الحَسَاسِيَّاتُ السُوْدَانِيَّةُ–المِصْرِيَّةُ: مِن التَوَجُّسِ المُتَبَادَلِ إلىَ الفَهْمِ المُشْتَرَكِ
Sudanese-Egyptian Sensitivities: From Mutual Apprehension to Shared Understanding
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
على الرغم مما يجمع السودان ومصر من روابط ووشائج حضارية وجغرافية تمتد لآلاف السنين، إلا أن العلاقات بين البلدين ظلت أسيرة حساسيات تاريخية وسياسية واقتصادية تَشَكَّلت عبر الزمن. وبدل أن يتم التعامل مع هذه الحساسيات كملفات تحتاج إلى الدراسة والتوضيح والمراجعة، تحولت بمرور الوقت إلى روايات شعبية راسخة، ثم إلى ”حقائق سياسية“ غير قابلة للنقاش، على الرغم من أنها في معظمها تقوم على انطباعات لا على وقائع.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى دور نوعي لمراكز الفكر والمفكرين في البلدين، ليس فقط لرصد هذه الحساسيات، بل لمعالجتها وتصحيحها وإعادة تشكيل وعي جماهيري جديد يؤسس لعلاقة أكثر توازناً ونضجاً. فالعلاقة بين السودان ومصر ليست محكومة بما جرى في الماضي، ولا بما نتج من سوء فهم سياسي في العقود الأخيرة، بل محكومة بما ينبغي أن يكون عليه المستقبل بين بلدين يشتركان في التاريخ الضارب في القدم، والنيل، والمصير الجغرافي، والضرورات الاقتصادية، وتحديات الأمن الإقليمي.
الانطباعات مقابل الوقائع: أين يبدأ الخلل؟
تكمن أبرز مشكلات العلاقة بين الشعبين في تداخل الانطباعات مع الوقائع. فعلى الجانب السوداني، ما زال جزء من الوعي الجمعي يتعامل مع ”الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري“ كمرحلة شاركت فيها مصر في إدارة السودان كدولة مُستعمِرة، بينما تظهر الوثائق التاريخية أن مصر كانت نفسها خاضعة للاستعمار البريطاني خلال فترة الحكم الثنائي وما بعدها، وأن دورها كان رمزياً إلى حد كبير. لكن عدم تفكيك هذه السردية الانطباعية سمح لها بالبقاء مؤثرة في الوجدان السوداني حتى الحين.
كذلك، يرى بعض السودانيين أن مصر تتحفظ على أي تحوّل مدني ديمقراطي في السودان، انطلاقاً من أن نموذج الحكم الديمقراطي قد يكون مصدر إلهام أو ضغط على مؤسسة الحكم في مصر. بينما ترى القاهرة أن استقرار السودان هو جوهر أمنها القومي، وأن الخشية ليست من التحول المدني ذاته، بل من هشاشة المرحلة الانتقالية وخطر الانقسام أو الفراغ السياسي. ولعل ما يفاقم توجس مصر من الانتقال المدني في السودان أن معظم دعاته أسرى لانطباعات تفتقر للدليل.
أما في الجانب الاقتصادي والموردي، خصوصاً في ملف المياه، فقد تراكمت انطباعات أخرى لا تقل تأثيراً سلبياً. فهناك سودانيون يرون أن مصر تُعارض تطوير القطاع الزراعي المروي في السودان حتى لا يستخدم السودان كامل حصته من مياه النيل بحيث تظل هذه الحصة تنساب طواعية لمصر. ورغم أن هذا التصور لا يستند إلى وثائق رسمية تؤكد مثل هذا الموقف، إلا أن غياب الشفافية الفنية والبحثية حول هذه المسألة سمح للانطباع بأن يتحول لدى البعض إلى يقين.
هذه الأمثلة الثلاثة، التاريخية والسياسية والموردية، تعكس حجم الفجوة بين ما هو ”مُتخيَّلٌ“ وما هو ”مُثبَتٌ“، وبين ما هو ”موروثٌ“ وما هو ”موضوعيٌ“.
لماذا بقيت الحساسيات دون معالجة؟
السبب الرئيس وراء تراكم هذه الحساسيات هو غياب الدور الفكري البحثي المؤسسي القادر على تفكيكها منذ وقت مبكر. فالعلاقات السودانية–المصرية اتكأت لسنوات طويلة على الروابط الرسمية، وعلى الخطاب العاطفي حول ”وحدة وادي النيل“ و”العلاقات الأزلية“، دون أن يُخصص جهد علمي ممنهج لفهم ما يجري في الوعي الشعبي لمعالجة الحساسيات والترسبات الانطباعية.
ذلك أن مراكز الفكر في البلدين لم تقم بالدور المنتظر منها، سواء بسبب محدودية التعاون بينها، أو غياب منصة مشتركة، أو سيطرة الخطاب السياسي اللحظي على التحليل العميق. وفي كلتا الحالتين، كان الفراغ المعرفي هو ما سمح للحساسيات أن تنمو وتتحول من انطباعات إلى عقبات.
الحساسيات التاريخية: بين الرواية والواقع
تعد فترة الحكم الثنائي من أكثر الحقب التي تحتاج إلى مراجعة فكرية وعلمية. فالرواية الشعبية السودانية، رغم أهميتها في تشكيل الهوية الوطنية، ليست خالية من الالتباسات. فمصر كانت خاضعة لبريطانيا، ولم تكن صاحبة السلطة الفعلية في السودان، لكن غياب التوضيح البحثي على مدى عقود جعل هذه السردية تستمر دون تصحيح.
مراكز الفكر يمكن أن تقدم هنا خدمة جليلة عبر:
- إعداد دراسات مشتركة تستند إلى الأرشيف البريطاني والمصري والسوداني.
- مراجعة السرديات المدرسية والإعلامية.
- إنتاج فهم جديد يقوم على الحقائق التاريخية لا على الصور النمطية.
الحساسيات السياسية: هواجس المصالح المتبادلة
تعكس الحساسيات السياسية اختلافاً في قراءة المصالح أكثر من اختلاف في المصالح نفسها. فالسودان يقرأ الموقف المصري من التحول السياسي عبر منظور الشك، بينما تقرأ مصر الوضع السوداني من منظور الأمن الإقليمي. لكن غياب الحوار الفكري جعل الطرفين يتعاملان مع مخاوف بعضهما كمواقف ثابتة، لا كسياقات سياسية قابلة للمفاهمة والفهم.
ويمكن لمراكز الفكر أن تساهم في بناء هذه الجسور من خلال:
- إطلاق حوارات منتظمة حول الأمن الإقليمي والتحولات السياسية.
- تحليل البيانات الرسمية بعيداً عن التكهنات.
- تقديم مقاربات مشتركة للتحول المدني والدور المؤسساتي للجيش.
الحساسيات الاقتصادية والموردية: الملف الأكثر حساسية
يُعد ملف المياه والري أحد أكثر الملفات حساسيات، ومع ذلك فهو من أكثرها قابلية للحلول التعاونية. فبدل النظر إلى المياه كـخيار ”صفري“، يمكن النظر للمياه كمحفِّز لشراكة بين البلدين تُبنى على التكامل الزراعي، والاستثمارات المشتركة، والتوزيع العادل للمنافع الاقتصادية والقيمة المضافة.
وهنا أيضاً يمكن لمراكز الفكر أن:
- تنتج دراسات شفافة تعتمد على الموارد الهيدرولوجية الفعلية.
- تقترح نماذج للتكامل الزراعي بدل المنافسة الصامتة.
- تساهم في تهدئة المخاوف عبر تقديم الحقائق للرأي العام.
نحو فهم جديد: لماذا يجب أن تقود مراكز الفكر المرحلة القادمة؟
نظراً لعدم إمكانية معالجة الحساسيات الشعبية عبر الخطاب الرسمي وحده، ينبغي معالجتها عبر خطاب معرفي يحترم الانطباعات ويقدم بدائل واقعية. فبناء الثقة استراتيجية بين البلدين يحتاج إلى:
- فهم مشترك للتاريخ.
- قراءة موضوعية للسياسة.
- مقاربة عادلة للموارد.
- ورؤية مشتركة لمستقبل وادي النيل.
وعليه فإن الدور الجوهري الذي يمكن أن تلعبه مراكز الفكر اليوم ليس ترفاً، بل ضرورة لبناء علاقة أكثر توازناً واستدامة بين بلدين يجمعهما التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم