتقالية ويحدد المستقبل السياسي للدولة!

ثم، بدلًا من أن يكون سباقًا لما قد يفتح طريق الخلاص للوطن، بالإقرار والاعتذار عن أخطاء وجرائم الإسلاميين، نجده يرهن ذلك بإقرار الآخرين، وكأن المراوغة السياسية فوق مآسي الوطن!

▪️▪️تناقضاتُ الكتلة الديمقراطية المتحالفة مع الجيش والإسلاميين:
تحمل السلاح وتطرح نفسها كقوى مدنية! تتحدث باسم الهامش، فقط كأداة تفاوضية لمصالحها الخاصة. تعلن حرصها على الحل السلمي والتحول الديمقراطي ورفض الإقصاء، لكنها تتقيد بتحالفها مع العسكر والإسلاميين في التمسك بالحرب والإقصاء والانقلاب!

ولذلك تتناقض تصريحات مناوي بين عداء مطلق للدعم السريع واستعداد للتواصل معه! وينكر جبريل علاقته بالإسلاميين، بينما ظل وزيرَا لماليتهم في الانتقال والانقلاب والحرب، وشريكَهم في الانقلاب والحرب وتمويلها.!

ويتحدث مصطفى تمبور عن حوار سوداني لا يستثني أحدًا، ثم يتراجع: ممكن يشمل صمود «إذا كانت جهة سودانية»!. ويؤكد حق جماعته كطرف في الحوار، وينكر حق جماعة الهادي إدريس. فأي تناقض هذا؟!

▪️▪️تناقضات تحالف صمود:
يتبنى الحياد والحل السلمي، لكن بعض مواقفه توحي بالانحياز، مما أفقده دور الوسيط. لا يملك خارطة طريق متكاملة للخروج من الأزمة، سوى عبارات عامة بلا خطط عملية قابلة للتنفيذ. معظم مواقفه وتحركاته عبارة عن ردود أفعال لا مبادرات.

ومن غياب البوصلة، مناشدة القيادي محمد الفكي لكل من صمود وقوى الثورة والبرهان بالاصطفاف ضد الإسلاميين، ثم قوله وبحق، إن البرهان يشكل خطرًا على مستقبل الدولة. أليس هذا تخبطا؟

لا بدّ لصمود أن يستفيد من أخطائه؛ فإدارة العمل العام بعقلية الشللية تجلب العزلة والفشل، ولذلك نجده يعاني فقدان التواصل مع القواعد الفاعلة، وأدوات الضغط التي تمكنه من التأثير في مسار الأحداث.

صمود في حاجة ماسة إلى الانفتاح على كل القوى المدنية، لتحقيق التوافق اللازم لبناء كتلة وطنية عريضة تمنحه وزنًا أكبر، محليًا وخارجيًا، وتمكنه من الإسهام الفاعل الضاغط تجاه إنهاء الحرب والحل الوطني.

الكثيرون يمسكون عن انتقاده لأنه الجسم المدني الذي يملك إمكانيات الحركة في مواجهة التحالف المناهض للثورة. لكن النقد يظل مطلوبًا، للارتقاء بالأداء إلى مستوى التطلعات والمحافظة على قيم الثورة وإدراك مطلوبات المرحلة.

▪️▪️تناقضات قادة تحالف تأسيس:
يتحدثون عن حرصهم على الوحدة والسلام وأرواح المواطنين والهدنة الإنسانية، ويؤكدون التزامهم بالديمقراطية والمحاسبة، لكنهم يفعلون النقيض بتشكيل حكومة موازية، وتقويض المؤسسات العامة، واحتلال وهدم المدن، واستهداف المدنيين بارتكاب جرائم الحرب، والتصفيات العرقية، ونهب الممتلكات العامة والخاصة.

يبررون الجريمة بالجريمة بقولهم؛ إنهم يقتلون «أسرى الحرب» وليس المدنيين، وإن الجيش بدوره يرتكب جرائم، وإن من يريد وقف الانتهاكات عليه الذهاب للسلام، أما غير ذلك فإن ما يفعلونه، في نظرهم، هو «منطق الحرب».! ومن العجب أنهم مستمرون في هذا الفعل، ولا يزالون ينادون بالحوار والسلام! ادناه نماذج توضح حال قادة هذا التحالف:

حميدتي:
سيرته العامة كلها تناقضات أفعال وأقوال؛ من حماية البشير إلى حماية الثورة، ومن حماية الثورة إلى جريمة فض الاعتصام التي أعقبها أسف وندم، ثم جلس في قمة السلطة وشارك في الانقلاب ودخل في صراع التجهيز للحرب، وهو الآن أول المنادين بالحوار والسلام. فبئس المصداقية!

عبد العزيز الحلو:
يرفع شعارات السودان الجديد والمواطنة، بينما تاريخه الانسحاب من كل تسوية ممكنة. يرفع شعارات العدالة والنمو والتطور، بينما يسمح للدول بنهب موارد وثروات منطقته، ويبقي شعبه في الفقر والعوز. وهو لا يزال يتحدث عن المواطنة والحوار والسلام. فأي مصداقية هذه!

▪️▪️ختامًا:
هذا رصدٌ يسيرٌ من تناقضات معظم قيادات أطراف المشهد السوداني. يسمّيها بعضهم “تكتيكات”، لكنّ التكتيك يكون لحماية الوطن، لا حماية المصالح الخاصة على حساب الوطن. فهذه تناقضات مجرّدة من أي أساس وطني أو إنساني، تكشف استخفافًا صارخًا بمصير البلاد والأجيال والدماء، وانغماسًا في صراعٍ سلطوي بلا مسؤولية، وبلا إنصات لأي صوت يبحث عن المخرج. حالهم يفضح عجزًا شاملًا: إنهم عاجزون عن الحرب، عاجزون عن السلام، لكنهم قادرون على جرّه الوطن نحو الهاوية.

ومنهم من بلغ أو شارف الثمانين، يجلس أمام الشاشات في كامل صحته وهندامه، متصنعًا الوقار وخشية الله، يبرر للحرب بلا حياء، متجاهلًا أكثر من مائة ألف طفل، بين قتيل وجريح، وجائع ومشرد، ومحرومين من التعليم. إنه سقوط شامل لأي وازع ضميري ووطني وسياسي. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …