”الدِبْلُوْمَاسِيَّةُ الفِكْرِيَّةُ“ لِاسْتِكْشَافِ الثِّقَةِ الاسْتِرَاتِيْجِيَّةِ بَيْنَ السُوْدَانِ وَمِصْرَ

”الدِبْلُوْمَاسِيَّةُ الفِكْرِيَّةُ“ لِاسْتِكْشَافِ الثِّقَةِ الاسْتِرَاتِيْجِيَّةِ بَيْنَ السُوْدَانِ وَمِصْرَ

Intellectual Diplomacy” and the Exploration of Strategic Trust between

Sudan and Egypt

بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

تمثل العلاقات السودانية–المصرية واحدة من أكثر العلاقات حساسية وتعقيدًا في الإقليم، إذ تجتمع فيها عناصر التاريخ والجغرافيا والمصالح المتداخلة، بقدر ما تتخللها روايات شعبية وانطباعات سياسية تراكمت عبر عقود، فأثرت على مسار التعاون بين البلدين. ورغم ما شهدته العلاقة من محطات تعاون مهمة، فإنها لم ترقَ بعد إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية” التي تتناسب مع ما يجمع الشعبين من مصالح مصيرية، وفي مقدمتها استقرار وادي النيل وإدارة موارده ومستقبله.  وفي ظل التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب في السودان، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً إلى مقاربة معرفية جديدة، قادرة على معالجة إرث الحساسيات وتقديم رؤية مشتركة للمستقبل.

وهنا، يتصدر السؤال: هل يمكن لمراكز الفكر السودانية والمصرية أن تشكل منصة جديدة لبناء الثقة الاستراتيجية بين البلدين؟

بين السياسة والمعرفة: أين تقف مراكز الفكر؟

لطالما اتسمت العلاقات بين البلدين بأنها ”علاقة رسمية“ تديرها الحكومات، بينما ظل المجتمعان والنخب الفكرية على هامش المشهد. ومع أن العلاقات بين الشعوب غالباً ما تكون أقوى من حساسيات السياسة، إلا أن نقص القنوات الفكرية المنظمة جعل الروايات الشعبية، لا الدراسات العلمية، تتحكم في الوعي المتبادل.

ففي مصر، تتمتع مراكز الفكر بتاريخ طويل في تحليل السياسات الإقليمية، لكنها لم تُنتج بما يكفي دراسات معمقة حول السودان تتجاوز الجانب الأمني. وفي السودان، لعبت مراكز التفكير دوراً متقطعاً بسبب الأزمات المتكررة، لكنها تمتلك اليوم فرصة لاستعادة صوتها ودورها في مرحلة الحرب وإعادة الإعمار.

لكن غياب إطار مؤسسي يجمع هذه المراكز جعل العلاقة بين البلدين أسيرة الانطباعات. أما وجود منصة فكرية مشتركة، فيمكن أن يحول المعادلة بالكامل.

لماذا تحتاج العلاقات السودانية–المصرية إلى ”دبلوماسية فكرية – Intellectual Diplomacy؟“

الدبلوماسية الرسمية التقليدية بين البلدين ضرورية، لكنها ليست كافية. فالتاريخ يوضح أن العلاقات المعقدة، التي تتشابك فيها المصالح والحدود والموارد، تحتاج دائماً إلى دبلوماسية موازية،  يقودها المفكرون والأكاديميون ومراكز التفكير، تعمل على:

  1. تخفيف إرث الحساسيات التاريخية عبر تقديم سرديات موثقة.
  2. تفكيك سوء الفهم السياسي الذي يفسد فرص التعاون.
  3. تقديم تحليلات موضوعية للأمن الإقليمي بعيداً عن الضغوط اللحظية.
  4. بناء جسور بين المجتمعات لا تستطيع الحكومات وحدها تصنيعها.

هذه ”الدبلوماسية الفكرية“ موجودة بين دول كثيرة، وهي عنصر أساسي في بناء الثقة بين الشركاء الاستراتيجيين.

ثلاثة مجالات رئيسية يمكن لمراكز الفكر قيادتها:

1. مراجعة الإرث التاريخي القديم والحديث

 أ. إعادة كتابة التاريخ القديم بوعي مشترك يعكس حقيقة ريادة البلدين للحضارة الإنسانية. فلا يمكن بناء مستقبل مشترك دون مراجعة الماضي التليد.

ب. يُعد ما يسمى بفترة ”الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري“ من أهم مصادر الحساسية لدى السودانيين، في حين يرى كثيرٌ من المصريين أن هذه الحساسيات مبالغ فيها وغير دقيقة تاريخياً. ومع أن الحقيقة التاريخية واضحة في الوثائق، وهي أن مصر كانت نفسها تحت سيطرة ثنائية عثمانية—بريطانية، إلا أن غياب الحوار الفكري جعل السرديات الشعبية تستمر دون تمحيص.

يمكن لمراكز الفكر هنا أن:

  • تنظم ورشاً مشتركة للمؤرخين لدراسة الوثائق.
  • تنتج تقريراً تاريخيًا مشتركاً يقدم سردية موحدة للبلدين.
  • تسهم في تصحيح الخطاب الإعلامي والتعليم المدرسي حول هذه المرحلة.

هذه الخطوة وحدها كفيلة بإزالة نصف إرث الحساسية بين الشعبين.

2. فهم المخاوف السياسية وتحويلها إلى مجالات للتعاون

تنظر مصر إلى السودان من زاوية الأمن القومي والاستقرار الإقليمي، بينما ينظر قطاع من السودانيين إلى الموقف المصري من التحول المدني بشيء من الشك. لكن هذه الانطباعات، حين تُترك دون تحليل، تتحول إلى عوائق أمام التعاون.

وهنا يأتي دور مراكز الفكر في:

  • إطلاق حوارات استراتيجية بين نخب البلدين حول ماضي وحاضر ومستقبل الحكم في السودان.
  • تحليل تصورات الأمن القومي لدى الطرفين، وتوضيح نقاط الالتقاء لا نقاط التوتر.
  • تقديم رؤية مشتركة تُطمئن الطرفين بأن الاستقرار، وليس شكل الحكم وحده، هو الهدف.

فالمعالجة الفكرية يمكن أن تفعل ما لا تستطيع السياسة ولا الدبلوماسيَّة التقليدية أن تفعله.

3. إعادة تعريف ملف المياه والتكامل الاقتصادي

يُعد ملف المياه والزراعة من أكثر الملفات حساسية، لكنه أيضًا من أكبر فرص التكامل. فالسودان يمتلك الأراضي والموارد، ومصر تمتلك الخبرة ورأس المال، لكن غياب الرؤية المشتركة جعل التعاون محدوداً وموسمياً.

مراكز الفكر يمكن أن:

  • تضع خارطة للتكامل الزراعي والمائي تخدم البلدين.
  • تدرس الاستخدام الأمثل لحصة السودان من المياه.
  • تقدم حلولاً علمية تقلل التوتر وتعزز التنمية المشتركة.
  • تضع نماذج اقتصادية تربط بين الاستثمارات المصرية في السودان وتحقيق القيمة المضافة في البلدين.

بهذا، يتحول ملف المياه من ”بؤرة حساسية“ إلى ”قاطرة للتعاون“.

الحرب في السودان: ضرورة لبداية جديدة

أعادت الحرب ترتيب كل الأولويات في السودان، وفرضت واقعاً جديداً على مصر. ولذلك، فإن مقاربة جديدة، تقودها المعرفة، أصبحت شرطاً لبناء علاقة مستقرة في المستقبل. وهذه المقاربة يجب أن تبدأ من:

  • فهم مشترك للحرب والأطراف المؤثرة فيها.
  • تقديم سياسات مشتركة لوقف الحرب وحماية المدنيين.
  • تصميم خطة متكاملة للسلام والانتقال المدني وإعادة الإعمار بدور مصري–سوداني منسق يراعي المصلحة المشتركة.
  • تعزيز التعاون في مواجهة موجات اللجوء والضغوط الاقتصادية.

الفرصة الآن قائمة، وربما لن تتكرر بهذه القوة.

كيف يمكن البدء عمليا؟

استنباط إطار عملي يشمل:

  1. إنشاء ”منصة فكرية سودانية–مصرية“ مشتركة تغوص في أعماق التاريخ وتستشرف آفاق المستقبل.
    تضم مجموعة من مراكز الفكر في البلدين.
  2. إصدار تقرير سنوي عن ”العلاقات السودانية–المصرية“.
    يحتوي على تحليل للتحديات والفرص.
  3. إطلاق ”منتدى وادي النيل للسياسات العامة“.
    يجمع المفكرين والشباب وصناع القرار.
  4. تطوير ”أجندة تكامل اقتصادي ومائي“.
    تتضمن مشروعات زراعية وصناعية حقيقية.

هذا الإطار ليس معقداً، لكن انجازه يتطلب الإرادة والرؤية المشتركة القاصدة.

خاتمة: المعرفة أولًا

إن دور مراكز الفكر في بناء الثقة الاستراتيجية بين السودان ومصر ليس دوراً تكميلياً، بل هو دور تأسيسي. فالتاريخ يوضح أن العلاقات التي تُدار بالمعرفة تصبح أقوى، وأطول عمراً، وأكثر قدرة على تجاوز الأزمات. وإذا استطاعت مراكز الفكر في البلدين أن تتعاون إنتاجياً، لا بروتوكولياً، فإنهما قادران على صياغة علاقة جديدة بين السودان ومصر تُبنى على:

  • الفهم المشترك.
  • المصالح المشتركة.
  • والنظر إلى المستقبل المشترك لا الماضي الفردي.

وهي الشروط الثلاثة لأي شراكة ناجحة بين البلدين.

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor