بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com
الجدل مفتوح على أّفق بلا حدود عمّا إذا كان ما نفذه الجيش في هجليج هو انسحاب تكتيكي أم هروب .دون المساس بهيبة الجيش فالإجابة معلّقة برقبة القيادة . فتأمين سلامة منشأة النفط هدف وطني نبيل وفق موازين الاقتصاد.لكن هل الانسحاب يؤمّن تدفق النفط في أنبوب الاقتصاد الوطني . مع أن مصفاة الجيلي لا تقطّر كحولًا . لمنها لم تنج من التدمير. كذلك الكلام في شأن هدر عائدات النفط أو نهبها هذا ليس أوانه . فمن الأجدى قصر الحديث هنا عمّا إذا كان الانسحاب هو تكتيكٌ عسكري ناجح ؟ أم عمل وطني بطولي؟ أو هو هدف اقتصادي رابح؟. كما لا ينبغي احتدام الجدل حول هجليج أكثر من سابقاتها. النفط السوداني ليس أغلى من الدم السوداني .فالحرب الرعناء استنزفت الكثير من مخزوننا البشري . كما دمرت العديد من دور التعليم ، خرانات الكتب ،و الوثائق ، ودور البحث والتطبيب . بالإضافة ألى شبكات البنى التحتية في العاصمة والمدن المحروقة والمهجورة . كما لا ينبغي إعلاء الامتيازات النفطية -رغم حيويتها-على تلك النفائس . كلها رأسمال وطني عزيز .الجيل الثاني -إن صح التصنيف- على مستوى قيادات التيار الاسلامي يتحمل هدر رؤوس كل أموالنا البشرية ، الاقتصادية والسياسية.
تعدد اخلاء الجيش مدنًا ومواقع عسكرية يُكرّس مفهومًا عاماً عن عدم تكافؤ طرفي الحرب . فمن المنظور العسكري يُثبّت وجودَ حرب غير متكافئة وفق التكتيكات الإستراتيجية . مثلما أكدت معاركها فأنها حربٌ ليست تقليدية . قيادات الجيش مطالبة اكثر من غيرها بالإجابة على تلك الأسئلة . كما عليها و خبرائها الاستراتيجيين اقناع المواطنين عمّا إذا كان الجيش يمارس حربَ استنزاف في هذه المعارك أم هو ضحيةٌ لهذا التكتيك . لعل الإجابة تؤشر إلى النتيجة النهائية المجهولة لهذه الحرب الملعون.فالانسحاب مفهومٌ يقترن بعدم الكفاءة .لا فارق ما إذا كان من سوق تجارةٍ أو ميدان اقتتال . الهدف في الحالتين هو خفض الخسائر و تفادي مزيد من المخاطر .هو قرار حكيم وربما شجاعٌ كذلك حينما يأتي في الوقت المناسب وفق اسلوب مناسب لغايات مدروسة . إذ أنه خيار . هو يتفوق على الهزيمة .هي نتيجة . لكنه آخر الخيارات و آخر الحلول المشرّفة المتاحة .
الانسحاب من جبهات القتال تكتيك عسكري يمهد للاعداد من أجل هجوم مضاد .لذلك فغايته ليست فقط تأمين حياة الجنود بل كذلك الحفاظ على العتاد العسكري . فالانسحاب الناجح يتم إنجازه عبر مخطط مرسوم إلى مواقع للاحتماء المؤقت . الخطة لا تستهدف الرحيل عن جبهة القتال بل العودة إلى المعركة بعد إعادة التنظيم والتخطيط .في غياب هذا المخطط يفصح الانسحاب عن مكامن الضعف حال تنفيذه مبكرًا .كما يصبح الفعل الممارس أقرب إلى الهزيمة حين اللجوء إليه متأخرًا .وقتئذٍ يصبح ضربًا من الهروب . القيادات الناجحة تتعلم من نكساتها بينما تعيد الفاشلة تجاربها الخاسرة. فتوالي الانسحابات من مدن بأكملها تفضح اختلالات خطيرة داخل عقلية ادارة العمليات العسكرية أو قدراتها وعتادها أو ربما جميعها .هذه شبهة تطال قيادات الجيش في معاركها مع الجنجويد .فالجيش لم يعد ليستأنف معارك إثر انسحابات متعاقبة . الانسحابات المتتالية دون عودة تؤثر على معنويات الجنود على كل الجبهات الساخنة والساكنة . هي تهز العلاقة بين المواطن و الجيش . بل ترج ثقة المواطن في ألدولة .
لذلك فالجيش مطالب بكسر هذا التكتيك على نحو عاجل بعمليات مضادة . فما عاد مقنعًا سيل البيانات والكلام المكرور عن المناورات الاستراتيجية والانسحابات التكتيكية مقابل الخسائر المتتابعة في الأرض ،المدن والمواقع الحيوية . الأخطر من الانسحاب في شان هجليج الكلام المتداول عن صفقة ثلاثية سياسية إقتصادية عسكرية محوره الجيش،الجنجويد والجنوب .فهل بموجب الصفقة تنتشر حاليًا قوات من جنوب السودان في هجليج ؟ هل يفضل الجيش قوات أجنبية على مقاتلين متمردين ؟. هل يتواطأ الجنجويد مع الجنوبيين من أجل ضمان تدفق النفط؟ أم يتآمر الجنوبيون مع الجنجويد بتعظيم ثقلهم داخليًا وخارجيًا ضد الجيش ؟ هل تؤمّن هذه الصفقة تؤمن تدفق النفط وعائداته على المحاور الثلاث .
هذه أسئلةٌ لا تحتمل الاجابة عليها الصبر أو الصمت .هذا حديث يستوجب مكاشفة الشعب في شأنه.فالصمت حياله جريمة ربما ترقى إلى الخيانة . مثل هذا الكلام أو لنقل – من منطلق حسن الظن – هذه الشبهات وهذه الاسئلة لا تقدح فقط في غايات الحرب دفاعًا عن شرعية القابضين على السلطة . بل يجرّدها من مضامين شعارات الكرامة والوطنية .فكل انسحاب يترك الجيش المواطنين وقودًا للنار وعرضة للنهب و القهر و العذاب وسط خسائر بشرية عظيمة ومادية فادحة . كل انسحاب يأتي بعد بؤس و معاناة المواطنين مطوّلا أخفها وطءً شحُ الغذاء والماء والدواء !!!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم